٦٥- نقف عنده وقفة قصيرة، لأنه هو الذى حضن النبي ﷺ وهو فى سن الحضانة، وعبد المطلب أمه من يثرب مهاجر النبى ﷺ، وهى من بنى النجار بها، وقد شب فى حياته الأولى فيها، وقد تربى بينهم فى دار الغربة حتى أتى به عمه المطلب، ودخل مكة ولزم صحبته، فقيل له عبد المطلب.
وقد أعطته قريش رياستها، واستحق ذلك بقوة نفسه وقوة خلقه، وسماحته، فهو لشبابها أب ولكهولها أخ، فى طلعته يمن، وفى خلقه عزمة قوية؛ ولكن فى هدوء، وسمت طيب راض، وطيبة، ولكن فى غير هوان.
هو الذى حفر زمزم بعد أن طمرتها جرهم عندما سيطروا على مكة، وكانت لهم قوة فيها، واستمرت مطمورة عبر السنين، حتى حفرها عبد المطلب، فسقوا من مائها، وأثار ذكريات إسماعيل ﵇ بحفرها، وملأهم عزة وكرامة باستعادة بئر كانت ببركة أم إسماعيل الذى كان هو وأبوه فخر العرب، وزاده ذلك شرفا فيهم، وعلوا، وما كان لطيبة نفسه بالذى يستعالى على أحد بمناقبه، وما أعطاه الله من حسن النقيبة ويمن الطالع، بل يحمد الله تعالى على ما وفقه وهداه.
ويذكر كتّاب السير أنه حفرها برؤيا صادقة مكررة، وكأنها إلهام من الله تعالي، ألهمه ﷾ إياه لصفاء نفسه، وإشراق روحه.
[ ١ / ٨٣ ]
يروى على بن أبى طالب عن أبيه عبد المطلب أنه قال: إنى لنائم فى الحجر (بجوار الكعبة) إذ أتانى ات، فقال: «احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاء فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلي مضجعى فنمت فيه، فقال: احفر المضنونة. قلت: وما المضنونة، ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى، فنمت فيه فجاءنى فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم؟ فقال: لا تنزف أبدا، ولا تذم، وتسقى الحجيج الأعظم. وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. ومعنى بين الفرث والدم، أى عند المذبح الذى كانت قريش تذبح ذبائحها فيه، ومعنى قرية أى المكان الذى كان فيه نمل، ووجد الغراب ينقر عندها، وكأن هذين كانا علامة حد المكان، والاية التى تدل على صدق الاتى، فى تبشيره.
فلما بدا لعبد المطلب الماء كبّر الله تعالي، وقد كانت قريش تلاحظ عمله، وكأنها غير مصدقة لنتائج ما يحفر، فلما كبّر علموا أنه أدرك ما يريد.
ولكنهم جاؤا يشاحونه فى أن تكون العين تحت سلطانهم جميعا لا تحت سلطانه واحده، وقالوا: إنها بئر إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فى السلطان عليها، ولكنه لم يسلم لهم، بل رأى أن تكون تحت سلطانه، لأنه هو الذى حفرها، وقد نازعوه هذا الحق، ثم لما رأوا من طيبته، وراجعوا حسن نقيبته، تركوا الأمر، وما هو بمانعهم من مائها. ولكنه يسقيهم ويسقى الحجاج منها فى غير منة ولا أذي، ولكن فى عدل وحسن توزيع على أن يكون له حق السقاية فيها.
وإن وصف زمزم بأنها لا تنزف، وفيها سقاية الحجيج خبر حققه الزمن إلى اليوم، فلا يزال الحجاج يشربون منها. وهى تفيض عليهم فى سخاء. وهى عين ثرة، ومعين لا ينضب، ولا تزال فيها بركة إسماعيل، ونقيبة عبد المطلب، والدلالة على أن بيت الله تحوطه البركة كما قال تعالى فى وصفه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ «١» .