وكانت العرب ما تفتأ تذكر زمزم التي طمّها مضاض بن عمرو الجرهمي منذ قرون خلت، وتتمنى لو أنها كانت لا تزال باقية. وكان عبد المطلب بطبيعة مركزه أكثرهم تفكيرا في هذا الأمر وأشدّهم تمنيا أن يكون.
ولقد ألحّ الرجاء به حتى كان يهتف به الهاتف أثناء نومه يحضّه على أن يحفر البئر التي تفجّرت تحت أقدام جدّه إسماعيل. وألح الهاتف يدلّه على مظانّ وجودها؛ وألحّ هو باحثا عن زمزم حتى اهتدى إليها بين الوثنين إساف ونائلة. وجعل يحفر مستعينا بابنه الحارث حتى نبع الماء وظهرت غزالتا الذهب وأسياف مضاض الجرهميّ وأرادت قريش أن تشارك عبد المطلب في البئر وفيما وجد فيها. فقال لهم: لا! ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم: نضرب عليها بالقداح نجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له؛ فارتضوا رأيه. ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل في جوف الكعبة، فتخلف قدحا قريش وخرجت الأسياف لعبد المطلب والغزالتان للكعبة.
فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب غزالتي الذهب حلية للبيت الحرام. وأقام عبد المطلب في سقاية الحاجّ بعد أن يسّرتها زمزم له.