أما الذين قالوا بأن مقام النبي الكريم يوجب عدم ذكر مطاعن المستشرقين والمبشرين عليه مقدمة للرد عليها، فلا سند لهم في قولهم هذا إلا عاطفة إسلامية يحمدون عليها؛ أما من الناحيتين العلمية والدينية فلا سند لهم، والقرآن الكريم يذكر ما كان يقول المشركون عن النبي ويدفعه بالحجة البالغة. هذا، وأدب القرآن أقوم أدب وأسماه؛ فهو يذكر اتهام قريش محمدا بالسحر والجنون، وهو يقول: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) «١» . وهو يجري في ذلك بالشيء الكثير. ثم إن الحجة لا تدفع علميّا إلا إذا ذكرت ودوّنت بأمانة ودقة. ولقد قصدت من هذا الكتاب إلى البحث العلمي توخيا للحقيقة العلمية وحدها. وقصدت به إلى أن يقرأه المسلمون وغير المسلمين آملا أن أقنعهم جميعا بهذه الحقيقة العلمية. ولا تبلغ هذه الغاية إلا إذا كان الباحث نزيها في حرصه على الحقيقة، لا يتقيد بإعتبار غير هذا الحرص، ولا يتردد في الاعتراف بالحق أيّا كان مصدره.