مهما يصادف فى ذلك من عقبات، وما يحتاج إليه العمل من خير له وللناس.
فكان قوى الإرادة ماضى العزيمة، متحملا أثر ما يقول.
ذكر علماء السيرة أنه ما كان له عند حفر زمزم إلا ولد واحد، وهو الحارث بن عبد المطلب، وكان العرب يعتزون بكثرة المال، وكثرة البنين، فكان يجرى على ألسنتهم فى مقام الفخر أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا «١» وإذا كان عبد المطلب قد قنع بما أعطاه الله تعالى من مال، وإن لم يكن كثيرا كغيره من أثرياء قريش وثقيف، فقد قنع به، لأنه كان يكفى لحفظ مروءته، وما كان حريصا على أن يجمع، بل كان حريصا على ألا يمنع، وحسبه ذلك شرفا.
ولقد كان له شوق إلى البنين ليكون أعز نفرا، والمال والبنون زينة الحياة الدنيا.
ولقد نذر نذرا فيه بقية من بقايا الجاهلية، وهو أنه إذا عاش له عشرة من البنين، لقدم أحدهم فداء عند الكعبة، وكأنه يريد أن تكون فيه قوة التقرب إلى الكعبة، كما تقرب جده إبراهيم بولده البكر إلى الله تعالي، ولكنه فعله نذرا من نفسه، ولم يفعله بأمر ربه، ولذلك كان استعداد إبراهيم قوة عبادة، ونذر عبد المطلب لا يخلوا من جاهلية، وهذا فرق ما بين أبى الأنبياء وخليل الله تعالي، وصفيه، ومن عاش فى جاهلية الوثنية، غير مستنكر لها، والله هو الذى يهب من يشاء الذكور، ويهب من يشاء الإناث، ويهب من يشاء الذكور والإناث.
اتجه الرجل القوى فى نفسه وعزمته إلى الوفاء بنذره، وقد بلغ عدد أولاده عشرة رجال، ولكن من يختاره لهذا الفداء، فأراد القرعة، فجمعهم، ودخل بهم فى جوف الكعبة، وأمرهم أن يأخذ كل واحد منهم ورقة، ويكتب فيها اسمه، وقد أخبرهم من قبل بنذره، فارتضوا طائعين غير منافرين، وبعد أن كتبوا أسماءهم وضع اسم كل واحد فى قدح، وأمر خبيرا فى القداح أن يسهم بينهم، فساهم، فكان القدح على عبد الله ابنه وأبى محمد ﷺ.
_________________
(١) سورة الكهف: ٣٤.
[ ١ / ٨٥ ]
ومع أن عبد الله كان أحب بنيه إليه، أخذ الشفرة يحدها ليذبح أحب ولده إليه، ولكن ترامى الخبر فى أندية قريش من أن عبد المطلب يحمل شفرته ليذبح ابنه، فجاؤا سراعا إليه، ورأوه حاملا شفرته ليذبح ولده الحبيب غير وان ولا مقصر، فصاحوا فيه: ماذا تريد يا عبد المطلب، قال: إنى أذبحه، فهال الأمر قريشا، وفزع إخوته، وقد ضعفت عزمتهم وطاعتهم الأولي، ومحبة أخيهما، ولكن لم تضعف عزمة الشيخ الفادى الوفى بنذره وإن كان الفداء أحب إليه منهم جميعا، ولكنها قوة الإرادة والعزيمة، والإيمان بما يعتقد، وإن كان باطلا.
أقسم الأبناء وقريش على ألا يذبحه، وبنوا ذلك على أنه ستكون مغبته سوا على قريش خاصة، وعلى العرب عامة، قالوا له: لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه ليذبحه، فما بقاء الناس على هذا؟!
وقالت له ابنة أخته: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه (أى تبدى العذر عن النذر) فإن كان فداؤه فديناه بأموالنا.
ذهبوا إلى عرافة فى أرض الحجاز، فأشارت عليهم بأن يقدموا الدية وهى عشرة من الإبل ويقرع بينها وبين الذبيح، فإن كانت القرعة عليه زادوا فى الإبل، حتى تكون القرعة عليها.
أصاخوا إلى صوتها، وأجمعوا الأمر، ثم قربوا عشرا من الإبل وعبد الله الذبيح، فقرعوا بينها، فكان السهم على عبد الله، ثم زادوا حتى صارت عشرين، فكان القدح أيضا على عبد الله، فزادوا حتى صارت ثلاثين، ولكن خرج القدح على عبد الله أيضا، واستمرت الزيادة عشرة بعد عشرة حتى وصل العدد مائة من الإبل، ثم ضربوا القداح فخرج القدح على الإبل.
فقالت قريش: قد انتهى الأمر، ورضى ربك بالفداء يا عبد المطلب.
ولكن عبد المطلب يريد أن يستوثق من الرضا بالفداء، فزعم الرواة أنه ضرب مرة ثانية وثالثة، والقدح يخرج على الإبل، فنحرت الإبل، وتركت للناس لا يصد ولا يمنع إنسان.
٦٧- وإن دل هذا على صفة من صفات عبد المطلب، فهى تدل على صفة الرجل المريد لما يفعل، القوى فى عزمه، الصادق فى نفسه واختياره، وهو يدل على قوته فى البلاء، وتحمل الصبر على ما يكره، وإن تقاضاه الصبر ذبح أحب أولاده إليه، فاختبر، وابتلى فأحسن البلاء.
والرجل القوى ليس هو الذى يخضع إرادته لهواه، أو عزمته لشفقته، إنما القوى حقا وصدقا هو الذى يجعل الإيمان والإرادة يغلب الهوى والمحبة، وقد كان عبد المطلب القوي، ولا يمنع ذلك أن يكون
[ ١ / ٨٦ ]
شفيقا محبا، فإذا امن بفكرة نفذها بقلب قوى صابر، وبنفس مطمئنة راضية، ولو كان مصدر إيمانه باطلا.
وكان قوى الجنان ثابت الجأش لا يضطرب، ولا يهن ولا يضعف عند المفاجأة، ولا تذهب نفسه شعاعا، عندما يكون الأمر المخوف.
جاءت الحبشة بملكها، وأفيالها، وأقبل على مكة جيش لجب قوى مستند بأقوى العدد، وبأكثر العدد، فانخلعت القلوب واضطربت إلا قلب عبد المطلب كبير قريش، وسيد البطحاء، وكان يحسن القول، ويرهب بقوله فى هدأة من غير هوادة فى الحق.
جاء الجيش الحبشي، واستاق إبلا لأهل مكة، ومن بينها إبل لعبد المطلب، فذهب إلى لقاء أبرهة ملك الحبش وقائد جيشهم، ومعه الرهبة والطغيان، فما اضطرب قلب كبير البطحاء، بل ذهب إليه، وكانت فيه هيبة، وله سمت كريم يهابه من يلقاه، ويطمئن إلى سماحته، فعند اللقاء وقع فى قلب أبرهة هيبته فسأل عما جاء إليه، فسأله أن يرد الإبل، فقال إنه حسبه جاء يسأل عن الكعبة، وقال مستنكرا «أراك تسأل عن إبلك ولا تسأل عن الكعبة» فأجابه فى قوة أوقع الرعب فى قلبه بإجابته «أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه» والجواب فيه إرهاب وتخويف، إذ أنه يقول له: لا تظن أنك منتصر، أو غالب، أو مقتلع البيت الذى جئت لهدمه، فإن ذلك فوق قدرتك، بل فوق طاقتك، لأنه بيت الله والله يحمى بيته، ولن تنتصر، فالله خاذلك. جواب مرهب مفزع، ولكن فى هدوء الحكيم، ورفق الذى يزن القول، ويعرف موقعه.
ولذلك كلام مفصل فى موضعه إن شاء الله تعالى.