على أن الأعاجم الذين تولّوا أمر اليمن لم يكونوا خاضعين مباشرة لسلطان ملك فارس. وكان الأمر كذلك بنوع خاص بعد أن قتل شيرويه أباه كسرى أبرويز وقام في الملك مقامه؛ فقد خيل إليه في غرارته أن العوالم تسير على هواه، وأن ممالك الأرض تعمل لملء خزانته ولتزيد فيما أغرق فيه نفسه من نعيم. ثم إن هذا الملك الشاب انصرف عن كثير من شؤون الملك إلى متعه وملذّاته؛ فكان يخرج للصيد في ترف لم تسمع بمثله أذن: كان يخرج يحيط به الشبّان الأمراء في ثياب حمر وصفر وبنفسجيّة ومن حولهم حملة البزاة والخدم يمسكون الفهود الأليفة بالكمامات: والعبيد حملة الطيب ومطاردو الذّباب والموسيقيون. وليشعر نفسه في قرّ الشتاء ببهاء الربيع، كان يجلس وحاشيته على بساط فسيح صوّرت عليه طرق المملكة ومزارعها وفيها الأزهار المختلفة
_________________
(١) تجري بعض كتب التاريخ برواية أخرى عن سبب غزو الحبشة اليمن. وهذه الرواية تذهب إلى أن التجارة كانت متصلة بين العرب المستعربة بالحجاز وبين اليمن والحبشة. وكانت الحبشة يومئذ ذات شواطئ ممتدة على البحر الأحمر وصاحبة أسطول للتجارة. وقد طمعت الروم في طريق اليمن للاستفادة من ثروتها وخصبها، فجهز إيلياس جالس، حاكم مصر من قبل إمبراطور الروم، لغزو اليمن وضمها إلى الإمبراطورية، وركب الجيش البحر الاحمر إلى اليمن وغزاها وبلغ نجران ولكن الأمراض فتكت به ويسرت لأهل اليمن مقاومته فارتد عنها عائدا إلى مصر. ثم كانت بعد هذه الغزوة غزوات قام بها الروم ضد العرب في اليمن وفي غير اليمن، ولكنها لم تكن أيمن من غزوة جالس حظا. إذ ذاك بدا النجاشي الحبشة أن ينتقم من اليمن التي فشت فيها اليهودية للروم المسيحيين مثله فجهز جيش أرياط فغزا اليمن واستقر بها إلى أن أجلاه الفرس عنها.
[ ٥٩ ]
الألوان من ورائها الأحراش والغابات الخضر والأنهار ذات اللون الفضيّ. ومع ما كان من انصراف شيرويه إلى مسرّاته، ظلّت فارس محتفظة بمجدها، وظلت المنافس القويّ لسلطان بزنطية ولانتشار المسيحية، وإن آذن اعتلاء شيرويه عرشها بأفول هذا المجد ومهّد المسلمين من بعد غزوها ونشر الإسلام فيها.