إننا نكتب فى العظماء لنصور نواحى عظمتهم، ولكل عظيم ناحية واحدة من نواحى العظمة، فالاتجاه إلى تلك الناحية هو مفتاح عظمته، فتسهل معرفته، ولكنك يا رسول الله فوق عظمة الأشخاص، لأن وجوه عظمتك تعددت، حتى يعجز المحصى عن الإحصاء، والمستقرئ عن الاستقراء، وإذا نفدت الطاقة أقر مطمئنا بعجزه، ومؤمنا بأن وجودك فى هذا الوجود معجزة البشر، فإذا كنت من البشر، ولست فى كونك إلا بشرا، فلست إلها، ولست ملكا من الملائكة، فإنك فى مقام أعلى من سائر البشر ومن الملائكة، صانك ربك، وحفظك ورباك على عينه، حتى كنت وحيدا بين الغلمان، بما كلأك الله به وحماك، وصبيا فريدا بين الصبيان، وكنت الشاب الأمين عن رجس الجاهلية بين الشباب، فكل شىء فى حياتك الأولى كان من الخوارق التى علت عن الأسباب والمسببات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرف رفيع، وإن كان محققا، ولكنك كنت صنيع الله، فكنت معجزة بشخصك وكونك ووجودك، فيك البشرية، وفيك المعجزة الإلهية اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «١» .