وملك أبناء أبرهة اليمن من بعده وفشا فيها استبدادهم. فلما طال على الناس البلاء خرج سيف بن ذي يزن الحميري حتى قدم على ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يبعث إليهم من الروم من يكون له ملك اليمن. لكن حلف القيصر والنجاشي حال دون سماعة شكاية ابن ذي يزن؛ فخرج من عند القيصر حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق.
فلما دخل النعمان على كسري أبرويز دخل سيف بن ذي يزن معه. وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه وقد جمع فيه أجزاء عرش دارا. وكانت موشّاة بصور نجوم المجرّة. فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط بها ستار من أنفس الفراء تتدلّى أثناءه ثريّات من فضة وأخرى من ذهب، ملئت بالماء ونصب فوقها تاجه العظيم، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة مشدودا إلى السقف بسلسلة من ذهب. وكان يلبس نسيج الذهب ويتّشح بحليّ الذهب؛ فما يلبث من يدخل إلى مجلسه أن تأخذه هيبته حين يراه. وكذلك كان شأن سيف بن ذي يزن. فلما تطامن وسأله كسرى عن أمره وما جاء فيه قصّ عليه أمر الحبشة وظلمها اليمن. وتردّد كسرى بادي الرأي، ثم بعث معه جيشا على رأسه وهرز من خير بيوت فارس وأكثرها فروسيّة وشجاعة. وتغلب الفرس وأجلوا الحبشان عن اليمن بعد أن ملكوها اثنتين وسبعين سنة. وظلت اليمن في حكم فارس حتى كان الإسلام ودخلت سائر البلاد العربية في دين الله الإمبراطورية الإسلامية.