يجب لذلك أن نبحث عن السبب الذي ترجع إليه هذه الخصومة الهوجاء وهذه الحرب العنيفة التي تثيرها المسيحية على الإسلام. وعندنا أن جهل الغرب بحقيقة الإسلام وبسيرة النبي في مقدّمة ما يدعو إلى هذه الخصومة. والجهل ولا ريب من أعقد أسباب الجمود والتعصب وأشدّها استعصاء. ولقد تراكم هذا الجهل على مرّ القرون وقامت له في نفوس الأجيال تماثيل وأوثان يحتاج تحطيمها إلى قوة روحية كبرى كقوّة الإسلام أول ظهوره، على أنّا نحسب أن ثمة سببا غير الجهل هو الذي دفع أهل الغرب إلى هذا التعصب وإلى إثارة الحرب الضروس الشعواء التي أثاروها ويثيروها على الإسلام وعلى المسلمين آنا بعد آن. وليس ينصرف ذهننا إلى ما قد يدور بالخاطر من صروف السياسة وحب الظّفر بالشعوب لاستغلالها: فتلك في اعتقادنا نتيجة لا سبب لهذا التعصب المستعصي حتى على العلم وعلى بحوثه. أما السبب في رأينا فيرجع إلى أن المسيحية، وما تدعو إليه من الزهد في الحياة واعتزال العالم ومن العفو والمغفرة ومن المعاني النفسانية السامية، ليست مما يلائم طبيعة الغرب الذي عاش ألوف السنين على دين تعدّد الآلهة، والذي يدعوه مركزه الجغرافي إلى حياة الكفاح لمغالبة الزمهرير والضنك وسوء الحال. فإذا قضت الظروف التاريخية عليه بأن يدين بالمسيحية فلا مفرّ له من أن يسبغ عليها
[ ١٩ ]
ثوب الكفاح، وأن يخرجها بذلك عن طبيعتها السمحة الجميلة، وأن يفسد فيها هذا التناسق الروحي الذي يجعل منها حلقة في سلسلة الوحدة التي أتمها الإسلام: هذه الوحدة التي تؤاخي بين الروح والجسد، وتزاوج بين العاطفة والعقل، وتسلك الفرد والإنسانية جميعا في نظام الكون على أنهما بعض منه متّسق وإياه في لا نهاية الزمان والمكان. هذا في رأينا هو مرجع السبب في تعصّب الغرب في موقفه من الإسلام موقفا تجافت الحبشة المسيحية عنه حين احتمى المسلمون بها أوّل ما دعا النبي إلى دين الله.
وإلى هذا السبب في رأيي، يرجع إغراق الغربيين وغلوّهم في التدين وفي الإلحاد جميعا، إغراق تعصب وكفاح لا يعرف الهوادة ولا يعرف التسامح. وإذا كان التاريخ قد عرف منهم قدّيسين احتذوا في حياتهم مثال التاريخ قد عرف كذلك أن حياة أمم الغرب كانت دائما حياة نضال وكفاح وحروب دامية باسم السياسة أو باسم الدين، وعرف أن بابوات الكنيسة وأرباب السلطة الزمنية كانوا في نزاع دائم يغالب بعضهم بعضا، فيتغلّب هذا يوما ويتغلّب ذاك يوما آخر. ولمّا كان الفوز في القرن التاسع عشر قد تم للسلطة الزمنية، حاولت هذه السلطة أن تقضي على الحياة الروحية باسم العلم، وأن تزعم أن العلم سيحل من الحياة الإنسانية محل الإيمان من الحياة الروحية. وها هي ذي عرفت اليوم، بعد جهاد طويل، سوء رأيها، وأن ما قصدت إليه مستحيل تحقيقه. والصيحة تعلو اليوم من جوانب الغرب المختلفة يريد أهله حياة روحيّة أضاعوها، فهم يتلمّسوها في الثيوزوفيّة وغير الثيوزوفية «١» ولو أن المسيحية كانت تلائم غرائز الكفاح التي تنشأ بحكم الطبيعة كجزء من حياة أهل الغرب، لرأيتهم، وقد شعروا بعجز الفكرة الماديّة عن أن تلهمهم المدد الروحّي، يعودون إلى الدين المسيحي الجميل دين عيسى بن مريم، إن لم يهدهم الله إلى الإسلام، ولما كانوا في حاجة إلى هذه الهجرة إلى الهند وإلى غيرها يستمدّون منها حياة روحية يشعر الإنسان بالحاجة إليها حاجته إلى التنفّس لأنها بعض طبعه، بل لأنها بعض نفسه وكيانه.