٦١- يذكر المؤرخون للسيرة الطاهرة، سيرة خير الأنام محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ولكن لا تعرف سلسلة النسب كاملة إليه، بل إن التاريخ لا يحفظ إلا عشرين منها، فهو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، بن هاشم واسمه عمرو، ابن عبد مناف، واسمه المغيرة، ابن قصى واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، ابن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان.
وهذا التعريف بنسبه الكريم، هو المجمع عليه بين كتاب السيرة، ولقد كان ذلك التعريف كما تدل الرواية عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، فقد كان يقول: «كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا انتهى إلى عدنان أمسك، ثم يقول: كذب النسابون، قال الله تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا «١» .
وإن هذا الخبر المنسوب للنبى ﵊ يدل على صدق تلك السلسلة الكريمة أبا عن جد إلى أن ينتهى إلى عدنان، وإن حفظ النبى لهؤلاء فقط يدل على أمرين:
أولهما- الشك فيمن فوقهم، وأنه لم يصل إليه عن طريق صحيح، وأنه وصل إلى الناس عن طريق النسابين، وأن النسابين قد يدفعهم الفخر إلى الكذب والافتراء.
ثانيهما: أنه يدل على صدق هذا النسب، فما كان النبى ﷺ ليقول إلا حقا فهو الصادق الأمين، ويظهر أن ذلك القدر من النسب الرفيع هو الذى كان معلوما فى حكم المتواتر، أو المشهور عند العرب، وغيره موضع شك، والقول فيه رجم بالغيب، وأخذ بالتوهم أو الظن، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.
وما كان أولئك معروفين إلا لأنهم أثرت عنهم ماثر، صارت مفاخر لذرياتهم، وإن كان النبى ﵊ لم يفخر قط بنسبه. ومع ذلك هو من خيار الأقوام، فقد قال ﵊:
«ولدت من خيار من خيار من خيار» فهو يذكر الخير فيهم، ومكان الشرف فى أسلافه، ويمتنع من أن يستعالى بهم، والتفاخر استعلاء واستطالة بالنسب، وقد يكون فيه شحناء، والشحناء ليست من شأنه صلى الله تعالى عليه وسلم.
٦٢- وإن الظاهر أن أولاد عدنان قد أقاموا بمكة منهم من هو فى سلسلة نسب النبى ﵊، وذلك لأن إسماعيل ﵇، كانت إقامته قرب مكة، وهو بانى الكعبة، ولأن النسابين
_________________
(١) سورة الفرقان: ٣٨.
[ ١ / ٧٨ ]
ذكروا أنه كان أولئك العشرون بها، ولأنهم كانوا معروفين فيها كابرا عن كابر، وما يعرفون إلا لإقامتهم بمكة التى قام بها الأخلاف من بعدهم، ولتقديس الكعبة ومكة، ووفود الناس إليها من كل فج عميق.
ولقد ذكروا أن بعض ذرية عدنان أقام باليمن، وأنسل فيها نسلا، وذلك لأن عدنان ولد له ولدان أحدهما معد، والثانى عك، فتزوج هذا من الأشعريين، وهم بنو أشعر الذين يقيمون باليمن، فانتقل إلى موطن زوجته باليمن، ثم كان من بعض منهم من كان بعض ولده يخرج من مكة، وينفرد بالبقاء فيها من يدخل فى سلسلة النسب، كما رأيت فى معد، وأخيه عك فهذا هاجر إلى اليمن مع أسرة زوجه، وبقى معد فيها.
وجاء معد. فكان مثل أبيه فكان من أولاده قضاعة الذى تنسب إليه هذه القبيلة، وكان نزار هو الذى استمر بمكة، حتى كان منه ولده من بعده من يدخلون فى نسبه ﵊.
وكان من أولاده ربيعة الذى ينسب إليه الربعيون، وأنمار، وإياد، وهذان كانا أبوين لقبيلتين، وكان ابنه مضر الذى كان جد النبى ﵊، وهو الذى أقام بمكة المكرمة.
وكان لمضر ولدان هما إلياس، وغيلان، ومضر خيرهما، هو الذى يدخل فى نسب النبى ﵊، ويظهر أنه فى عهد إلياس أخذ بنو إسماعيل يغيّرون ما ورثوا من شريعة إبراهيم وإسماعيل ﵉ فأنكر عليهم ما غيروا من سنن ابائهم وسيرتهم. ويقول فى ذلك صاحب كتاب «الاكتفاء»: بان فضله عليهم، ولان جانبه لهم، فأيد جميعهم رأيه، ورضوا به رضاء لم يرضوه لأحد من ولد إسماعيل، فردهم إلى سنن ابائهم، حتى رجعت سنتهم قائمة على أولها.
وجاء من بعد إلياس ابنه مدركة، واسمه عامر، وله ابنان اخران، لكن هذا كان المختار منهم، وسماه مدركة لأن إبلا كانت قد نفرت منهم، فتقاصر الولدان الاخران عن تتبعها، ونهض عامر، لردها من نفارها، وقد بعدت، فأدركها فردها، فسمى مدركة وصفا لهذا العمل، وكان لمدركة خزيمة وهذيل فكان خزيمة المختار ليكون جدا للنبى ﵊، كان جدا لهما، وولد لخزيمة- كنانة وأشد وأشدة والهون، وكان كنانة هو المختار ليكون النبى ﵊ من صلبه.
وكان لكنانة عدة أولاد، ولكن الذى اختار الله تعالى، ليجرى فى صلبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو النضر المختار من بينهم، ويقال إن النضر هذا هو الذى جمع قريشا، ولكن الأكثرين على أنه فهر حفيده الذى هو جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
والنضر كان له أولاد كان أنجبهم فهر جد النبى ﵊.
[ ١ / ٧٩ ]
وكان فهر هو مجمع قريش، وكان يسمى قريشا، وقد كان فيه حكمة، وخلق سوي، وقد قال فى وصيته التى قالها لولده غالب الذى أعقبه فى الزعامة وهو المختار ليكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من صلبه، فقد قال لابنه غالب عندما حضرته الوفاة:
«يا بنى إن فى الحزن قبل المصائب إقلاق النفوس، فإذا وقعت المصيبة برد حرها، وإنما أقلق فى غليانها، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، وبما ترى من اثارها فى محبى الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما فى يدك، كان خيرا لك من كثير ما أخلق وجهك.
وقد كان غالب له أولاد، وقد خلفه فى زعامة قريش لؤى، وقد كان لؤى هذا فيه كلمة كأبيه وجده، بدت وهو غلام حديث، فقد جرت مناقشة بينه وبين أبيه غالب دلت على حكمة قلبهما.
قال الغلام لأبيه: يا أبت من رب معروفا قل إخلافه، ونضر ماؤه، ومن أخلفه أهمله، وإذا أهمل الشيء لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.
فقال الأب الحكيم: «إنى لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك وأستدعى لك به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول، فعد به على قومك، وكف غرب جهلهم بحلمك، ولم شعثهم برفقك، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل، ولم تعل به على أحد، وللعليا فضل أبدا على السفلى.
خلف الغلام بعد أن اكتمل رجلا أباه، وقد ولد له أولاد، كان كعب أعقلهم، وأفضلهم، وهو جد النبي، وقد كان حكيما كأبيه وجده، ويذكر رواة السيرة أنه قال هذه الخطبة:
«أيها الناس اسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج ونهار وضاح، والسماء بناء والأرض مهاد والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا، لتضربوا عن أمرها صفحا، الاخرون كالأولين، والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم، صلوا أرحامكم واحافظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروآتاكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم، وعظموا هذا الحرم، وتمسكوا به، فسيكون له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبى كريم» .
هذا ما يقوله كتاب السيرة فى نسبة الخطبة إليه، وليس لنا أن نحكم بصدق النسبة أو تكذيبها، ولكن نحملهم مغبة ذلك، إن صدقا وإن كذبا.
وقد كان لكعب بن لؤى أولاد خيرهم مرة جد النبى ﵊، وقد كان أحد الرجال الذين تفاخر بهم قريش.
وقد جاء من بعد مرة كلاب، وهو جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
[ ١ / ٨٠ ]
ثم جاء من بعده ولده قصى وهو خير أولاده، وأظهرهم، وأبينهم أثرا فى قريش فهو الذى جمع الله به قريشا، وكان اسمه زيدا، فسمى مجمعا، لما جمع من أمرها، ويسمى قصيا لتقصيه أمورها، وإن قصيا على هذا جد قريب، وليس من الأجداد الذين يبعد عهداهم به ﵊، وله شأن خاص فيما يتعلق بسدانة الكعبة، ورياسة الندوة وغيرها، فلابد أن نخصه بكلمة.