١١- وإن البوذية التى ولدت فى الهند كان أكثر تابعيها فى الصين لا فى الهند، وقد انتقلت إليها وثنية، كما كانت فى الهند، واقترن بها ما ليس منها، وانحرفت العقول.
ولكنها إذا انتقلت إلى الصين قد احتضنتها بيئة امتازت من بين البيئات بالوثنية والتمسك بكثير من المبادىء العملية التى تتفق مع قانون الأخلاق إلى حد كبير، ولكن لعدم اعتمادها على عقيدة قوية، كانت فى قلوب شاغرة، وإذا سكنت المبادىء فى قلوب شاغرة عن الإيمان جف عودها، ولم تقو على البقاء.
كان فى الصين فيلسوف يسمى فى لغة الفرنجة كونفوشيوس، وهو تحريف لاسمه الأصلى فى الصين، وهو «كونج فوتس»، وقد أخذ ذلك الفيلسوف بالمذهب البوذى، ولكنه أخذ بمبدأ البوذيين المدنيين، وكان مذهبه ليس دينا يتبعه، ولكنه إصلاح يدعو إليه.
ومع وجود المنهج العلمى فى إصلاح كونج فوتس نجد بجواره فيلسوفا كان أسنّ من كونج فوتس إذ أن هذا ولد سنة ٥٥١ قبل الميلاد، أى أنه يعاصر بوذا، والفيلسوف الاخر واسمه لوتس، كان يكبر الأول بنحو خمسين عاما، ومذهبه هو الاعتزال أو أن ينجو بنفسه ومن يتابعه من المفاسد.
وقد التقى الفيلسوف الشاب كونفوشيوس الذى يرى أن مبادىء الأخلاق يكون أساسها النفع الإيجابى، لا الاعتزال السلبى، بالشيخ لوتس الذى لا يرى إلا الاعتزال السلبى، فتحاورا.
[ ١ / ١٨ ]
قال الشيخ للشاب: «إن الخير ليس في محاولة إصلاح المجتمع الفاسد بالعمل والاختلاط، إذ أن الاختلاط يفسده، بل الخير كل الخير في الزهادة والقناعة والاعتزال، والتسامح، ومقابلة السيئة بالحسنة، وهي العفو» .
قال الشاب للشيخ: «إذا كان واجب كل شخص من احاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف فمن الذي يبقي في المدن يعتمرها، وفي الأرض يفلحها ويزرعها، وفي الصنائع يمهر فيها، ومن الذي ينسل ويعمل ليبقي الكون عامرا ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصورا علي الحكماء، والفضلاء، فمن الذي يربي الإنسان ويؤدبه، أم يترك الناس حائرين بائرين لا هادي ولا مرشد» .