فصل
فأمّا فضيلة نوح - ﵇ - فظاهرة ، ومعجزته (١) باهرة، وهو أوَّل رسول أُرسِل إلى بني آدم في أحد قولي العلماء، وآيته التي أوتي نجاته في السفينة بمن آمن معه وإغراق عدوّه بدعوته وهي لعَمري فضيلة عظيمة ومعجزة كريمة، ولاشك أن الماشي على وجه الماء من غير سفينةٍ أعظم من الماشي عليه في السفينة، وقد أعطى الله تعالى نبيَّنا - ﷺ - في أمَّته مَن مشى على وجه الماء بغير سفينة، فكثير من أولياء أمَّة نبينا - ﷺ - مشى (٢) على الماء، فمن ذلك ماروى مِنْجابٌ (٣) قال: "غزونا مع العلاء بن الحَضْرمي (٤) دَارِينَ (٥) فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له، نزلنا منزلًا فطَلَب الماء فلم يجدْه فقام فصلى ركعتين
وقال: اللهم إنَّا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوَّك اللهم اسقنا غيثًا نتوضَّأ به ونشرب ولايكون لأحد فيه نصيب غيرنا، فسِرْنا قليلًا فإذا نحن بماءٍ حين أقلعت السماء عنه
_________________
(١) كذا في أونسخة بهامش ب، وفي ب "ومعجزاته".
(٢) في ب "يمشي".
(٣) الصواب أن الراوي هو ابنه: سهم بن منجاب بن راشد الضبي الكوفي. انظر: الثقات (٤/ ٣٤٤)، لابن حبان، تحقيق: شرف الدين أحمد، الطبعة الأولى ١٣٩٥، دار الفكر؛ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١/ ٧)، لأبي نعيم الأصبهاني، الطبعة الرابعة ١٤٠٥، دار الكتاب العربي، بيروت؛ موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا (٤/ص ٣٩ - ٤٠)، تحقيق: زياد حمدان، الطبعة الأولى ١٤١٤، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت؛ صفة الصفوة (١/ ٦٩٥)، لابن الجوزي، تحقيق: محمود فاخوري ود. محمد رواس قلعه جي، الطبعة الثانية ١٣٩٩، دار المعرفة، بيروت؛ منهاج السنة النبوية (٨/ ١٠٦)، البداية والنهاية (٩/ ٣١١).
(٤) هو الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي -واسم الحضرمي عبدالله- بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن الخزرج، كان من حضرموت، ولاه النبي - ﷺ - البحرين، وتوفي النبي - ﷺ - وهو عليها فأقره أبو بكر خلافته كلها، ثم أقره عمر، وتوفي في خلافة عمر سنة ١٤، وقيل: توفي سنة ٢١ واليًا على البحرين. انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة (٤/ ٧١)، لابن الأثير، تحقيق: علي معوض وعادل عبدالموجود، الطبعة الأولى ١٤١٥، دار الكتب العلمية.
(٥) دارين: فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند، والنسبة إليها (داري)، وهي حاليًا قرية أو جزيرة من شرق المملكة العربية السعودية بالقرب من القطيف. انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص ١١٥، لمحمد بن محمد حسن شراب، الطبعة الأولى ١٤١١، دار القلم، دمشق؛ معجم البلدان (٢/ ٤٣٢).
[ ٣٣٠ ]
فتوضأنا منه وتزوّدنا وملأت إداوتي (١) وتركتها مكانها حتى أنظر هل يستجيب له أم لا فسرنا قليلًا ثم قلت: لأصحابي نسيت إداوتي فرجعت إلى ذلك المكان فكأنَّه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا دَارِينَ والبحر بيننا وبينهم فقال: يا عليم يا حليم يا عليّ يا عظيم إنَّا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوّك اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلًا فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لُبُودَنا (٢) ومشينا على متن الماء ولم يَبْتلّ لنا شيء [ق ٤/ظ] فلما رجع أخذه وجع البطن فمات فطلبنا ماء نغسله فلم نجده فلففناه في ثيابه ودفنَّاه فَسِرنا غير بعيدٍ فإذا نحن بماء كثير فقال بعضنا لبعضٍ: لو رجعنا فاستخرجناه ثم غسلناه فَرُحْنا (٣) فطلبناه فلم نجده فقال رجل من القوم إني سمعته يقول: يا عظيم (٤) يا حليم يا علي يا عظيم أخْفِ عليهم موتي - أو كلمة نحوها - ولا تُطلع على عيوبي أحدًا فرحَلْنا وتركناه" (٥)، وقال عمر بن ثابت: "دخلتْ في أذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطبَّاء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى سِماخه (٦) فأسهرت ليلَهُ ونغَّصت عيشَ نهاره
فأتى رجلًا من أصحاب الحَسَن فشكا إليه فقال له: ويحك إن كان شيء ينفعُك الله به فدعوة العلاء بن الحَضْرمي التي دعا بها في البحر والمفازة، قال: وما هي رحمك الله،
_________________
(١) الإداوة بالكسر: المطهرة، وهي إناء صغير من جلد يُتخذ للماء، وجمعها أداوى. انظر: تاجر العروس من جواهر القاموس (٣٧/ ٥١)، النهاية في غريب الأثر (١/ ٦٣).
(٢) لبود: جمع لبد، وهو كل شعر أو صوف ملتصق بعضه ببعض التصاقًا شديدًا. انظر: إكمال الأعلام بتثليث الكلام، لمحمد الطائي الجياني، تحقيق: سعد الغامدي، ١٤٠٤، جامعة أم القرى، مكة.
(٣) كذا في أونسخة بهامش ب، وفي ب "فرجعنا".
(٤) في هامش أ: الظاهر "عليم".
(٥) أخرجه بنحوه ابن أبي الدنيا في مجابي الدعوة -موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا- (٤/ص ٣٩ - ٤٠)، كما ذكر هذه الرواية بنحوها ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٩٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٣١١)، والبيهقي مختصرًا في الدلائل (٦/ ١٩١)؛ قال ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٤٤): "سهم بن منجاب يروي عن العلاء بن الحضرمي في دعواته المستجابة".
(٦) في ب "صِماخه" وهو صحيح، قال ابن الأثير في السماخ: "ويقال بالصاد لمكان الخاء"؛ والسماخ: هو ثقب الأذن يدخل فيه الصوت. النهاية (٢/ ٩٩٢).
[ ٣٣١ ]
قال: يا علي يا عظيم يا حليم يا عليم فدعا بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى أصابت الحائط وبرأ" (١)؛ والمشي على الماء في السفينة أمر معلوم معهود والنجاة فيه غير مستبعدة، ومشيُ العلاء بن الحَضرمي وأصحابه بخيولهم ودوابِّهم وحمُولهم على متن الماء بلا سفينة أعظم بالنسبة إلى معجزة محمد - ﷺ - مِن مشي نوح - ﵇ - ومن معه في السفينة واستجيبت دعواته كما استجيبت دعوة نوح - ﵇ - أيضًا، فكرامة الأمَّة (٢) من معجزة نبيِّنا - ﷺ -، وسيأتي قصة سعد بن أبي وقاص - ﵁ - وأصحابه في فتح أبيض كسرى (٣) إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: إن الله تعالى أعطى نوحًا ﵊ ما سأل من شِفَاء غيظه في إجابة دعوته على قومه بتعجيل النقمة عليهم حين كذَّبوه وكفروا بما أُرسل به فأهلك بدعوته مَن على بسيط الأرض مِن صامتٍ وناطقٍ إلا مَن آمن به ودخل معه السفينةَ وكانوا قليلًا كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: من الآية ٤٠] وكانوا فيما قيل: ثمانين نفسًا أو نحوها، قلنا: هذه فضيلة عظيمة وآية جسيمة وافقَتْ سابِق القَدَر في هلاك مَن هلك لكن فضيلة نبيِّنا صلوات الله عليه وسلامه أكمل، ومعجزته أجمل، وعاقبتها أحسن، وصورة الواقع فيها أبين، وذلك أنه لمَّا كذَّبه قومُه [ق ٥/و] وآذوه وبالغوا في أذاه جاءه الملك من ربِّه يُخيِّره في أن يُطبِق عليهم الأخشبَيْن: أخشبَي مكة يعني: الجبلين المكتنفين لها، فقال: «بل أرجو أن يُخرج الله من
أصلابهم مَن يعبد الله لايشركُ به شيئًا» (٤)، فكان ما رَجَا من ذلك وزيادة، ولمَّا أسْرَف
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا بنحوه في مجابي الدعوة -موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا- (٤/ ٤١)، كما ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٩٦ - ٦٩٧).
(٢) في ب "الأولياء".
(٣) أبيض كسرى: مُلك كسرى، وإنما قال الأبيض لبياض ألوانهم ولأن الغالب على أموالهم الفضة. انظر: النهاية (١/ ٥٤١).
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١١٥) بنحوه في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه، ح ٣٢٣١؛ وأخرجه مسلم (٣/ ١٤٢٠) كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ح ١٧٩٥.
[ ٣٣٢ ]
من أسْرَف في عداوته وبلغ الغاية في أذيَّته حين ألقى عُقبة بن أبي مُعَيْط على ظهره - ﷺ - سَلَا (١) الجزور وهو ساجد والحديث فيه مشهور وهو ما رُوي عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند الكعبة وجَمْعٌ (٢) من قريش ينظرون فقال قائل منهم: ألا ترون إلى هذا المُرائِي أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودَمِها وسَلاها حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانطلق أشقاهم فجاء به حتى إذا سجد - ﷺ - وضعه بين كتفيه، وثبت رسول الله - ﷺ - ساجدًا، وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية (٣) فأقبلت تسعى وثبت النبي - ﷺ - ساجدًا حتى نَحَّتْهُ عنه وأقبلت عليهم تسبُّهم، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته استقبل الكعبة فقال (٤): «اللهم عليك الملأ من قريش» ثم سمّاهم فقال: اللهم عليك بعَمرو بن هشام وشيبة وعُتبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيط وعُمَارة بن (٥) الوليد» قال عبدالله: والذي توفّى نفْسَه لقد رأيتهم صرعى يُسحَبون إلى القليب قليب بدْر، قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم أتبع أهل القليب لعنةً» (٦) فلم يَدْعُ عليهم بالبوار
_________________
(١) السلى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه. النهاية (٢/ ٩٨٦).
(٢) كذا في أونسخة بهامش ب، وفي ب "وجميع" وهو خطأ.
(٣) في هامش ب "أي شابة قليلة السنِّ".
(٤) في ب "قال" بدون الفاء.
(٥) في ب "ابن" بزيادة الهمزة، وهو خطأ.
(٦) أخرجه البخاري (١/ ١١٠) بنحوه في كتاب الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى، ح ٥٢٠، بلفظ: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» ثم سمى: «اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد» ثم قال رسول الله - ﷺ -: «وأتبع أصحاب القليب لعنة»؛ وأخرجه مسلم (٣/ ١٤١٩)، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ح ١٧٩٤، بلفظ: «اللهم عليك الملأ من قريش: أبا جهل، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف - أو أبي بن خلف شعبة الشاك-».
[ ٣٣٣ ]
كلِّهم ولا باستئصال شأفتهم (١) (٢)، وكذلك لما استعان عليهم بدعائه أن يعينه عليهم بسبع كسبع يوسف فأجْدبوا حتى أكلوا العظام من الجوع حتى جاء إليه - ﷺ - أكابرهم يسألونه أن يدعو لهم بكشف ذلك عنهم، فلما دعا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، فلما عادوا انتقم الله منهم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فانتقم منهم بالقتل يوم بدر (٣)؛ والسِّرُّ في دعائه - ﷺ - على هؤلاء النَّفر خاصَّةً أنهم اتّفقوا [ق ٥/ظ] على هذا الفعل القبيح، وادَّعوا أنه مُراءٍ بصلاته، وانتهكوا حرمة الصلاة مع حرمته - ﷺ -، فكان غضبه ودعاؤه لأجل انتهاك حرمة الصلاة لله تعالى في ذلك المكان فلم يَحسُن العفو حينئذ بل تعيَّن الانتصار والانتصاف فإنه كان (٤) من عادته - ﷺ - أن لاينتصر لنفسه كما لم يعاقب الذين سَمُّوه ولا الذين سَحروه ولا الذي أراد اغتياله في أشياء نحو ذلك وإنما غضب هنا (٥) وانتصر لحقِّ الله تعالى فدعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فيهم وأظهر تكذيبهم في اعتقادهم أنه مُراءٍ فاجتمع له - ﷺ - في هذه القصة من الفضائل ما يضيق هذا المكان عن ذكره مما لم يحصل لنوح - ﵇ - منه إلا البعض، فإنَّ نوحًا ﵊ لمَّا اشتدَّ عليه الأذى من قومه دعا ربَّه أنِّي مغلوب فانتصر فقال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا
جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤] فكان دعاؤه - ﵇ - دعاء منتقمٍ مستنصرٍ (٦)
_________________
(١) في ب "ساقتهم"، وفي هامشه "ساقة الجيش مُؤخّره".
(٢) شأفة الرجل: أهله وعياله. تاج العروس من جواهر القاموس (٢٣/ ٤٨٧).
(٣) القصة أخرجها البخاري (٦/ ١٣١)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، ح ٤٨٢٢؛ وأخرجها مسلم (٤/ ٢١٥٥)، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، ح ٢٧٩٨.
(٤) في ب "فكان" بدون إنه.
(٥) في ب "هاهنا".
(٦) في ب "منتصر".
[ ٣٣٤ ]
فاستجاب الله تعالى له فشفى صدره منهم وأغرقهم ودعوة نبيّنا - ﷺ - كانت رحمةً و(كانت) (١) أكثر نفعًا وأعظم أثرًا في الخير والبركة كما روى أنس - ﵁ - قال: أصاب أهلَ المدينة قحط على عهد رسول الله - ﷺ - فقام إليه الناس يوم جمعة وهو على المنبر يخطب فقالوا: يا رسول الله غلَتِ الأسعار واحتَبَست الأمطار فادع الله أن يسقينا فرفع رسول الله - ﷺ - يَده واستسقى قال: فمُطِرنا ولم نزل نُمطَرُ حتى كانت الجمعة المُقبلة فقام إليه الناس فقالوا: ادع الله يَحْبِسْها عنَّا فتبسَّم رسول الله - ﷺ - ورفع يده فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» قال: فتخرَّقَتْ (٢) فصارت المدينة كأنَّها إكْليل (٣) وما حولها ممطور (٤)، وعن ابن عمر ﵄ قال: ربَّما ذكرتُ قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النّبي - ﷺ - يستسقى (فما ينزل حتى يجيش [ق ٦/و] كل مِيزاب (٥» (٦)
وأبيض يُسْتسقى الغَمام بوجهه ثِمَالَ (٧) اليتامى عصمةً للأرامل (٨)
_________________
(١) "كانت" ليس في ب.
(٢) في هامش ب "أي انكشفت الغيم".
(٣) إكليل: الإكليل -بكسر الهمزة وسكون الكاف-: كل شيء دار من جوانبه، يُريد أن الغيم تقشَّع عنها واستدار بآفاقها. انظر: فتح الباري (٢/ ٥٠٦)، تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم ص ١٠٢، لمحمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي، تحقيق: زبيدة محمد سعيد، الطبعة الأولى ١٤١٥، مكتبة السنة، القاهرة؛ النهاية (٤/ ٣٥٣).
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٩٥)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح ٣٥٨٢، بلفظ: "أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله - ﷺ -، فبينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع الله يسقينا، «فمد يديه ودعا»، قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع ثم أرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم نزل نمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله: تهدمت البيوت فادع الله يحبسه، فتبسم، ثم قال: «حوالينا ولا علينا» فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة كأنه إكليل، وأخرجه مسلم (٢/ ٦١٤)، بنحوه في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ح ٨٩٧.
(٥) مِيزاب بكسر الميم: وهو ما يسيل منه الماء من موضع عال. انظر: فتح الباري (٢/ ٤٩٧).
(٦) مابين القوسين ليس في ب.
(٧) ثِمَال بكسر المثلثة وتخفيف الميم: هو العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي، قد أطلق على كل من ذلك. فتح الباري (٢/ ٤٩٦).
(٨) عصمة للأرامل: أي يمنعهم مما يضرهم، والأرامل جمع أرملة: وهي الفقيرة التي لا زوج لها. فتح الباري (٢/ ٤٩٦).
[ ٣٣٥ ]
وهو قول عمه أبي طالب (١) رواه البخاري (٢)، فكانت دعوته نعمة في الأوَّل [و] (٣) رحمة في الآخر (٤)، ولم تكن دعوة نوح ﵊ إلا مجرَّد عذابٍ شفى الله تعالى به قلبه؛ ولبث نوح - ﵇ - في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم فبلغ جميع من آمن به من الرجال والنساء الذين ركبوا معه في السفينة وهم دون المائة نفْسٍ كما أشرنا إليه، ونبينا - ﷺ - كانت مدَّة دعائه (٥) الخلق إلى الحقِّ نحو عشرين سنة فآمن فيها من الخلق شرقًا وغربًا ما لايُحصى ودانت له جبابرة الأرض وملوكها وخافته على ملْكها ككسرى وقيصر وأسلم النَّجاشي والأقيال (٦) رغبة في دين الله تعالى ممن رآه وممن سمع به ولم يره لِمَا ألقى الله في قلوب الخلق من هيبته، والتزم مَن لم يؤمن به من أقطار الأرض الجزية والأتاوة (٧) عن صَغار كأهل نجران وهجر وأيلة وغيرهم فأذلَّهم الله بما ألقى في قلوبهم من الرعب الذي كان يسير أمامه مسيرة شهر حتى جاءه نصر الله والفتح
_________________
(١) هذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب، ذكرها ابن إسحاق في السيرة بطولها، وهي أكثر من ثمانين بيتًا، قالها لما تمالأت قريش على النبي - ﷺ - ونفَّروا عنه من يريد الإسلام، أولها: ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرا والوسائل. فتح الباري (٢/ ٤٩٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٧)، كتاب أبواب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، ح ١٠٠٩.
(٣) "و" زيادة من ب.
(٤) في أ "في الثاني"، وما أثبته من ب هو الصواب، لأن العرب لا يسمون (الثاني) إلا ما كان له ثالث. انظر: عمدة الكتاب، لأبي جعفر النحاس ص ١٠٠، تحقيق: بسام الجابي، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار ابن حزم.
(٥) في هامش ب "دعوته".
(٦) الأقيال: جمع قيل وهو أحد ملوك حِمْيَر دون الملك الأعظم، مأخوذ من القول بمعنى نفوذ القول والأمر؛ وقد أسلم وائل بن حجر الحضرمي، وكان قيلًا من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، وفد على رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - قد بشر أصحابه بقدومه قبل أن يصل يأيام وقال: «يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعًا راغبًا في الله - ﷿ - وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك»، واستعمله النبي - ﷺ - على الأقيال من حضرموت. انظر: النهاية في غريب الأثر (٤/ ٢٢٦،٢٠٦)، غريب الحديث (٢/ ٢٧٥)، لابن الجوزي، تحقيق: د. عبدالمعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى ١٩٨٥، دار الكتب العلمية، بيروت؛ أسد الغابة (٥/ ٤٠٥).
(٧) الأتاوة: وهو الخراج. النهاية (١/ ٢٧).
[ ٣٣٦ ]
ودخل الناس في دين الله أفواجًا فهذه منزلة لم تحصل لا (١) لنوح ولا لغيره من النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ولا بلغ مُلْك مَلك ما بلغ مُلكه ودينَه كما قال: «زُويت (٢) لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن مُلك أمّتي سَيبلغ (٣) ذلك» (٤).
وأما فضيلة نوح - ﵇ - بأن الله تعالى سماه شكورًا باسم من أسماءه سبحانه، فنبيّنا - ﷺ - قد خصَّه باسمين من أسماءه جمعهما له لم يشركه فيهما أحد فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ونوح - ﵇ - لمَّا خاطبه الله تعالى قال له: ﴿يَانُوحُ [اهْبِطْ بِسَلَامٍ] (٥)﴾ [هود: من الآية ٤٨]، ولمَّا خاطب - ﷺ - لم يقل له: يامحمد بل قال له: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١، ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: من الآية ٦٤، ٦٥، ٧٠ / التوبة: من الآية ٧٣ / الأحزاب: من الآية ١، ٢٨، ٤٥، ٥٠، ٥٩ / الممتحنة: من الآية ١٢ / الطلاق: من الآية ١ / التحريم: من الآية ١، ٩]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزَّمل: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدَّثر: ١]، فخاطبه بصفات الشَّرف والرِّفعة التي تقوم مقام الكنية واللقب بل أعظم، والخطاب بالكنية واللقب أعظم من
الخطاب بالاسم المجرَّد، وكذلك باقي الأنبياء خاطبهم [ق ٦/ظ] بأسمائهم المجرَّدة فقال: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: من الآية ٧٦ / مريم: من الآية ٤٦ / الأنبياء: من الآية ٦٢ / الصافات: من الآية ١٠٤]، ﴿يَامُوسَى﴾ [البقرة: من الآية ٥٥، ٦١ / المائدة: من الآية ٢٢، ٢٤ / الأعراف: من الآية
_________________
(١) في ب "إلا"، وهو خطأ.
(٢) زويت: جُمعت، ويقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض إذا تدانوا وتضاموا. غريب الحديث (١/ ٣)، القاسم بن سلام، تحقيق: د. محمد عبدالمعيد خان، الطبعة الأولى ١٣٩٦، دار الكتاب العربي، بيروت.
(٣) في ب "يبلغ".
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢١٥)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، ح ٢٨٨٩، بلفظ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها » الحديث.
(٥) ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ زيادة من ب.
[ ٣٣٧ ]
١١٥، ١٣٤، ١٣٨، ١٤٤ / الإسراء: من الآية ١٠١ / طه: من الآية ١١، ١٧، ١٩، ٣٦، ٤٠، ٤٩، ٥٧، ٦٥، ٨٣ / النمل: من الآية ٩، ١٠ / القصص: من الآية ١٩، ٢٠، ٣٠، ٣١]، ﴿يَايَحْيَى﴾ [مريم: من الآية ١٢]، ﴿يَادَاوُودُ﴾ [ص: من الآية ٢٦]، ﴿يَاعِيسَى﴾ [آل عمران: من الآية ٥٥ / المائدة: من الآية ١١٠، ١١٢، ١١٦] ولم يكنهم ولم يخاطبهم بما يقوم مقام الكنية واللقب، ولمَّا خاطبهم كلّهم وكان محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم داخلًا (١) فيهم خاطبهم بالتعظيم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ (الآية) (٢) [المؤمنون: ٥١]، فظهر فضل محمد - ﷺ - عليهم كلهم في هذه المسئلة وفي غيرها كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وقريبٌ من هذا المعنى أن كل نبيّ لما آذاه قومُه وكذَّبوه وسبّوه تولى هو الذب عن نفسه بنفسه، ومحمد - ﷺ - صفح عنهم وأعرض عن إجابتهم فتولى الله سبحانه الجواب عنه وانتصر له وكذَّبهم فيما نسبوه (٣) - ﷺ - إليه، وذلك نحو قول قوم نوح لنوح ﵊: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: من الآية ٦٠] فأجابهم: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ٦١]، ونحو قول قوم هود لهود ﵊: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: من الآية ٦٦] فقال مجيبًا لهم: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ٦٧]، وقول فرعون لموسى ﵊: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: من الآية ١٠١] فرد عليه بقوله: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ
مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: من الآية ١٠٢] وأشباه هذا، ونبينا - ﷺ - لمَّا قال له المشركون: شاعر أو مجنون صبر على أذاهم ووكل أمره إلى ربه سبحانه فتولى الجواب عنه ونصَره عليهم وكذّبهم بوحي يُتلى
_________________
(١) في ب "داخلهم".
(٢) "الآية" ليس في ب.
(٣) كذا في أونسخة بهامش ب، وفي ب "سبُّوه".
[ ٣٣٨ ]
فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ [وَمَا يَنْبَغِي لَهُ] (١)﴾ [يس: من الآية ٦٩] وقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] وزاد على الانتصار له بمدحه إيّاه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وهدَّد مَن نسب إليه خلاف الصحة (٢) فقال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥ - ٦] ولما قالت قريش: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: من الآية ١٠٣] و﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: من الآية ٤] دفع الله عنه ما قالوا وانتصر له وكذبهم وبكتهم وبكعهم (٣) وأظهر حجَّته له عليهم وكسر حجتهم وأبطل دعواهم فقال سبحانه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: من الآية ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: من الآية ٦] في أمثال (هذا) (٤)، وكمال هذه الأمور [ق ٧/و] لم تحصل لغير نبينا - ﷺ -.
فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحًا ﵊ كان مُرسلًا إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمدًا - ﷺ - وحده أُرسِل إلى الناس كافةً، فالجواب: أن رسالة محمد - ﷺ - عامَّة في جميع الأمكنة والأزمنة والأصناف، فإنه - ﷺ - بُعث إلى جميع أهل الأرض إنسهم وجنِّهم ودعوته - ﷺ - باقية إلى يوم القيامة لا يُبعث بعده نبي يَنسخ (٥) شريعته، وهذه الخصيصة ليست لنوح عليه
الصلاة والسلام ولا لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوم نوح ﵊ إذا كانوا هم الذين أُغْرِقُوا فدعوته مختصة بهم لم تتناول مَن بعدهم من القرون،
_________________
(١) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ زيادة من ب.
(٢) في هامش ب "أي المرض والجنون تعالى الرسول من ذلك".
(٣) بكعت الرجل بكعًا: إذا استقبلته بما يكره وهو نحو التقريع. النهاية (١/ ٣٨٨).
(٤) "هذا" ليس في ب.
(٥) كذا في أونسخة بهامش ب، وفي ب "يمسخ".
[ ٣٣٩ ]
ودعوة موسى ﵊ وإن كانت متناولة لبني إسرائيل قرنًا بعد قرن إلى المسيح ﵊ فلم تكن متناولة لغيرهم ولهذا لم يكن مبعوثًا إلى الخضر وما جرى بينهما من المحاورة دليل على ذلك والله أعلم.
فصل
وأما إبراهيم ﵊ فهو خليل الله وناهيك بها فضيلة قد جمع الله تعالى له بين النُّبوة والرِّسالة والخلَّة (والعزيمة) (١)، لكن قد أُعطي نبينا - ﷺ - ذلك وزاد، فهو نبي رسول خليل حبيب، ففيه ما في إبراهيم والزيادة التي لم تتحصَّل لغيره من الرسل، فإبراهيم - ﷺ - خليل الله ومحمد - ﷺ - أيضًا خليل الله، ولكن محمد - ﷺ - أعظم الخليلين، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» أو كما قال (٢)، ففي الصحيح أنه - ﷺ - قال: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله» (٣)، وقال - ﷺ -: «اتخذ اللهُ إبراهيم خليلًا وموسى نجيًا واتخذني حبيبًا - ثم قال - وعزَّتي لأُوثرنَّ حبيبي على خليلي ونجيِّي» (٤)، وهو - ﷺ - في
_________________
(١) "والعزيمة" ليس في ب.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٧٧)، بنحوه في كتاب الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، ح ٥٢٣.
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٩٦)، بنحوه في كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، ح ٢٣٨٣.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٨١) ح ١٤١٣، تحقيق: د. عبدالعلي عبدالحميد، الطبعة الأولى ١٤٢٣، مكتبة الرشد، الرياض، وقال البيهقي في راويه مسلمة بن علي: "مسلمة بن علي هذا ضعيف عند أهل الحديث"؛ وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، انفرد بروايته عن زيد: مسلمة، قال يحيى: مسلمة ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك". كتاب الموضوعات (١/ ٢٩٠)، لابن الجوزي، تحقيق: عبدالرحمن محمد عثمان، الطبعة الأولى ١٣٨٦، المكتبة السلفية، المدينة؛ وقال الألباني: "موضوع ثم إنه مخالف لقوله - ﷺ -: «إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا» ". سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة (٤/ ١١٠)، الطبعة الأولى ١٤١٢، دار المعارف، الرياض.
[ ٣٤٠ ]
التوراة مكتوب محمد حبيب الرحمن (١).
فإن قيل: إن إبراهيم ﵊ حُجب عن نُمروذ (٢) بحُجب ثلاثة (٣)، قيل: إنَّ محمَّدًا صلوات الله وسلامه عليه حجبه الله تعالى بستة حجب قال [الله] (٤) تعالى في حقّه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا [ق ٧/ظ] فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٨ - ٩] فهذه أربعة حجب ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ
_________________
(١) هذا الخبر جزء من حديث الإسراء الطويل المتقدم تخريجه، وقد أخرج هذا الخبر بلفظ: «وهو مكتوب في التوارة محمد حبيب الرحمن» البزار في مسنده (١٧/ ١١)، وأخرجه بنحوه ابن جرير في تهذيب الآثار (١/ ٤٤١)، وابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٧)، والهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/ ٢٣٦)، طبعة ١٤٠٨، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وقال: "ورجاله موثقون إلا أن الربيع بن أنس قال عن أبي العالية أو غيره فتابعيه مجهول". مجمع الزوائد (١/ ٢٣٦).
(٢) في ب "نمرود" بالدال المهملة، وكلا الوجهين صحيح عند الجمهور، قال الزبيدي: "نمرود بالضم وإهمال الدال وإعجامها، وفي المزهر -المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي- بالوجهين، وصرَّح العصام وغيره بأنه المعجمة، قال شيخنا: يؤيده ما أنشده الخفاجي في المجلس الثامن من الطراز لابن رشيق من قوله: يا رب لا أقوى على دفع الأذى وبك استعنت على الزمان المُوذي مالي بعثت إليَّ ألف بعوضة وبعثت واحدة على نمروذ -هذا اعتراض للقدر لا يجوز- قال: وهو الموافق للضابط الذي نظمه الفارابي فرقًا بين الدال والذال في لغة الفرس حيث قال: احفظ الفرق بين دال وذال فهو ركن في الفارسية معظم كل ما قبله سكون لا وا وٍ فدالٌ وما سواه فمعجم وفي أمالي ثعلب: نمروذ، بالذال المعجمة، وأهل البصرة يقولون: نمرود، بالدال المهملة، وعلى هذا عوَّل كثيرون فجوزوا الوجهين". تاج العروس (٩/ ٢٤٠).
(٣) في ب "بثلاث حجاب".
(٤) لفظ "الله" زيادة من ب.
[ ٣٤١ ]
وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦] وهذا حجابان فصارت ستَّة حجب، وزيادة أخرى وهي أنَّ الله تعالى جعل حجب محمد - ﷺ - من أعداءه حجبًا لأمَّته من أعدائهم من الجنِّ والإنس كما ذكرنا ذلك في موضعه.
فإن قيل: إن إبراهيم - ﵇ - كسر نمروذ (١) ببرهان نبوَّته فبهته كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٨]، قلنا: فمحمد - ﷺ - أتاه أُبيُّ بن خَلَف المكذِّب بالبعث بعظمٍ بالٍ ففركَه فانفتَّ في يده وقال: من يحي العظام وهي رميم إنكارًا لإحيائها بعدما رمَّت فأنزل الله تعالى البرهان الساطع والجواب القاطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فانصرف مبهوتًا مكبوتًا (٢).
فإن قيل: إبراهيم - ﵇ - كسَّر أصنام قومه غضبًا لله تعالى، قلنا: فمحمد - ﷺ - نكَّس (٣) ثلاثمائة وستين صنمًا كانت منصوبة حول الكعبة بإشارته إليها من غير أن يمسَّها بيده فتساقطت، وجعل يطعن بسية (٤) قوسٍ كانت معه في عين الصنم منها ويقول: «﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: من الآية ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: من الآية ٤٩]» (٥)، وأبلغ من هذا في الطرفين أن إبراهيم
_________________
(١) في ب "نمرود" بالدال المهملة.
(٢) القول أن الآيات في سورة يس (٧٧ - ٨٠) قد نزلت في أبي بن خلف هو قول: مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، والسدي، وقتادة. تفسير ابن كثير (٦/ ٥٩٣).
(٣) في ب "يكسر" وعليها تضبيب.
(٤) في ب "بسئة"، وما أثبته من أ -بتخفيف الياء- هو الوارد في صحيح مسلم، قال النووي: "السية بكسر السين وتخفيف الياء المفتوحة: المنعطف من طرفي القوس". المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٢/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٥) أخرجه البخاري (٦/ ٨٦)، كتاب تفسير القرآن، باب (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا)، ح ٤٧٢٠، من طريق عبدالله بن مسعود - ﵁ -، بلفظ: دخل النبي - ﷺ - مكة، وحول البيت ستون وثلاث مائة نُصُب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: «﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: من الآية ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: من الآية ٤٩]»؛ وأخرجه مسلم (٣/ ١٤٠٨)، بنحوه في كتاب الجهاد والسير، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، ح ١٧٨١.
[ ٣٤٢ ]
﵊ فعل ذلك مستخفيًا من قومه وأحال به على كبيرهم وإن كان ذلك إلزامًا للحجة على قومه إذا لم ينطقوا حتى عدّد ذلك من كذباته، فنبينا - ﷺ - دخل هو وعلي - ﵁ - الكعبة فصعد - ﷺ - على منكب عليٍّ - ﵁ - فلم يقدر عليٌّ على حمله، فأصعد عليًّا على منكبه فقلع الصنم الذي كان من صُفرٍ على الكعبة فقذفه فوقع فتكسر كما تتكسَّر القوارير (١) [ق ٨/و]، ولا ريب أنَّ هذا كان سرًا من قريش والأول (٢) جهرًا يوم فتح مكة.
فإن قيل: إبراهيم - ﵇ - لمَّا أُلقي في نار نمروذ (٣) خمدت وطفئت، قلنا: أبلغ من ذلك نار جهنم إذا مرَّ عليها المؤمن من أمَّة محمد - ﷺ - قالت: جُزْ يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي (٤).
وليلة مولد نبينا - ﷺ - خمدت نيران فارس التي كانت تُعبَد ولم تخمد قبل ذلك بألف
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤) ح ٦٤٤، من طريق علي - ﵁ -، بلفظ: "انطلقت أنا والنبي - ﷺ - حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله - ﷺ -: «اجلس» وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا فنزل، وجلس لي نبي الله - ﷺ -، وقال: «اصعد على منكبي»، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال صُفر أو نحاس، فجلت أُزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله - ﷺ -: «اقذف به»، فقذفت به، فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله - ﷺ - نستبق، حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس"؛ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١) ح ٩٨٣٦؛ قال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح". المسند للإمام أحمد (١/ ٤٤٣)، شرح: أحمد شاكر، الطبعة الأولى ١٤١٦، دار الحديث، القاهرة.
(٢) في ب "والأول" عليها تضبيب.
(٣) في ب "نمرود" بالدال المهملة.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٤٠) ح ٢٧٧، وقال فيه: "تفرد به سليم بن منصور وهو منكر"؛ والهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥٢) ح ١٨٤٤٦، وقال فيه: "رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف"؛ وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ٣٩٤)، تحقيق: يحيى غزاوي، ١٤٠٩، دار الفكر، بيروت؛ وقال الألباني: "ضعيف". انظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته، ص ٦٢٣.
[ ٣٤٣ ]
عام (١) فإبراهيم - ﵇ - طفئت عنه نار نمروذ (٢) بقول الله تعالى لها: ﴿ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: من الآية ٦٩] وقرب (٣) إبراهيم منها، ونيران فارس خمدت على مسافة أشهر من محمد - ﷺ - حين ولد، وفي أمة محمد - ﷺ - مَن أُلقي في النَّار فلم توثِّر فيه ببركته: منهم أبو مسلم الخَولاني لمَّا دعاه الأسود العَنْسي المتنبِّئ إلى تصديقه فقال: ما أسمع -مرارًا-، فأجَّج له نارًا وطرح فيها أبا مسلم، فلم تضرُّه، فلمَّا قدم المدينة رآه عمر - ﵁ - فقبَّل بين عينيه، ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق - ﵁ -، وقال: الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد - ﷺ - من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن (٤) - ﵇ -.
وأما إلقاء إبراهيم ﵊ في المنجنيق ورميهم به فإن في أصحاب
_________________
(١) ذكره البيهقي في الدلائل (١/ ١٢٦ - ١٢٧) من طريق مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه، بفلظ: "لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله - ﷺ -، ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نيران فارس، ولم تتخمد قبل ذلك بألف عام "؛ وأبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ١٣٨)، تحقيق: محمد رواس قلعه جي وعبدالبر عباس، الطبعة الثانية ١٤٠٦، دار النفائس، بيروت؛ والسيوطي في الخصائص الكبرى ص ٨٨ - ٨٩، ١٤٠٥، دار الكتب العلمية، بيروت، بلفظ: "خمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك "؛ وقال: "قال ابن عساكر: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مخزوم عن أبيه تفرد به أبو أيوب البجلي هكذا قال في ترجمة سطيح في تاريخه، وقال في ترجمة عبد المسيح بعد أن أخرجه من هذا الطريق ورواه معروف بن خربوذ عن بشر بن تيم المكي قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله - ﷺ - فذكر نحوه، قلت: ومن هذا الطريق أخرجه عبدان في كتاب الصحابة وقال ابن حجر في الاصابة أنه مرسل". الخصائص الكبرى ص ٨٩؛ وقال د. عبدالمعطي قلعجي محقق كتاب الدلائل للبيهقي: "وهذا حديث ليس بصحيح، وذكره في كل هذه الكتب على سبيل التسهيل لتمحيصه لا لصدقه". دلائل النبوة (١/ ١٢٩).
(٢) في ب "نمرود" بالدال المهملة.
(٣) في نسخة بهامش أ، نسخة بهامش ب " بقرب".
(٤) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، وابن عبدالبر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٧٥٨)، تحقيق: علي البجاوي، الطبعة الأولى ١٤١٢، دار الجيل، بيروت؛ كما نقله ابن حبان في صحيحه (٢/ ٣٣٨)، من طريق أبي حاتم؛ قال ابن كثير: "هذا وإن كان فيه انقطاع مشهور". مسند أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - ﵁ - وأقواله على أبواب العلم (٢/ ٦٩٢)، لابن كثير، تحقيق: عبدالمعطي قلعجي، الطبعة الأولى ١٤١١، دار الوفاء، المنصورة.
[ ٣٤٤ ]
محمد - ﷺ - ماهو شبيه بذلك، وهو أنَّ البراء بن مالك - ﵁ - لمَّا كانت وقعة مسيلمة وتحصَّنوا وأغلقوا باب الحصن، قال البراء لأصحابه: ضعوني على تُرسٍ واحملوني على رؤوس الرِّماح ثم ألقوني من أعلاها إلى داخل الحصن ففعلوا فوقع وقام فقاتل المشركين وقتل عشرةً أو أكثر وفتح الباب للمسلمين وكان سبب الفتح وقَتْل عدوِّ الله مسيلمة (١)؛ ونظير ذلك ما فعَل طُلَيحة بن خويلد لما خرج في أصحابه لغزو الروم في البحر فلقيهم العدو في سفينة فقال طُلَيحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم، ففعلوا فغشيهم بسيفه حتى تطايروا (٢) فرقًا منه فغرق من غرق واستسلم [ق ٨/ظ] من استسلم فبلغ ذلك عمر - ﵁ - فأعجبه (٣) وإبراهيم ﵊ أُلقي في المنجنيق مُكرهًا، وهذان بذلا أنفسهما وطلبا ذلك واختاراه ففعلاه وهي فضيلة لنبينا - ﷺ - إذ (٤) كان في أمته مثل ذلك.
وأما كرم إبراهيم ﵊ وإقراؤه للضيف وأنه كان يخرج المسافة يبتغي من يأكل معه حتى قيل له: أبو الضِيفان، فقد كان نبينا - ﷺ - من ذلك بالمنزلة التي لاتجهل فإنه كان يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة فيهب المائة من الإبل، وأعطى رجلًا غنمًا بين جبلين، وما سأله أحد شيئًا فقال: لا (٥)، ولقد أتاه مرةً ضيف فأرسل إلى
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٤٤)، كتاب السير، باب من تبرع بالتعرض للقتل رجاء إحدى الحسنين، ح ١٨٣٧٩، الطبعة الأولى ١٣٤٤، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، من طريق السري بن يحيى عن محمد بن سيرين، بفلظ: "أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أُغلق بابه، فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك - ﵁ - على ترس، فقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، فرفعوه برماحهم، فألقوه من وراء الحائط، فأدركوه قد قتل منهم عشرة"؛ وابن كثير بنحوه في البداية والنهاية (٦/ ٣٠٠)، وابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، تحقيق: علي البجاوي، الطبعة الأولى ١٤١٢، دار الجيل، بيروت؛ وابن حبان في الثقات (٢/ ١٧٤ - ١٧٥).
(٢) في ب "تطايرا".
(٣) أخرجه ابن قدامة بنحوه في كتابه التوابين ص ١٣٤، تحقيق: عبدالقادر الأرناؤوط، ١٤٠٣، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٤) في ب "إذا".
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل (٤/ ١٨٠٦)، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال لا وكثرة عطائه، ح ٢٣١٢، من طريق موسى بن أنس عن أبيه، بفلظ: "ما سُئل رسول الله - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة".
[ ٣٤٥ ]
أزواجه واحدةً بعد واحدةٍ فيَقُلْن: والذي بعثك بالحق ماعندنا إلا ماء (١)؛ وذلك أنه كان لا يدَّخر شيئًا حتى يجوع ويربط على بطنه الحجر، وإبراهيم ﵊ كان صاحب مال وماشية يُطعِم ويُضيف من جملة ماله ولم نسمع أنه أعطى كلَّ ماعنده، ونبينا - ﷺ - يقول: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» (٢) وقال: «لو أنَّ لي مثلَ هذه العِضاهِ نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا» (٣) وجوده وكرمه من أشهر (٤) صفاته الحميدة صلوات الله عليه وسلامه.
وأما فضيلة إبراهيم ﵊ في صبره على ما ابتُلي به مِن ذبح ولده حتى أكرمه الله تعالى بالفِداء وهذه رُتبة عظيمة، قلنا: ليس هذا بأعظم من فضيلة نبينا - ﷺ - إذ جاد بنفسه في جهاد أعداء الله تعالى فإنه صبَّر نفسه وغرَّر (٥) بها في طاعة ربه تعالى حتى إنه يوم حنين لما تولى عنه أصحابه وبقي وحده ما يألو ما صادم العدو بنفسه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٣٤)، كتاب مناقب الأنصار، باب قول الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: من الآية ٩]، ح ٣٧٩٨، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: "أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء "؛ وأخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، بلفظ: "جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء ".
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٢٢)، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، ح ١٤٦٩، من طريق أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وفي كتاب الرقاق (٨/ ٩٩)، باب الصبر عن محارم الله، ح ٦٤٧٠؛ وأخرجه مسلم (٢/ ٧٢٩)، كتاب الزكاة، باب في فضل التعفف والصبر، ح ١٠٥٣.
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ٢٢)، كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب والجبن، ح ٢٨٢١، بلفظ: «أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا»، وفي كتاب فرض الخمس (٤/ ٩٤)، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ح ٣١٤٨.
(٤) في ب "أشرف".
(٥) في ب "عزَّر"، وفي هامشه "أي أدَّب نفسه بامتثال الطاعة".
[ ٣٤٦ ]
وأخذ كفًّا من تراب فرمى به في وجوه القوم فهزمهم الله تعالى (١)، وجوده - ﷺ - بنفسه وصبره في (مثل) (٢) هذا المقام الذي لم يبق معه ناصر ولا معاضد والعدو حريص على قتله أعظم من صبر إبراهيم ﵊ على ذبح ابنه.
وأما قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] ففي الحديث أن نبينا - ﷺ -[ق ٩/و] قال: «أنا إمامهم إذا بُعثوا وخطيبهم إذا ورَدُوا » الحديث (٣)، وقد صلى بإبراهيم وغيره من الأنبياء ليلة الإسراء وشريعته داخلة في شريعة محمد صلى الله عليهما وسلم وشريعة محمد - ﷺ - أتم وأكمل (٤) من شريعة إبراهيم صلى
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٩٨)، كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين، ح ١٧٧٥، من طريق العباس بن عبدالمطلب، بلفظ: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب رسول الله - ﷺ - فلم نفارقه، ورسول الله - ﷺ - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته قِبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ - أكُفُّها إرادة أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «أي عباس، ناد أصحاب السَّمُرة»، فقال عباس: وكان رجلًا صيِّتًا، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله - ﷺ - وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله - ﷺ - «هذا حين حمي الوطيس» قال: ثم أخذ رسول - ﷺ - حصيات فرمى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد» قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ماهو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا".
(٢) "مثل" ليس في ب.
(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٥)، في المناقب، باب في فضل النبي - ﷺ -، ح ٣٦١٠، من طريق أنس - ﵁ -، بلفظ: «أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر»، وقال: "هذا حديث حسن غريب"؛ وقال الألباني: "ضعيف". الجامع الصغير وزيادته (١/ ٢٣٤) ح ٣٢٣٤؛ وأخرجه الدارمي (١/ ١٩٦)، كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ح ٤٩، بلفظ: «أنا أولهم خروجًا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا » الحديث؛ وأخرجه البغوي في شرح السنة (١٣/ ٢٠٣)، كتاب الفضائل، باب فضائل سيد الأولين والآخرين محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أجمعين وشمائله، ح ٣٦٢٤، وقال: "هذا حديث غريب"؛ وأخرجه البيهقي في الدلائل (٦/ ١٠٨) ح ٢٢٣٣.
(٤) في ب "وأجمل".
[ ٣٤٧ ]
الله عليه وسلم كما هو معروف؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: من الآية ١٢٠] ومعنى الأمة أنه كان معلمًا للخير وداعيًا إليه، ولا ريب أنَّ علم نبينا - ﷺ - وتعليمَه وما ظهر من الخير على يديه في زمانه وبعد موته بسببه أمر لا يكاد يرتاب فيه عاقل، فإنَّ علمَه وشريعته متداولة بين أمته إلى يوم القيامة، وسنَّة إبراهيم - ﷺ - من بعض ماهو من سنن محمد - ﷺ - التي دعا إليها وأمر بالاستنان بها، وقنوت محمد - ﷺ - كان أعظم فإنه - ﷺ - لما نزل عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: من الآية ٢] قام (١) فصلى حتى تفطرت قدماه فقيل له: قد غُفر لك من ذنبك ماتقدم وما تأخر، فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢) وصلّى حتى أنزل عليه - ﷺ -: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣] (٣).
فإن قيل: إن إبراهيم - ﷺ - بوَّأ الله تعالى له مكانَ البيت حتى عَمَره وأقام شعائر الله، قيل: ما فعله محمد - ﷺ - في أمر البيت أعظم، فإن إبراهيم ﵊ جاء إلى أرض داثرة (٤) فبنى فيها بيتًا وأقام فيه أمورًا شرعها الله تعالى له، وليس في ذلك كبير (٥) مشقة وإن كان فيه من الفضل والإحسان مافيه، فإن فعل نبينا - ﷺ - أعظم خطرًا
_________________
(١) كذا في أونسخة بهامش ب، وفي ب "فقام" بزيادة فاء.
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٣٥)، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ح ٤٨٣٦؛ وأخرجه مسلم (٤/ ٢١٧١)، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، ح ٢٨١٩.
(٣) أخرج ابن مردويه عن علي - ﵁ - قال: "لما نزل على النبي - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزَّمل: ١ - ٢] قام الليل كله حتى تورمت قدماه، فجعل يرفع رجلًا، ويضع رجلًا، فهبط عليه جبريل، فقال: ﴿طه﴾ [طه: ١] طأ الأرض بقدميك يا محمد ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] ". انظر: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال (٢/ ٥٤٣)، للمتقي الهندي، تحقيق: بكري حياني، الطبعة الخامسة ١٤٠١، مؤسسة الرسالة.
(٤) في هامش ب "الدثور: الدروس، أي مدروسة وخالية من العمران".
(٥) في ب "كثير".
[ ٣٤٨ ]
وأشدّ ابتلاء فإنَّه بُدِّلت تلك الشعائر (١) التي رسمها إبراهيم ﵊ (بعده) (٢)، وتناسخت الأحوال حتى صار ذلك البيت الذي بناه إبراهيم ﵊ لإقامة شعائر الدين الحنيف بتبديل الجاهلية مَركزًا للشرك ومحلًّا للأوثان وصار يُعبَد فيه غير الله ويُدعى من سواه ويُقاتل على ذلك، فبعث الله محمدًا - ﷺ -[ق ٩/ظ] فمحا تلك الآثار وكسر تلك الأصنام وأزال المنكرات وأعاد سنَّة إبراهيم ﵊ التي كانت (٣) قد دثرت، وعبد الله وحده وزال (٤) الإشراك (٥) وزاد على شريعة إبراهيم مما (٦) شرعه الله تعالى له حتى كان عام حجَّة الوداع أنزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: من الآية ٣] حتى قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب: " (يا أمير المؤمنين) (٧) آيةٌ في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشر يهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فقال عمر: أيّ آية، قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ الآية [المائدة: من الآية ٣]، فقال عمر - ﵁ -: إني لأعلم الموضع الذي نزلت فيه واليوم الذي نزلت فيه يوم جمعة عشية عرفة" (٨)؛ ففرقٌ بين من بنى بيتًا وسنَّ سُنَّة من غير منازع إلى من جاء إلى أمَّة جاهلية جهلاء، قد اجتمعت على بيتٍ جعلته دينها وأقامت فيه الأصنام يعبدونها من دون الله وشرعوا أمورًا زيَّنها لهم الشيطان فرأوها حسنة واتخذوها دينًا وقاتلوا على ذلك وتوارثوه خلفًا عن سلف ووجدوا عليه آبائهم فأمرَهم بترك ما قد نشأوا عليه من ذلك الدين ومفارقة ما قد
رسمه لهم أسلافهم
_________________
(١) في ب "الشرائع".
(٢) "بعده" ليس في ب.
(٣) في أ "كان" بدون التاء، وهو خطأ.
(٤) في ب "وأزال".
(٥) في نسخة بهامش ب "الشرك".
(٦) كذا في أونسخة بهامش ب. وفي ب "فيما".
(٧) "يا أمير المؤمنين" ليس في ب.
(٨) أخرجه بنحوه البخاري (١/ ١٨)، في كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، ح ٤٥؛ وأخرجه مسلم، بنحوه في كتاب التفسير، ح ٣٠١٧.
[ ٣٤٩ ]
ونبتت عليه (١) لحومهم ودماؤهم فصرفهم عنه طوعًا وكرهًا وردَّهم عنه إلى دين لم يعرفوه هم ولا آباؤهم بما أوضحه لهم من الحق حتى أطاعوه وقال أحبَّ إليهم من آبائهم وأولادهم وإخوانهم وعشيرتهم حتى ضَرَبَ الدينُ بحرانه واستقر على أركانه.
وأما كفالة إبراهيم ﵊ الأطفال (٢) المؤمنين الذين يُتوفون وهم صغار فليس ذلك بأعظم من كفالة الأطفالِ في الدنيا، فإن في الدنيا يحتاجون إلى ما يمونهم من مأكول ومشروب وغير ذلك، بخلاف من هو في الآخرة في كفالة الله تعالى لا يحتاج إلى أكل وشرب وكسوة ومؤنة، فإن محمدًا - ﷺ - كان لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الشفيق كما قال فيه عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٣)
فكفالة الأحياء (بلا ريب أعظم من كفالة الأموات) (٤).
فإن قيل: إن الله تعالى أمر محمدًا ﷺ وبارك باتباع [ق ١٠/و] ملة إبراهيم - ﷺ -، قلنا: ذلك إحدى حسناته - ﷺ - فإنَّ محمدًا - ﷺ - قد اتبع ملة إبراهيم - ﷺ - فحاز آخرها وزاد عليها ما أمر اللهُ به فكان له الفضل أولًا وأخيرًا.
فإن قيل: إن الله تعالى سمَّى إبراهيم حليمًا ومنيبًا وأوَّاهًا، قيل: هذه كلّها من بعض خصال محمد - ﷺ - وله من الخصال الحميدة أضعافُ أضعاف هذه كما هو مبسوط في كتب مناقبه، فكان في الحلم آيةً [كما] (٥) قال أنس - ﵁ -: "خدَمتُه عشر سنين (٦)
_________________
(١) في أ "عليهم" بزيادة الميم.
(٢) في ب "أطفال".
(٣) تقدم التعليق عليه، انظر: ص ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٤) مابين القوسين ليس في ب.
(٥) "كما" زيادة من ب.
(٦) وردت رواية في مسلم (٤/ ١٨٠٥)، كتاب الفضائل، باب كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقًا، ح ٢٣٠٩: "تسع سنين"، قال النووي في شرحه (١٥/ ٧١): "وأما قوله: تسع سنين، وفي أكثر الروايات: عشر سنين، فمعناه أنها تسع سنين وأشهر، فإن النبي - ﷺ - أقام بالمدينة عشر سنين تحديدًا لا تزيد ولا تنقص، وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى، ففي رواية (التسع) لم يحسب الكسر، بل اعتبر السنين الكوامل، وفي رواية (العشر) حسبها سنة كاملة، وكلاهما صحيح".
[ ٣٥٠ ]
وليس كلّ شأني كما يَرضى صاحبي، فما قال لي يومًا قط لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لم تصنع هذا هكذا" (١) وكان - ﷺ - من الإنابة إلى ربِّه سبحانه بالموضع الذي لايخفى فإنه كان من دعائه: «اللهم بك أُقاتِل وبك أصول وبك أحول» (٢) إلى غير ذلك من الإنابة في جِلِّ الأمور ودِقِّها وكان من تأوهه وخوفه من ربه أنه يقول: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم (٣) قليلًا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى ربكم» (٤) إلى غير ذلك من أخباره عن حلمه وإنابته وتأوّهه.
فإن قيل: إن إبراهيم - ﵇ - أوحي إليه: "يا إبراهيم إنك لمَّا سَلَّمت مالك إلى الضِيفان، وابنك إلى القربان، ونفسك إلى النيران، وقلبك إلى الرحمن، اتخذناك
خليلًا" (٥)، قلنا: إن ذلك لفضل عظيم، وخير عميم، وفخر مقيم، وكل ذلك من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٢)، كتاب الديات، باب من استعان عبدًا أو صبيًا، ح ٦٩١١، بلفظ: "فخدمته في الحضر والسفر، فوالله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا"؛ وأخرجه مسلم، بنحو لفظ البخاري في كتاب الفضائل، باب كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقًا، ح ٢٣٠٩.
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٧٢)، أبواب الدعوات، باب في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله، ح ٣٥٨٤، بلفظ: «اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، وبك أقاتل»، وقال: "هذا حديث حسن غريب"؛ وأخرجه أبو داود (٣/ ٤٢)، بنحوه في كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء، ح ٢٦٣٢، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، بيروت؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود (٧/ ٣٨٢)، الطبعة الأولى ١٤٢٣، مؤسسة غراس، الكويت: "إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان، وأبو عوانة، وحسنة الترمذي".
(٣) في ب "وضحكتم" بدون اللام.
(٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٥٦)، بنحوه في أبواب الزهد، باب في قول النبي - ﷺ - لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ح ٢٣١٢، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب"؛ وأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٢)، بنحوه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، ح ٤١٩٠.
(٥) لم أقف على هذا الحديث القدسي مرويًا في كتب السنة، وإنما قول من الأقوال في تأويل: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. انظر: مفاتيح الغيب (١١/ ٤٧)، للفخر الرازي، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار الكتب العلمية، بيروت؛ لباب التأويل في معاني التنزيل (١/ ٦٠٤)، للخازن، ١٣٩٩، دار الفكر، بيروت؛ وقد وجدته مرويًا في كتب الشيعة عن أبي الحسن المسعودي في كتابه أخبار الزمان. انظر: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (٣/ ٤٣٣)، للمحبي، ١٢٨٤، المطبعة الوهيبة.
[ ٣٥١ ]
بعض ما أُعطي نبينا - ﷺ - وزاد عليه كما أشرنا إليه وكما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: إن إبراهيم ﵊ أُعطي الصّحف وكانت عشر صحائف، قلنا: إن ما أوتي محمد - ﷺ - من السبع المثاني والقرآن العظيم أعظم من ذلك بكثير فإن صحف إبراهيم - ﵇ - كانت كلها مواعظ وأمثالًا كقوله فيها: "أيها الملِك المبتلى المُسَلّط المغرور إنِّي لم أبعثك لجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لتَرُدَّ عنِّي دعوة المظلوم فإنِّي [ق ١٠/ظ] لا أردها وإن كانت من كافر" (١) وأمثال ذلك من الحِكَم (٢)، وكان ما أوتيه محمد - ﷺ - من القرآن فيه نبأ مَن مضى ونبأ مَن يأتي إلى يوم القيامة ومابين ذلك من الحِكَم والأحكام والمواعظ والزواجر والأمر والنهي والتحليل والتحريم إلى غير ذلك مما يطول ذكره ويشق حصره، فمحمد - ﷺ - سيّد الرُّسل عليهم الصلاة والسلام وكتابه سيّد الكتب وأمَّته خَيْر الأمم صلوات الله عليه وسلامه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: أي وفَّى بما ابتلاه به من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] اختلف العلماء في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم ﵊ فقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: "هي ثلاثون سهمًا، وهي شرائع الإسلام لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم - ﵇ - أتمهنَّ فكُتِب له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] وهي عشر في سورة براءة (٣): ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ﴾ إلى
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢/ ٧٦)، بنحوه في كتاب البر والإحسان، باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ح ٣٦١، من حديث أبي ذر الطويل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية ١٤١٤، مؤسسة الرسالة، بيروت، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: "إسناده ضعيف جدًا "، وأخرجه كثير (٢/ ٤٧٢)؛ وقال الألباني: "ضعيف جدًا". ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٨٢) ح ١٣٥٢، للإمام الألباني، ١٤٢١، مكتبة المعارف.
(٢) في ب "الحلم".
(٣) في ب "البراءة".
[ ٣٥٢ ]
آخرها (١) [التوبة: ١١٢] وعشر في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾ إلى آخرها [الأحزاب: ٣٥] وعشر في المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ١] وقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [المعارج: ٢٢] في سأل سائل"، وروى طاوس عن ابن عباس أيضًا قال: "ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي من الفطرة والطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتي في الرأس قصُّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرّأس (٢)، والتي في الجسد تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء"، وقال مجاهد: "هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] إلى آخر القصة"، وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج، وقال الحسن: سبعة أشياء ابتلاه [الله] (٣) بالكوكب والقمر والشمس وأحسن النظر في ذلك وعلم أن ربَّه دائم لايزول [أبدًا] (٤) وابتلاه بالنَّار فصبر على ذلك وابتلاه بالهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه فصَبر [على ذلك] (٥) وبالختان فصبر على ذلك؛ وقال أبو رَوْقٍ (٦): هي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ﴾ [الشعراء: ٧٨]
إلى آخر الآيات؛ وقال بعضهم: هي [ق ١١/و] أن الله تعالى ابتلاه في ماله وولده ونفسه وقلبه، فسَلَّم مالَه للضيفان، وولدَه إلى القربان، ونفسه إلى النيران، وقلبه إلى الرحمن، فاتخذه خليلًا؛ وقيل هي: سهام الإسلام وهي عشرة: شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة، والصلاة وهي الفطرة، والزكاة وهي الطُهْرة، والصوم وهو الجُنّة، والحج وهو
_________________
(١) في ب "آخره".
(٢) فرق الرأس: أي فرق شعر الرأس، وهو قسمته في المفرق وهو وسط الرأس، والمفرق مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دائرة الرأس؛ قال النووي في حكمه: "اختلف السلف فيه والحاصل أن الصحيح المختار جواز السدل والفرق، وأن الفرق أفضل". انظر: عمدة القاري (٢٢/ ٨٦)، شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٠).
(٣) لفظ "الله" زيادة من ب.
(٤) "أبدًا" زيادة من ب.
(٥) "على ذلك" زيادة من ب.
(٦) أبو روق -بفتح الراء وسكون الواء بعدها-: هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، صاحب التفسير. انظر: تقريب التهذيب ص ٣٩٣.
[ ٣٥٣ ]
الشريعة، والغَزْو وهو النصرة، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الأُلفة، والأمر بالمعروف وهو الوفاء، والنهي عن المنكر وهو الحجة، فأتمهن، وقام بهن، ووفَّى بهن، فقال الله تعالى له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] (١).