وذهب البعض، كما قدمنا، إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة إلى أن تولّى قصيّ أمرها. ويعللون ذلك بأن خزاعة وجرهما قبلها لم يريدوا أن يكون إلى جوار بيت الله بيت غيره، وأنهم لم يكونوا يقيمون ليلهم بالحرم بل يذهبون إلى الحلّ. ويضيف هذا البعض أن قصيّا لما تمّ له أمر مكة جمع قريشا وأمرهم أن يبنوا بها، وابتدأ هو فبنى دار الندوة يجتمع فيها كبراء أهل مكة تحت إمرته ليتشاوروا في أمور بلدهم. فقد كان من عادتهم ألّا يتم أمر إلا باتفاقهم؛ فلم تكن تنكح امرأة ولا يتزوّج رجل إلا في هذه الدار. وبنت قريش بأمر قصيّ حول الكعبة دورها، وتركوا مكانا كافيا للطواف بالبيت، وتركوا بين كل بيتين طريقا ينفذ منه إلى المطاف.
وكان عبد الدار أكبر أبناء قصيّ، ولكن أخاه عبد مناف كان قد تقدّم عليه أمام الناس وقد شرف فيهم.
فلما كبر قصيّ وضعف بدنه ولم يبق قادرا على تولي أمور مكة جعل الحجابة لعبد الدار وسلم إليه مفتاح البيت، كما أعطاه السقاية واللواء والرّفادة. وكانت الرّفادة قسطا تخرجه قريش كل عام من أموالها فتدفعه إلى قصيّ يصنع منه في موسم الحج طعاما ينال منه من الحاجّ من لم يكن ذا سعة ولا زاد. وكان قصيّ أوّل من فرض الرّفادة على قريش حين جمعهم واعتزّ بهم وأخرج وإياهم خزاعة من مكة. فرضها عليهم وقال لهم: «يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل حرمه، وإن الحاجّ ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحق الأضياف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم» .