إذا كان النظام السياسي قد اضطرب في اليمن على نحو ما رأيت بسبب الظروف التي مرّت بلاد الحميريين بها، والغزوات التي كانت تلك البلاد ميدانا لها، فقد كان هذا النظام السياسي غير معروف في سائر بلاد شبه الجزيرة. وكل نظام يمكن أن يوصف بأنه نظام سياسيّ، على المعنى الذي نفهمه نحن اليوم أو الذي كانت الأمم المتحضرة تفهمه في تلك الأيام، كان مجهولا في ربوع تهامة والحجاز ونجد وتلك المساحات الشاسعة التي منها كانت تتكون بلاد العرب. فقد كان أبناؤه، كما لا يزال أكثرهم حتى اليوم، أهل بادية لا يألفون الحضر، ولا يطيب لهم المقام ولا الاستقرار بأرض، ولا يعرفون غير دوام الارتحال والنقلة طلبا للمرعى وإرضاء لهوى نفوسهم التي لم تعرف غير حياة البادية ولا تطيق حياة غيرها. وأساس حياة البادية، حيث وجدت من بقاع الأرض، إنما هي القبيلة. والقبائل الدائمة التّجول والتّرحال لا تعرف قانونا كالذي نعرف، ولا تخضع لنظام كالذي نخضع له، ولا تصبر على ما دون الحرّية كاملة للفرد وللأسرة وللقبيلة كلها. وأهل الحضر يرضون النزول باسم النظام عن جانب من حريتهم للمجموع أو للحاكم المطلق مقابل ما ينعمون به من طمأنينة ورخاء. أمّا رجل البادية الزاهد في الرخاء، البرم بطمأنينة الاستقرار، فلا يخدعه عن شيء من حريته الكاملة رجاء فيما يفرح به أهل المدن من جاه أو مال، ولا يرضى بما دون المساواة الكاملة بينه وبين أفراد قبيلته جميعا وبين قبيلته وغيرها من القبائل. وإنما ينتظم حياته ما ينتظم سائر الخلق من حب البقاء والحرص عليه والدفاع عنه، على أن يكون ذلك كله متفقا مع قواعد الشرف التي تمليها عليه حياة البادية الحرة لذلك لم يكن أهل هذه البادية يقيمون على ضيم يراد بهم، بل كانوا يدفعونه بقوتهم، فإن لم يستطيعوا دفعه تخلوا عن مواطنهم وارتحلوا عن شبه الجزيرة كلها إذا لم يكن من هذا الإرتحال بدّ. ولذلك لم يكن شيء أيسر عند هذه القبائل من القتال إذا نبت خلاف لم يتيسّر في ظلال قواعد الكرامة والمروءة والشرف الفصل فيه.
[ ٦٠ ]
من ثمّ نجمت في كثير من هذه القبائل خلال الكرم والشجاعة والنجدة وحماية الجار والعفو عند المقدرة، وما إلى هذه من خلال تقوي في النفس كلما قاربت حياة البادية، وتضعف وتضمحلّ فيها كلما أوغلت في أسباب الحضارة. ولذلك ولما قدّمنا من أسباب اقتصادية، لم تطمع بزنطية، ولا طمعت فارس، فيما سوى اليمن من بلاد شبه الجزيرة التي لم تكن لتخضع، لأنها تؤثر على الخضوع هجرة الوطن، ولأن أفرادها وقبائلها لا يدينون بالطاعة لنظام قائم ولا لهيئة حاكمة تتسلّط عليهم.
ولقد أثرت هذه الطبائع البدوية، إلى حد كبير، في البلاد القليلة الصغيرة التي نشأت في أنحاء شبه الجزيرة بسبب تجارة القوافل على نحو ما قدمناه، والتي يأوي إليها التجّار يقطعون عندها متاعب رحلاتهم المضنية، ويجدون بها هياكل عبادة يشكرون فيها الآلهة أن منّت عليهم بالنجاة من أخطار الفلوات، وأن جلبت تجارتهم سالمة إلى حيث وصلوا. من هذه البلاد مكّة والطائف ويثرب، وأشباهها من الواحات المنتثرة بين الجبال أو خلال رمال الصحراء. تأثرت هذه البلاد بطبائع البادية؛ فكانت أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة في نظام قبائلها وطوائفها، وفي أخلاق أهلها وعاداتهم وفي شدّة نفورهم من كل حدّ لحريتهم، وإن أكرهتهم حياة الاستقرار على نوع من الحياة غير ما اعتاد أهل البادية. وسترى شيئا من تفصيل ذلك عند الكلام في الفصول الآتية عن مكة وعن يثرب.