ونهى عن التفضيل على هذا الوجه وقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر بيدي لواء الحمد يوم القيامة آدم فمن بعده تحت لوائي ولا فخر» (١).
(فصل) (٢)
فأمّا (٣) فضله - ﷺ - على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك ما روى البخاري من حديث جابر بن عبدالله ﵄ أنّ النبي - ﷺ - قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهُن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر [ق ٥٥/ظ]، وجُعلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهُورًا فأيّما رجلٍ من أُمّتي أدركَتْه الصَّلاة فليُصلّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأُعطِيتُ الشّفاعةَ، وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعِثتُ إلى النّاس عامّة» (٤)، وروى أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «بُعِثتُ بجوامع الكَلِم، ونُصِرتُ بالرعب، وبينا أنا نائمٌ رَأيتُني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فَوُضِعَت في يدي» (٥) والحديثان في الصحيحين وغيرهما؛ وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي ذرّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنّ أحد قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود، وجُعلَتْ لي الأرض طَهُورًا ومسجدًا، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، ونُصِرتُ بالرّعب فيُرعَب العدوّ وهو منّي على مسيرة شهر، وقيل لي: سل تعطه فاختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئًا» (٦) وروى أيضًا من حديث أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعطيتُ خمسًا لم
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٢٧.
(٢) ما بين القوسين بياض في ب.
(٣) في ب "أما" بدون الفاء.
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٧٤)، كتاب التيمم، ح ٣٣٥، وأخرجه مسلم (١/ ٣٧٠)، بتقديم وتأخير في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢١.
(٥) أخرجه البخاري (٩/ ٣٦)، كتاب التعبير، باب المفاتيح في اليد، ح ٧٠١٣، ومسلم (١/ ٣٧١)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢٣، واللفظ للبخاري.
(٦) مسند الإمام أحمد (٣٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣) ح ٢١٣١٤، قال الألباني: "أخرجه أحمد بإسناد صحيح". انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (١/ ٣١٧)، الطبعة الثانية ١٤٠٥، المكتب الإسلامية، بيروت.
[ ٤٩٨ ]
يُعطَهُنَّ نبيّ قبلي » وذكر نحوه (١)، وروي من حديث أبي أمامة - ﵁ - عنه (٢) - ﷺ - قال: «فُضّلتُ بأربع » فذكر بمعناه غير أنه لم يذكر الشّفاعة (٣)، وروى أيضًا من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «أُعْطِيتُ ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء» فقلنا: يا رسول الله ما هو، قال: «نُصِرتُ بالرّعب وأُعطيتُ مفاتيح (٤) الأرض وسُمّيت أحمد وجُعل التّرابُ لي طَهورًا وجُعلت أُمَّتي خيرَ الأمم» (٥)، وروى أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فذكر قصّةً قال: وقال لهم يعني النبي - ﷺ -: «لقد أُعطِيتُ الليلة خمسًا، ما أُعطيهن أحد قبلي: أمّا أنا فَأُرسِلتُ إلى الناس كلّهم عامّةً، وكان مَن قبلي إنّما يُرسَل إلى قومه، ونُصِرتُ على العدوّ بالرّعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلِئُوا (٦) منّي رُعبًا، وأُحِلَّت لي الغنائم آكُلُها، وكان من قبلي يُعَظمون أكْلَها، كانوا يُحرقونَها، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مساجد وطَهُورًا (٧)، أينما أدركَتْني الصلاة تَمسَّحت وصلّيتُ [ق ٥٦/و]، وكان من قبلي يُعَظِّمون ذلك، إنما كانوا يصلّون في كنائسهم وبِيَعهم، والخامسة هي ما (هي) (٨)، قيل لي: سل فإن كلّ نبيّ قد سأل، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» (٩)، وروى أيضًا أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أتى النّبيَّ - ﷺ - بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي - ﷺ - فغضب وقال: «أمُتَهَوِّكون (١٠) فيها يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣٢/ ٥١٢ - ٥١٣) ح ١٩٧٣٥؛ قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "صحيح لغيره".
(٢) في ب "أنه".
(٣) أخرجه أحمد (٣٦/ ٥٤٣) ح ٢٢٢٠٩، قال الألباني في إرواء الغليل (١/ ٣١٦): "إسناده صحيح".
(٤) في ب "بمفاتيح"، وهو خطأ.
(٥) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٥٦) ح ٧٦٢، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "إسناده حسن".
(٦) في ب "مُلِئوا" بدون اللام.
(٧) في ب "وطهور" بدون ألف التنوين.
(٨) "هي" ليس في ب.
(٩) مسند الإمام أحمد (١١/ ٦٣٩) ح ٧٠٦٨؛ قال الألباني في إرواء الغليل (١/ ٣١٧): "أخرجه أحمد بسند حسن".
(١٠) قال ابن الأثير: "التهوك كالتهور: وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير". النهاية (٥/ ٦٦٠).
[ ٤٩٩ ]
نقيّة، لا تسألوهم عن شيء فيُخبرون بحقّ فتكذّبونه، أو بباطل (١) فتصدّقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى - ﵇ - كان حيًّا ما وسعه إلا أن يَتّبعني» (٢) وروى مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو بَدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان موسى حيًّا ثم أدركني في نبوّتي لاتّبعني» (٣) وروى مسلم من حديث حذيفة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «(فُضلنا) (٤) على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (٥)، وروى أيضًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - (قال) (٦): «فضّلت على الأنبياء بستّ: أُعطيتُ جوامع الكَلِم، ونُصِرتُ بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسِلتُ إلى الخلق كافّةً، وخُتم بي النبيون» (٧)، وعنه (٨) أيضًا عنه - ﷺ - قال: «(و) (٩) جُعلت لي الأرض طيّبة طهورًا فأيما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان» (١٠) وفي حديث
حذيفة - ﵁ -: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي» (١١)، وروى
_________________
(١) في ب "أفباطل".
(٢) مسند الإمام أحمد (٢٣/ ٣٤٩) ح ١٥١٥٦؛ قال الألباني في إرواء الغليل (٦/ ٣٤): "هذا سند فيه ضعف".
(٣) أخرجه الدارمي بنحوه في سننه (١/ ٤٠٣)، كتاب العلم، باب ما يتقى من تفسير حديث النبي - ﷺ - وقول غيره عند قوله - ﷺ -، ح ٤٤٩؛ قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (١/ ٤٢) ح ١٩٤: "حسن".
(٤) "فضلنا" ليس في ب.
(٥) صحيح مسلم (١/ ٣٧١)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢٢.
(٦) "قال" ليس في ب.
(٧) صحيح مسلم (١/ ٣٧١)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢٣.
(٨) إن كان الضمير في (عنه) عائد إلى الإمام مسلم فصحيح، وإن كان عائد إلى أبي هريرة - ﵁ - فخطأ، فالرواية مخرجة من طريق جابر بن عبدالله - ﵁ - كما سيأتي، ولم أقف على من خرجها بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة - ﵁ -.
(٩) "و" ليس في ب.
(١٠) أخرجها مسلم (١/ ٣٧٠)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢١، من طريق جابر بن عبدالله - ﵁ -، بزيادة: «ومسجدًا» بعد «طيبة وطهورًا».
(١١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٧/ ٢٦٠)، كتاب فضائل القرآن، ح ٧٩٦٨، وأخرجه بنحوه ابن حبان في صحيحه (١٤/ ٣١٠)، كتاب التاريخ، باب من صفته - ﵃ - وأخباره، ح ٦٤٠٠، وأحمد (٣٨/ ٢٨٧) ح ٢٣٢٥١، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٦) ح ١٤٨٢: "وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم".
[ ٥٠٠ ]
أيضًا من حديث أبيّ بن كعب - ﵁ - فذكر قصّة الذي دخل المسجد وقرأ القراءة (١) التي أنكرها، وحمله إلى النبي - ﷺ -، وذكر قوله: «أُرسِلَ إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت [ق ٥٦/ظ] إليه أن هوّن على أمّتي -فذكرت ثلاث مرّات- قال: فردّ إليّ الثالثةَ اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردّة رددتكها (٢) مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمّتي، اللهم اغفر لأمّتي، وأخرّتُ الثالثةَ ليوم يَرغب إليّ الخلق كلّهم حتى إبراهيم صلوات الله عليه» (٣)، وعن أبي أمامة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «إن الله فضّلني على الأنبياء، وفضّل أمّتي على الأمم، وأرسلني إلى الناس كافّة، ونُصِرتُ بالرُّعب يسير بين يديّ قذفَهُ في قلوب أعدائي، وجعل لي الأرض كلها مسجدًا وطَهورًا فأيّما عبد أدركته الصلاة فعنده مسجده وطَهوره وأحلّت لي الغنائم» (٤)، وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله - ﷺ -: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهن أحد قبلي من الأنبياء: جُعِلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، ولم يكن نبي من الأنبياء -يعني: - يصلي حتى يبلغ محرابه، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين مسيرةُ شهرٍ يقذف (٥) الله الرّعب في قلوبهم، وكان النبي (٦) يبعث خاصّة إلى قومه وبعثت إلى الجنّ والإنس، وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أن أقسمه في فقراء أمّتي، ولم يبق
_________________
(١) في ب "وقراءة القرآن".
(٢) في ب "لكل رد مددتكها".
(٣) صحيح مسلم (١/ ٥٦١)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على بعة أحرف وبيان معناه، ح ٨٢٠.
(٤) أخرجه أحمد (٣٦/ ٤١٥) ح ٢٢١٣٧، والبيهقي في سننه (١/ ٣٤٠)، باب التيمم بعد دخول وقت الصلاة، ح ١٠٥٩، بلفظ: «إن الله - ﷿ - قد فضلني على الأنبياء -أو قال: أمتي على الأمم- بأربع: أرسلني إلى الناس كافة، وجعل الأرض كلها لي ولأمتي طهورًا ومسجدًا فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعند طهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسير شهر يُقذف في قلوب أعدائي، وأحلت لي الغنائم» واللفظ للبيهقي، وروى الترمذي بعضه (٤/ ١٢٣)، باب ما جاء في الغنيمة، ح ١٥٥٣، وقال: "حديث أي أمامة حسن صحيح".
(٥) في أ "فيقذف" بزيادة الفاء.
(٦) في ب زيادة " - ﷺ - " بعد "النبي"، ولم أقف عليها في رواية الحديث.
[ ٥٠١ ]
نبيّ إلا قد أعطي سؤله وأخّرت أنا شفاعتي لأمّتي» (١)، فإن اعترض معترض بأن سليمان - ﵇ - كان له سراري، والسراري والعبيد أثر الغنيمة، فكيف يقول محمد - ﷺ -: «أحلت لي الغنائم ولم تُحَلّ لأحد قبلي» قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: "إن الأنبياء كانوا إذا جاهَدُوا وقدّموا الغنيمة التي هي أمتعة وأطعمة وأموال نزلت نار فأكلتها كلّها: حصّة ذلك النبي وسهام الأمّة، كما في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين عنه - ﷺ - قال: «غزا نبيّ من الأنبياء فجمعوا الغنائم، فأقبلت النّار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال النّبيّ: فيكم غلول، فأخرجوا مثل رأس بقرة ذهبًا فوضعوه في المال، فأقبلت النار فأكلَتْه، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها [ق ٥٧/و] لنا» فأما العبيد والإماء والحيوانات فإنها تكون ملكًا للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة السلام، فلا يجوز للأنبياء ﵈ أخذ شيء منها بسبب الغنيمة بل بالابتياع و(٢) الهدية ونحو ذلك، ومن هذا تسرّي سليمان ﵊، وكذلك تسري إبراهيم ﵊ بهاجر أم إسماعيل - ﵇ - لم يكن ملكه لها من جهة الغنيمة وإنما وصلت إليه من الهبة، ومحمد - ﷺ - كان (٣) يجوز له ذلك فيأخذ (الخمس و) (٤) الصفي (٥) ويتصرف فيه، وذلك من خصائصه دون الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم؛
_________________
(١) أخرجه البيهقي بنحوه في سننه (٢/ ٦٠٧)، باب أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد وفي ذلك دلالة على أن أصل الأرض على الطهارة ما لم تعلم نجاسة، ح ٤٢٦٦، والبزار في مسنده (٢/ ١٦٦) ح ٤٧٧٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٨) ح ١٣٩٤٧: "رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم".
(٢) في أ "و"، وما أثبته هو المذكور في الوفا بأحوال المصطفى (١/ ٣٦٨)، لأبي الفرج بن الجوزي، تحقيق: مصطفى عبدالواحد، الطبعة الأولى ١٣٨٦، دار الكتب الحديثة، القاهرة.
(٣) في ب "وكان" بزيادة الواو، وهو خطأ.
(٤) "الخمس و" ليس في ب.
(٥) في الوفا لابن الجوزي (١/ ٣٨٦) "الفيء"؛ والصفي: هو ما يختاره - ﷺ - قبل القسمة من الغنيمة كجارية وسيف ودرع ومنه صفية أم المؤمنين ﵂. انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (١١/ ١٩٧)، لمنصور البهوتي، تحقيق: لجنة بإشراف: عبدالعزيز بن قاسم، ١٤٣٠، وزارة العدل، الرياض.
[ ٥٠٢ ]
(قال) (١): فإن قيل: فالعبيد والإماء غنيمة أيضًا؟ قلنا: نعم، لكن ذلك حرّم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأحل لنبيّنا - ﷺ - خاصّة من بينهم" (٢).
فحكم العبيد والإماء والحيوان غير حكم الصامت من الأموال فإن الأموال غير ذوات الأرواح كانت تحرق والحيوان لا يحق تحريقه فهذا شيء، وذاك شيء آخر.
وقد أعطي هو - ﷺ - وأمّته الجمعة ولم يعطها من قبله (٣)، وخواصه وخواصّ أمته كثيرة كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وروى البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم - ﷿ -؟ فيقولون: آدم - فذكر حديث الشفاعة وتدافع الأنبياء ﵈ أمرها وكلٌ يقول: (لست) (٤) لها - حتى يأتوني فأقول: أنا لها» (٥) والحديث مشهور معروف في الصحاح وغيرها، ففي هذا الحديث احتياج الخلق كلّهم إليه يوم القيامة، وتقدمه على جميع الأنبياء - ﷺ -، وأنه إذا قام يشفع فيقال (٦) (له) (٧): «سل تعط، واشفع تشفع»، وليست هذه الرتبة لغيره، وروى الترمذي من حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أوّل الناس خروجًا إذا بُعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يَئسوا وأنا أكرم ولد على آدم على ربّي ولا فخر [ق ٥٧/ظ]» (٨) وفي روايةٍ له أنه قال: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله - ﷿ - ولا فخر» وقد تقدم، وروى الدارمي عن أنس - ﵁ - أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا
_________________
(١) "قال" ليس في ب.
(٢) الوفا بأحوال المصطفى (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
(٣) أخرج مسلم (٢/ ٥٨٦)، في كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، من طريق حذيفة - ﵁ -، قال: "قال رسول الله - ﷺ -: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة ».
(٤) "لست" ليس في ب.
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٠٦.
(٦) في ب "فيقول"، وهو خطأ.
(٧) "له" ليس في ب.
(٨) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٧.
[ ٥٠٣ ]
أوّلهم خروجًا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشّرهم إذا يئسُوا، والمفاتيح يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون، أو لؤلؤ منثور» (١)، وروى أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فتسمّع حديثهم، [فإذا بعضهم] (٢) يَقول: عجبًا أن الله اتخذ من خلقه خليلًا فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم موسى تكليمًا، وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحهُ، وقال آخر: (وآدم) (٣) اصطفاه الله، (فخرج) (٤) عليهم فسَلّم وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبَكم أنّ إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيّه وهو كذلك، وعيسى روحه وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأول مشفّع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يحرّك غلق الجنّة ولا فخر، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر» (٥)، وعن حذيفة - ﵁ - قال: قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: إبراهيم خليل الله، وموسى كلّمه الله تكليمًا، وعيسى كلمة الله وروحه، فما أُعطيتَ يا رسول الله؟ قال: «ولد آدم كلهم تحت رايتي، وأنا أوّل من
يفتح له باب الجنّة» (٦)، وروى أبو نعيم عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قلت: يا رب،
_________________
(١) سنن الدارمي (١/ ١٩٦)، كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ح ٤٩، قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (٣/ ٢٥٣) ح ٥٧٦٥: "ضعيف".
(٢) في أ "قال: أبعضكم"، وفي ب "وقال: أبعضكم " بزيادة الواو، وما أثبته من سنن الدارمي (١/ ١٩٤)، كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ح ٤٨، وهو الصواب.
(٣) "وآدم" ليس في ب.
(٤) "فخرج" ليس في ب.
(٥) سنن الدارمي (١/ ١٩٤)، بنحوه في كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ح ٤٨؛ وأخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٧)، في أبواب المناقب، ح ٣٦١٦، وقال: "هذا حديث غريب"، وقال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (٣/ ٢٥٢) ح ٥٧٦٢: "ضعيف".
(٦) أخرجه ابن عساكر في معجم الشيوخ (١/ ٢٨٠)، تحقيق: د. وفاء تقي الدين، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار البشائر، دمشق، وأخرجه أبو عبدالله الدقاق في معجم مشايخ أبي عبدالله محمد بن عبدالواحد بن محمد الدقاق ص ٢٩، تحقيق: الشريف حاتم العوني، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م، مكتبة الرشد، الرياض؛ قال ابن عساكر في المعجم: "هذا حديث حسن".
[ ٥٠٤ ]
إنه لم يكن نبيّ إلا وقد أكرمتَه، فجعلت إبراهيم خليلًا، وموسى كليمًا، وسخّرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلتَ لي؟ قال: أوليس (قد) (١) أعطيتك (أفضل) (٢) من ذلك كله، أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي، وجعلت صدور أمّتك أناجيل يقرأون القرآن ظاهرًا [ق ٥٨/و] ولم أعطها أمّةً» (٣)، وعن أبي سعيد - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «لما أسري بي إلى السّماء قلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمت موسى تكليمًا، ورفعت إدريس مكانًا عليًا، وأتيت داود زبورًا، وأعطيت سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فماذا لي يارب؟، فقال: يا محمد اتخذتك خليلًا كما اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمتك كما كلمت موسى، وأعطيتك فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة ولم أعطها نبيًّا قبلك، وأرسلتك إلى أهل الأرض أولهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبيًا قبلك، وجَعلتُ الأرض لك ولأمّتك مساجد وطهورًا، وأطعمت أمّتك الفيءَ ولم أُحلّه لأمّة قبلها، ونصرتك بالرعب حتى إن عدوّك لَيُرعَب منك، وأنزلت عليك سيّد الكتب كلّها قرآنًا عربيًّا، ورفعت لك ذكْرك حتّى لا أُذكَر إلا ذكرت معي» (٤)، وعن جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «(إن الله اختارني على جميع العالمين من النبيين
والمرسلين» (٥)،
_________________
(١) "قد" ليس في ب.
(٢) "أفضل" ليس في ب.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٤٠ - ٤٤١.
(٤) أخرجه ابن الجوزي بنحوه في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (١/ ١٨٣)، تحقيق: خليل الميس، الطبعة الأولى ١٤٠٣، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وأخرجه الخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (٣/ ١٧٦٢) ح ١١٤٤، تحقيق: د. محمد صادق الحامدي، الطبعة الأولى ١٤١٧، دار القادري، دمشق، بلفظ: « وأعطيتك فاتحة الكتاب وفاتحة سورة البقرة »؛ قال ابن الجوزي في العلل المنتاهية (١/ ١٨٣): "هذا حديث لا يصح".
(٥) أخرجه أبو نعيم في فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم ص ١٧٣ ح ٢٢٨، تحقيق: صالح العقيل، الطبعة الأولى ١٤١٧، دار البخاري، المدينة، بلفظ: «إن الله - ﷿ - اختارني على الأنبياء »؛ وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ١٣٦)، بلفظ: «إن الله ﵎ اختارني على جميع العالمين إلا النبين والمرسلين».
[ ٥٠٥ ]
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -) (١): «إن الله - ﷿ - أعطى موسى الكلام، وأعطاني الرؤية، وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود» (٢)، وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: "ما خلق الله تعالى خلقًا ولا برأه أحبّ إليه من محمّد - ﷺ - " (٣)؛ ومن أنعم النظر في معجزات الأنبياء، وتدبّر معجزات نبيّنا - ﷺ -، (وجد معجزات نبيّنا - ﷺ -) (٤) أضعاف ذلك، مع مقابلة كل معجزة بما هو مثلها، أو فوقها، ووجد لنبينا - ﷺ - غير ذلك مما تفرّد به، ووجد كرامات الأولياء من أمّته أعظم، وأكثر، وأبلغ من كرامات الأولياء من أمم الأنبياء قبله.
فإن قيل: كيف قال محمد - ﷺ -: «بُعِثتُ إلى الخلق كافة» (٥) ومعلوم أن موسى ﵊ لما بُعث إلى بني إسرائيل لو جاءه غيرهم (٦) من الأمم يسألونه تبليغ ما جاء به عن الله تعالى لم يجز له كتمه، بل كان يجب عليه إظهار ذلك لهم؟، ثم قد أهلك الله تعالى في زمن نوح - ﷺ - الخلق وما كان ذلك إلا لعموم رسالته؟، فقد أجاب عن هذا أبو الوفاء ابن عقيل (٧) [ق ٥٨/ظ] فقال: إن شريعة نبينا - ﷺ - جاءت ناسخة لكل
شريعة قبلها، وقد كان يجتمع في العصر الواحد نبيّان وثلاثة يدعو كل واحد إلى شريعة تخصّه، ولا يدعو غيره من الأنبياء إليها ولا ينسخها، بخلاف نبينا - ﷺ - فإنه دعا الكل
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ب.
(٢) أخرجه ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (١/ ٢٩٠)، وقال: "هذا حديث موضوع على رسول الله - ﷺ - ".
(٣) أخرجه البيهقي بنحوه في الدلائل (٥/ ٤٨٧).
(٤) "وجد معجزات نبيّنا - ﷺ - " ليس في ب.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٣٧١)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢٣، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: «وأرسلت إلى الخلق كافة».
(٦) في ب "غيره" بالافراد، وهو خطأ.
(٧) هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، أبو الوفاء، يعرف بابن عقيل: عالم العراق وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته، كان قوي الحجة، اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته، وكان يعظم الحلاج، فأراد الحنابلة قتله، ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور له تصانيف أعظمها " كتاب الفنون"، توفي سنة ٥١٣. انظر: الأعلام (٤/ ٣١٣)؛ قال الذهبي: " رأيت شيخنا وغيره من علماء السنة والأثر يحطون على ابن عقيل لما تورط فيه من تأويل الجهمية، وتحريف النصوص، نسأل الله الستر والسلامة". تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (٣٥/ ٣٥٣)، لشمس الدين الذهبي، تحقيق: د. عمر عبدالسلام تدمري، الطبعة الأولى ١٤٠٧، دار الكتاب العربي، بيروت.
[ ٥٠٦ ]
ونسخ الكل وقال: «لو كان موسى حَيًّا ما وسعه إلا اتباعي» (١) وما كان يمكن عيسى - ﷺ - أن يقول هذا في حق موسى - ﷺ -، وأما نوح ﵊ فإنه لم يكن في زمنه نبي يدعو إلى شريعته (٢)، وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدم.
قلت: ولو قيل: إن كل نبي من الأنبياء المبعوثين إلى أممهم خاصّة أن تخصيصهم هذا (هو) (٣) أنهم لا يدعون غير من أرسلوا إليه، فإن طَرَى على أحد منهم طار من غير أمته واستفتاه فإنما يُفتيه بشريعته لا شريعة المستفتى فإن هذا لا مانع منه، وإذا عمل هذا المستفتي بما أفتاه هذا المفتي لم يكن ضالًّا ولا معاقبًا بمتابعة هذا النبي الآخر، فإن أصل دين الأنبياء جميعهم شيء واحد، فالأميّ إذا قلّد العالم في شيء جاز فكيف بتقليد النبي المعصوم عند الحاجة؛ وقريب من هذا المعنى في هذه الأمّة المحمّديّة الجامعة لكل خير، المعصومة من الاجتماع على ضلالة، لو سأل حنبليُّها شافعيَّها أو مالكيُّها حنفيَّها ونحو ذلك عن أمرٍ فأفتاه ذلك العالم بما هو مذهبه فعمل السائل بقوله لم يأثم ولم يكن ضالًّا بسؤال من ليس على مذهبه مع اتفاق أصل الدين، ومع ذلك لا يجوز لهذا المفتي أن يَدعُوَ الناسَ إلى مذهبه ومفارقة مذاهبهم ونحو ذلك مثلًا إذا سكن رجل من بغداد في مصرَ أو غيرها واحتاج إلى شيء من الأمور الشرعيّة كالعقود والفسوخ وإقامة الحدود ونحو ذلك فإنه يكون تحت حكم قضاتها وولاتها يقضون فيما يوافق مذاهبهم و(إن) (٤) كانت خلاف مذهبه ويلزمه قبول ذلك والتزامه، ولا يتوقف الحال
على أن ينهى (٥) ذلك إلى حكام (٦) بلده لأن أصل الدين واحد والملّة واحدة والخلاف في
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٠٤.
(٢) السؤال وجواب ابن عقيل عنه ذكره ابن الجوزي بمثله في الوفا بأحوال المصطفى (١/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وذكره مطولًا في كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٤١، ٤٣) ح ١٢٩٩، تحقيق: علي حسين النواب، دار الوطن، الرياض.
(٣) "هو" ليس في ب.
(٤) "إن" ليس في ب.
(٥) الإنهاء: هو تبليغ القاضي حكمه أو ما حصل عنده مما هو دونه كسماع الدعوى لقاضٍ آخر لأجل أن يُتمَّه. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٥٩)، لمحمد عرفه الدسوقي، تحقيق: محمد عليش، دار الفكر، بيروت.
(٦) في ب "أحكام" بزيادة الهمزة.
[ ٥٠٧ ]