ومع أن اليمن كانت أرقى بلاد شبه الجزيرة كلها حضارة بسبب خصبها وحسن تنظيم انحدار المياه إلى أرضها، لم تكن مع ذلك مطمح النظر لأهل هذه البلاد الصحراوية المترامية الأطراف، ولم يكن إلى معابدها حجهم؛ وإنما كانت مكة وكانت كعبتها بيت إسماعيل مثابة الحاجّ، إليها كانت تشدّ الرجال وتشخص الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها كانت ترعى الأشهر الحرم. لذلك ولمركزها الممتاز في تجارة العرب كلها، كانت تعتبر عاصمة شبه الجزيرة. ثم أراد القدر من بعد أن تكون مسقط رأس محمد النبي العربي، فتكون بذلك متّجه نظر العالم على توالي القرون، ويظلّ لبيتها العتيق تقديسه، وتبقى لقريش فيها المكانة السامية، وإن ظلّت وظلوا جميعا أدنى إلى خشونة البداوة التي كانوا عليها منذ عشرات القرون.
[ ٦٣ ]