وما أورده المستشرقون من ذلك كثير، نختار منه بعض ما كتبه السير وليم موير في كتابه «حياة محمد» . ليرى هؤلاء الذين أسرفوا على التاريخ وعلى أنفسهم شدّة ما أسرفوا حين اطمأنوا إلى ما قيل عن تحريف القرآن وتبديله. وموير مسيحي شديد الحرص على مسيحيته والدعوة إليها، شديد الحرص لذلك على ألا يدع موضعا لنقد نبي الإسلام وكتابه دون الوقوف عنده ومحاولة دعمه.
يقول سيروليم موير، عند كلامه عن القرآن ودقة وصوله إلينا، ما ترجمته: «كان الوحي المقدس أساس
[ ٣٠ ]
أركان الإسلام فكانت تلاوة ما تيسر منه جزآ جوهريّا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزي من يؤديهما جزاء دينيا صالحا. ذلك كان جماع الرأي في السّنة الأولى، وهو ما يستفاد كذلك من الوحي نفسه. لذلك وعت القرآن ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وكان مبلغ ما يستطيع أحدهم تلاوته بعض المميزات الجوهرية في العهد الأول للإمبراطورية الإسلامية. وقد يسّرت عادات العرب هذا العمل؛ فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم. ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتأدوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم. بذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو، ثم تناولت القرآن بكل ما أدّت إليه يقظة الروح إذ ذاك من حرص وإقبال. ولقد بلغ بعض أصحاب النبيّ من قوة الذاكرة ودقتها ومن التعلق بحفظ القرآن واستذكاره حدّا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه.