٥٥- إن نظرت إلى العالم شرقا فى أقصاه، أو غربا فى أقصاه، أو القريب الداني، أو البعيد النائى، فإنك واجد أن العالم فى حاجة إلى من يهديه من ضلاله، فالفلسفة لا تصلح الناس، ولو استقامت على الطريقة، لأنها إن أقنعت الخاصة لا تملأ نفوس العامة، ولا تهديها إلى سواء السبيل، وهى ما استقامت فما أصلحت أحدا.
والعقائد قد اعتراها التحريف، فاليهود حرفوا التوراة عن معناها، ونسوا حظا كثيرا مما ذكروا به، ونظروا إلى الناس جميعا، على أنهم دونهم، وأنهم ليسوا عباد الله مثلهم، وأن الله تعالى خالقهم كما خلق غيرهم، بل زعموا أنهم المختارون وأن كل الناس دونهم، وبذلك عاثوا فى الأرض فسادا، ولما ذلوا وهم على الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، حقدوا على الخليقة وعملوا بكل الوسائل للكيد لغيرهم غير متحرجين ولا متأثمين، بل إنهم يغرون بالعداوة بين الناس، وينشرون الفساد فى غير تحفظ، ولا مراعاة لأى جوار فى أى مكان، فكان لابد من نبى يأتى بدين قوى يكفكف غرورهم وينهنه من غلوائهم.
والنصرانية انحرفت، وخرجت عن مباديء المسيح وغلوا فيه، واستبدلوا بأدب المسيح وسماحته استعلاء واستكبارا فى الأرض وعتوا وفسادا. فكان لابد من رسول بشير ونذير، يهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. «٢»
_________________
(١) قد كتب بعض تلاميذنا المسيحيين كتابا قيما يبين فيه بعض نصوص الأناجيل بنبوة المسيح ﵇، وقد طبع.
(٢) سورة المائدة: ١٩.
[ ١ / ٦٩ ]
خاتم النبيين