مما يبين أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية ما يلي:
- أن في الكتاب إضافة علمية فريدة، فلم أقف على من صنف في فضل النبي - ﷺ - على الأنبياء ﵈ كتابًا مستقلًا على غيره، وإنما عامة الكتب في هذا الباب إما في الدلائل على نبوته - ﷺ - وإما في الخصائص وإما في السيرة، أما هذا الكتاب فقد جمع السرمري فيه ما اشترك فيه النبي - ﷺ - مع غيره في المعجزات وبيَّن أوجه فضله - ﷺ -، وبين ما اختص به من الفضائل دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
[ ٢٩٢ ]
- حسن التقسيم ودقيق الاستنباط من المؤلف -﵀-، فقد جعل لكل نبي فصلًا يذكر فيه ما أوتي من المعجزات ثم يورد نظائر هذه المعجزات التي وقعت لنبينا - ﷺ - أو الكرامات للصالحين من أمته ثم يوازن بينهما ويستنبط فضله - ﷺ -.
- إيراد المؤلف لجملة من المسائل المشكلة والجواب عنها، مثال ذلك قال ﵀: "فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحًا ﵊ كان مُرسلًا إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمدًا - ﷺ - وحده أُرسِل إلى الناس كافةً، فالجواب " (١)، والكتاب مملوء بـ (فإن قيل/الجواب).
- لم يقتصر المؤلف -﵀- في كتابه على سرد الأحاديث والآثار وإنما كان له شرح وبيان في كثير من المواضع، والكتاب فيه تحقيق كبير، فمن ذلك ما ذكره في الرواية التي جاء فيها أن إدريس - ﵇ - قال للنبي - ﷺ - في ليلة الإسراء والمعراج «مرحبًا بالأخ الصالح»: "وكذلك إدريس أنه قال: «مرحبًا بالأخ الصالح» قد يكون غلطًا من الراوي لأنه أب بلا شك لأن النبي - ﷺ - من ذرّية نوح ونوح من ذرية إدريس قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ولا يتنبّه لمثل هذا إلا النحرير؛ قلت: وقد وقع لي في هذا محمل لا بأسَ به يُقرُّ الروايةَ الصحيحة على ماهي علَيه ويبين عذر إدريس إذ لم يقل: والابن الصالح، وذلك أن ما ظهر من عظم شأن محمد - ﷺ - في هذا المقام أجل من منزلة الأبوة فكيف بمنزلة البنوة فلم يتهجّم لما رأى من علوّ الرتبة أن يجعل نفسه أبًا له فيكون أرفع منه ولا سيما ولم يَذكرُ له جبريل ما ذكر لآدم ولإبراهيم من قوله: «هذا أبوك آدم فسلم عليه»، «هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه»، فإنه لما أنَّسَ آدم بأن قال لمحمد: «هذا أبوك آدم فسلم عليه» حَسُن أن يقول له آدم: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح» وكذلك لما قال له: «هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه» حَسُن أن يقول له إبراهيم: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح» فأما إدريس فقال له عنه: «هذا إدريس فسلم عليه» ولم
_________________
(١) [ق ٧/ظ].
[ ٢٩٣ ]
يقل له: هذا أبوك إدريس، فلم يحسن التهجم عليه بمزيّة الأبوة مع ما هنالك من علوِّ الدَّرجة وعظيم المنزلة وما أكرم به من القرب، فلم يجد إدريس ما يُمِتُّ به مِمّا لا عَتبَ فيه إلا الأخوّة في النبوة التي رُفع بها مكانًا عليًا فقال ما يناسِبُ حالَه: «مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح»، وقد قال النبي - ﷺ -: «الأنبياء إخوة أولاد علّاتٍ دينهم واحد وأمهاتهم شتى» على أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] فبعض الأنبياء من نسل بعض وقد سماهم النبي - ﷺ - إخوةً، فيكون قول إدريس «الأخ الصالح» من هذا القبيل، ولا يَضُرّ قول إدريس بالأخ الصالح، فالأخوّة في الدين والنبوة صادقة عليهما، كما أن النبوة والأخوّة صادقة عليه وعلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وكما لم يَضُرّ سارة ﵍ حين أوصاها إبراهيم - ﵇ - أن تقول للجبّار الذي دَعاها أن تقول: «إنه أخي»، وهي زوجته فالأخوّة صادقة عليهما بالإيمان كما قال إبراهيم: فإني لا أعلم على وجه الأرض مؤمنًا غيري وغيرك، لكن قصّة سارة كانت من باب المعاريض وقصّة إدريس من باب الأدب والله أعلم، إذ كان ذلك المقام لا يقتضي غيره لما رأى من عظم العناية الإلهيّة والوِلاية الربانية وهذا تأويل لا بأسَ به إن شاء الله تعالى، وإن جعلنا رَدّ السلام والترحيب بلفظ الأخوّة والخلافة من خزنة السموات لم يبق إشكال فإن في سياق حديث الثعلبي أن كل باب يُفتح لهم يقال له: «حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء» لكن الروايات الأخرى لا تساعد على هذا المعنى وكذلك يَردُ قولُ آدم وإبراهيم: «مرحبًا بالابن الصالح» والله تعالى أعلم؛ وفي هذا السياق لطيفة أخرى: وهي قول خَزَنة أبواب السموات: «حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة» فإنه مشعر بالاعتذار عن قولهم حين قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠] " (١).
_________________
(١) [ق ٧٧/ظ-ق ٧٨/و].
[ ٢٩٤ ]
وإن القارئ للمخطوطة ليشعر من صفحاتها الأولى بعظيم قدرها، فقد جمع فيها بين الرواية والدراية، كيف لا يكون وهو من أهل الحديث؟ كما أن موضوعها مهم في زمن كثر المخالفون فيه من أهل الديانات الباطلة والمنسوخة الطاعنون في الرسالة وفي القرآن بل وفي كل الشريعة والدين، وإن معرفة فضائله - ﷺ - وما أيده الله من الآيات وخوارق العادات من الأمور العظيمة التي تطمئن بها النفوس وتركن بها القلوب إلى تقبل ما جاء به وتطبيقه والسير على منهجه - ﷺ -.