لم يندّ من بلاد العرب عن جهالة العالم سوى اليمن وما جاورها من البلاد المتاخمة للخليج الفارسي.
_________________
(١) نقله موير في كتابه (حياة محمد) ص.
[ ٥٧ ]
وليس يرجع ذلك إلى متاخمتها الخليج الفارسي أو المحيط الهندي أو البحر وكفى، ولكنه يرجع قبل ذلك وأكثر منه إلى أنها لم تكن كسائر شبه الجزيرة صحراوية جرداء لا تلفت العالم ولا تجعل لدولة من صداقتها فائدة ولا لمستعمر فيها مطمعا، بل كانت على الضد من ذلك موطن خصب في الأرض ومطر منتظم الفصول حضارة مستقرّة ذات مدائن عامرة ومعابد قوية على نضال الزمان. وكان سكّانها من بني حمير ذوي فطنة وذكاء وعلم هداهم إلى حسن الاستفادة من الأمطار حتى لا تتسرّب إلى البحر فوق الأرض المنحدرة إلى ناحيته؛ ولذلك أقاموا سدّ مأرب، فحوّلوا اتجاه المياه الطبيعي تحويلا تقتضيه حياة الحضارة والاستقرار، فقد كانت الأمطار، إلى أن أقيم هذا السدّ تنزل بجبال اليمن المرتفعة، ثم تنحدر في أودية واقعة إلى شرق مدينة مأرب وكانت في انحدارها الأوّل تنزل بين جبلين يقومان عن جانب هذه الأودية يفصل بينهما أربعمائة متر تقريبا؛ بلغت مأرب انفرج الوادي انفراجا تضيع المياه فيه كما تضيع في منطقة السدود بأعالي النيل. فلما هدى العلم والذكاء أهل اليمن إلى إقامة سدّ مأرب شيد بالحجر عند مضيق الوادي، وجعلت له فتحات يمكن تصريف المياه منها وتوزيعها إلى حيث يشاء الناس لتروي الأرض وتزيدها خصبا وإثمارا.
وإن ما كشف وما يزال يكشف عنه حتى اليوم من آثار هذه الحضارة الحميرية في اليمن ليدلّ على أنها بلغت في بعض العصور مكانا محمودا، وأنها ثبتت لقسوة الزمان في عصور قسا على اليمن فيها الزمان.