وظل أمر مكة لجرهم بعد أن غلبوا العماليق عليها إلى عهد مضاض بن عمرو بن الحارث. وقد راجت تجارة مكة خلال هذه الأجيال رواجا أمّر مترفيها وجعلوا ينسون أنهم بواد غير ذي زرع وأنهم في حاجة لذلك إلى الدأب المتصل واليقظة الدائمة. وبلغ من نسيانهم أن نضب ماء زمزم وأن فكر عرب خزاعة في الوثوب إلى مناصب الأمر في البلد الحرام.
ولم يجد تحذير مضاض قومه عاقبة ما انغمسوا فيه من ترف، وأيقن أن الأمر زائل عنه وعنهم؛ فعمد إلى زمزم فأعمق حفرها، وإلى غزالتين من ذهب كانتا بالكعبة مع طائفة من الأموال التي كانت تهدي إلى البيت الحرام فدفعها بقاع البئر وأهال الرمال عليها، آملا أن يعود له- الأمر يوما فيفيد من الكشف عنها، وخرج ومعه بنو إسماعيل من مكة. ووليت خزاعة أمرها. وظلّت تتوارثه حتى آل إلى قصيّ بن كلاب الجدّ الخامس للنبيّ.
وكانت أمّ قصيّ فاطمة بنت سعد بن سهل قد تزوّجت من كلاب فولدت له زهرة وقصيّا. ثم هلك كلاب وقصيّ طفل في المهد. وتزوّجت فاطمة من ربيعة بن حرام؛ فرحل بها إلى الشام وهناك ولدت له درّاجا. وكبر قصيّ وهو لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة. ووقع بينه وبين آل ربيعة شرّ فعيّروه أنه في جوارهم وأنه ليس منهم.
وشكا قصيّ إلى أمه ما عير إياه، فقالت: يا بنيّ إنك والله لأكرم منهم أبا، أنت ابن كلاب بن مرّة، وقومك بمكة عند البيت الحرام.
[ ٦٩ ]