(فصل) (١)
فأما موسى ﵊ فهو صفي الله تعالى [ق ١٦/ظ] ونجيّه وكليمه ونبيّه ورسوله، ففضله ليس يخفى، ونور جلاله قدره لا يَطفا، عالج القبط وبني إسرائيل، وقاسى شدائد منهم شرحُها طويل، وجاهد أعداء الله تعالى (ونصر كلمته، وصابر وثابر لله تعالى) (٢) وبلّغ رسالته، فصلوات الله عليه ما كان أصبره، وبمُداراة القوم ومُدارأتهم (٣) ما أخبره، وقد أُعطي محمد - ﷺ - من ذلك ما تُعقد عليه البنان الخمس، وسار في الآفاق مسير القمر والشّمس، فكل فضيلة أوتيها موسى، وكل قضيّة (٤) لقيها نعمى وبؤسى، فلمحمّد - ﷺ - نظيرتها وأكبر، وأوضح منها لمن تأمّلها وأظهر، وكلٌّ كان عند الله وجيهًا، وكل منهما قد كان نبيًّا نبيهًا، فمن ذلك معجز موسى ﵊ في العصا واليد وانفجار الماء من الحجر في التّيه، فإن الله تعالى أعطى محمّدًا - ﷺ - مثل ذلك أو أعجب وأعظم فإن العصي (٥) (لموسى) (٦) ﵊ كانت من خشب يجعلها الله تعالى له ثعبانًا حيًّا يتلقف ما يأفك سحرة فرعون ثم تعود إلى خاصيتها وسيرتها الأولى، وكان لموسى ﵊ فيها مآرب أخرى فما ذاك بأعجب من جذع يابس كان محمد - ﷺ - يخطب عليه، فلما عمل المنبر وتحوّل إليه حنّ ذلك الجذع إليه كحنين العشار إلى أولادها، وجعل يَخُور كما يخور الثور حتى سمع أهل المسجد ذلك، فلم يزل كذلك يحنّ ويئنّ حتى جاءه رسول الله - ﷺ - فاحتضنه وضمّه إليه فسكن وقال: «والذي نفسي بيده لو (لم) (٧) ألتزمه لما زال كذلك حتى تقوم الساعة
جزعًا على رسول الله - ﷺ -» (٨)، وأعجب من ذلك أنه دعا شجرةً من أقصى الوادي فجاءت تَخُدّ الأرض (٩)
_________________
(١) "فصل" ليس في ب.
(٢) "ونصر كلمته وصابر وثابر لله تعالى" ليس في ب.
(٣) مدارأتهم: من درأ يدرأ درءًا إذا دفع. النهاية (٢/ ٢٤٤).
(٤) في ب "فضيلة".
(٥) في ب "العصا".
(٦) "لموسى" ليس في ب.
(٧) "لم" ليس في ب.
(٨) أخرجه البخاري (٤/ ١٩٥)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح ٣٥٨٣، بلفظ: "كان النبي - ﷺ - يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنَّ الجذع فأتاه فمسح يده عليه"؛ وأخرجه أحمد في مسنده (١٠/ ١٢٧) ح ٥٨٨٦، من طريق عبدالله بن عمر - ﵁ -، بلفظ: "كان جذع في المسجد يسند رسول الله - ﷺ - ظهره إليه إذا كان يوم جمعة، أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس، فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول الله شيئًا كقدر قيامك؟ قال: «لا عليكم أن تفعلوا»، فصنعوا له منبرًا ثلاث مراقي، قال: فجلس عليه، قال: فخار الجذع كما تخور البقرة جزعًا على رسول الله - ﷺ -، فالتزمه ومسحه وسكن"؛ وأخرجه الطحاوي بنحوه في شرح مشكل الآثار (١٠/ ٣٧٨) ح ٤١٧٩، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الأولى ١٤١٥، مؤسسة الرسالة.
(٩) تخد الأرض: أي تشقها. انظر: لسان العرب (٢/ ١٦٠).
[ ٣٧٢ ]
حتى وقفت بين يديه ثم أمرها فرجعت إلى منبتها فقامت كما كانت (١)، ونحو ذلك دعاؤه للعذق من رأس النخلة فانْحدَرَ وجاءه يَنقُزُ حتى صار بين يديه ثم أمره أن يعود حيث كان فصعد كذلك (٢)، وأعجب من ذلك أنه كان بالحَجون (٣)
وهو كئيب حزين فقال
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٤/ ٤٣٤)، كتاب التاريخ، باب المعجزات، ح ٦٥٠٥، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية ١٤١٤، مؤسسة الرسالة، بيروت، من طريق ابن عمر - ﵁ -، بلفظ: "كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال رسول الله - ﷺ -: أين تريد؟ قال: إلى أهلي قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال - ﷺ - هذه السمرة، فدعاها رسول الله - ﷺ - وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدًا حتى كانت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك فكنت معك"، علق عليه شعيب الأرنؤوط: "رجاله ثقات"؛ وأخرجه الهيثمي بنحو لفظ ابن حبان في مجمع الزوائد (٨/ ٥١٧) ح ١٤٠٨٥، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه البيهقي بنحو لفظ ابن حبان في دلائل النبوة (٦/ ١٤٠) ح ٢٢٦٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤٢٤) ح ١٩٥٤، من طريق ابن عباس - ﵁ -، بلفظ: "أتى النبي - ﷺ - رجل من بني عامر، فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإني من أطب الناس، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ألا أريك آية»، قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة، فقال: «ادع ذلك العذق»، قال: فدعاه، فجاء ينقز، حتى قام بين يديه، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ارجع»، فرجع إلى مكانه، فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلا أسحر"، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٣) الحَجُون -بفتح الحاء المهملة ثم جيم مضمومة وآخره نون-: يقول الشيخ حمد الجاسر في تهميشه لكتاب (الأماكن) أو (ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة) أن العلماء قد اختلفوا في تحديد موقع الحجون، مع اتفاقهم على أنه في أعلى مكة بقرب المقبرة، فالمتأخرون وبعض المتقدمين منهم يرونه الجبل الذي تقع المقبرة بسفحه مما يلي الأبطح، ومسجد الجن (مسجد بيعتهم)، وفيه شقت ثنيه كداء (ثنية الحجون) وهذا هو المعروف عند المتأخرين، إلا أن الشيخ الجاسر يقول أنه ورد في «أخبار مكة» ما يفهم منه أنه الجبل المقابل لهذا في الجانب الآخر من المعلاه، يدعه المتجه إلى منى على يمينه. انظر: هامش الأماكن أو ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة ص ٣٢٢ - ٣٢٣، لأبي بكر الحازمي، تحقيق: حمد الجاسر، ١٤١٥، دار اليمامة.
[ ٣٧٣ ]
- ﷺ -: «اللهم أرني اليوم آيةً لا أبالي من كذّبني بعدها من قومي [ق ١٧/و] فأُمِر أن ينادي شجرةً من عقبة المدينة فناداها فجاءت تَشُق الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه ثم أمَرها فذهبت فقال: ما أبالي من كذّبني بعدها من قومي» (١)، وأعجب من هذا أو أبلغ أنه كان حين بُعث لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله، وقال: «كان حجر بمكة يسلّم عليّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن» (٢) ونحوه تسبيح الحصى في يديه، وتسبيح الطعام وهو يؤكل عنده وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وهذا بابٌ (واسع) (٣).
وأما ضرب موسى - ﵇ - بالحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا وهم في التيه فليس بأعجب من أنّ محمدًا - ﷺ - كان في سفر فأعوز القوم من الماء فدعا بقدح فجعل أصابعه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى روي القوم أجمعون (٤)، وخروج الماء
من الأحجار أمْرٌ معتاد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٣٣) ح ٢٨٠، وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل (٦/ ١٣٨)، وأخرجه بنحوه البزار (١/ ٧٦) ح ٣١٠؛ وأخرجه بنحوه أبو يعلى (١/ ١٩٠) ح ٢١٥، تحقيق: حسين سليم أسد، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار المأمون، دمشق؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠): "رواه البزار وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى حسن"،
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٨٢)، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، ح ٢٢٧٧، بلفظ: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن».
(٣) "واسع" ليس في ب.
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٧٦) ح ٦٤٣٥، تحقيق: حمدي السلفي، الطبعة الثانية ١٤٠٤، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه، بلفظ: "كنا مع النبي - ﷺ - في غزاة فأصابنا عطش شديد، فشكونا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فقال: «هل فضل ماء في إداوة؟» فأتاه رجل بفضلة ماء في إداوة، فحفر النبي - ﷺ - في الأرض حفرة ووضع عليها نطعًا، ووضع كفه على الأرض، ثم قال لصاحب الإداوة: «صب الماء على كفي واذكر اسم الله»، ففعل، قال أبو ليلى: قد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ - حتى روي القوم وسقوا ركابهم" قال الهيثمي (٨/ ٣٠١) ح ١٤١٠٧: "وفي إسناده: خالد بن نافع الأشعري ضعفه أبو زرعة وأبو داود والنسائي وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يُكتب حديثه، وقد روى عنه أحمد بن حسر، وقد اشتهر أن شيوخه كلهم ثقات عنده"
[ ٣٧٤ ]
مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ (١)﴾ [البقرة: من الآية ٧٤]، وأما من بين الأصابع فلا يعهده أحد لغير (٢) محمد - ﷺ - فهو أعظم وأعجب، وذلك ماروى عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: حدثني أبي قال: "كُنّا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبّ فيها، (ثم مجّ فيها) (٣)، وتكلم بما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل خنصره فيها، فَأُقسِمُ بالله لقد رأيت أصابع رسول الله - ﷺ - تتفجَّر ينابيع الماء، ثم أمر الناس فسَقوا وشربوا وملأوا قِربهم وإداواتهم" (٤)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة معلومة في كتب الصّحاح (٥) والسنن والسِّير وغير ذلك.
فإن قيل: إن موسى ﵊ انفلق له البحر لما ضربه بعصاه فجازه هو وأصحابه لما تبعهم فرعون وجنوده، قيل: لمحمد - ﷺ - أعجب من ذلك (٦) فإنه لم يحتج إلى عبور البحر بل بعض أصحابه قال: "والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها" (٧)، ولم يشترطوا انفلاق البحر وهم صادقون فيما قالوا وقد حقّق هذا الفعل بعض أصحابه في حياته وبعد موته وهو العلاء بن الحضرميّ - ﵁ - لما كان بالبحرين واضطر إلى عبور [ق ١٧/ظ] البحر فعبر هو وأصحابه ولم يبتل لهم ثوب، وذلك ما
روى أبو هريرة - ﵁ - قال: "لما بعث النبي - ﷺ - العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين تبعتُه
_________________
(١) في ب زيادة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ وهو زيادة على الشاهد غير مرادة.
(٢) في ب "ولغيره".
(٣) "ثم مجّ فيها" ليس في ب.
(٤) أخرجه مطولًا الطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٢٦) ح ٦٣، وفي المعجم الكبير (١/ ٢١١) ح ٥٧٩؛ وقال الهيثمي في إسناده: "ورجاله ثقات". مجمع الزوائد (١/ ٢٠) ح ٢٨.
(٥) منها: ما أخرجه البخاري (٤/ ١٩٣)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح ٣٥٧٦، من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبدالله ﵄، بلفظ: "عطش الناس يوم الحديبية والنبي - ﷺ - بين يديه ركوة فتوضأ، فجهش الناس نحوه، فقال: «ما لكم؟»، قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة".
(٦) في ب زيادة "فإنه - ﷺ - أعجب من ذلك" وهو تكرار لمعنى الجملة السابقة.
(٧) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٦٠.
[ ٣٧٥ ]
فرأيت منه خصالًا ثلاثًا لا أدري أيتهن أعجب، انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا الله تعالى واقتحِمُوا، فسمّينا واقتحمنا فعَبرنا فما بلّ الماء إلا أسافل (١) أخفاف الإبل، فلما قفلنا جُزنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلّى ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عَزالَيْها (٢) فسَقينا واستقينا (٣) ومات فدفنّاه، فلما سرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره" (٤) وقد تقدمت (٥) هذه القصّة بأتم من هذا السياق عند ذكر نوح ﵊، وكذلك قصة سعد بن أبي وقاص - ﵁ - فإنه لما فرغ من أمر القادسية ونزل بالمسلمين الكوفةَ ومدائن (٦) كسرى بالأجناد والرجال فافتتحوها وهرب منها أردشير (٧) فدخل المسلمون مدينة (٨) نهرشير (٩) وهي المدينة الدُنيا
_________________
(١) في ب "سافل".
(٢) العزالي: جمع العزْلاء وهو فم المزادة الأسفل، فشبّه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة". النهاية (٣/ ٤٥٩).
(٣) في ب "واسقينا".
(٤) أخرجه الطبراني بنحوه في المعجم الأوسط (٤/ ١٥) ح ٣٤٩٥، وفي المعجم الكبير (١٨/ ٩٥) ح ١٤٨٧٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٦) ح ١٦٠٠٧: "وفيه إبراهيم بن معمر الهروي والد إسماعيل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
(٥) في ب "مر".
(٦) المدائن: وهي مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد سبعة فراسخ، واسمها بالفارسية: طيسفون، وهذا الموضع كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيره، وسميت بالجمع -مدائن- لأن كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها. انظر: شرح سنن أبي داود (٣/ ١٠٣)، لبدر الدين العيني، تحقيق: أبو المنذر خالد المصري، الطبعة الأولى ١٤٢٠، مكتبة الرشد، الرياض؛ معجم البلدان (٥/ ٧٤).
(٧) هو يزدجرد بن شهريار ابن كسرى، ينتهي نسبه إلى أردشير بن بابك -أول ملوك الفرس الساسانية-، انهزم من جيش عمر فاستولوا على العراق، وانهزم هو إلى مرو وولت أيامه، ثم ثار عليه أمراء دولته وقتلوه سنة ثلاثين، وقيل: بل بيَّته الترك وقتلوا خواصه، وهرب هو واختفى في بيت، فغدر به صاحب البيت فقتله، ثم قتلوه به، وكان آخر ملك من آل أردشير بن بابك. انظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ١٠٩)، الكامل في التاريخ (٣/ ١٨) لأبي الحسن الشيباني، تحقيق: عبدالله القاضي، الطبعة الثانية ١٤١٥، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٨) في ب "المدينة".
(٩) في تاريخ الطبري: "بهر سير"، وفي معجم البلدان (بَهُرَ سِير) -بالفتح ثم الضم وفتح الراء وكسر السين المهملة وياء ساكنة وراء- من نواحي سواد بغداد قرب المدائن، وهي معربة من (ده أردشير) أو (به أردشير) كأن معناه: خير مدينة أردشير، وهي في غربي دجلة. انظر: تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٤٦٠)، لأبي جعفر الطبري، الطبعة الأولى ١٤٠٧، دار الكتب العلمية، بيروت؛ معجم البلدان (١/ ٥١٥).
[ ٣٧٦ ]
في جوف الليل، فلاح لهم القصر الأبيض قال المسلمون: الله أكبر هذا أبيض كسرى الذي وعدنا الله تعالى ورسولُهُ - ﷺ - وتابعوا التكبير حتى أصبحوا وذلك في صفر سنة ست عشرة وكان هذا القصر الأبيض مدينة كسرى القصوى التي فيها منزله فوقف المسلمون على دجلة وطلب سعد السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى فلم يقدروا على شيء منها ووجدهم قد ضمّوا السفن فأقاموا بنهرشير أيامًا يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين حتى أتاه أعلاجٌ (١) فَدلُّوهُ على مَخاضَةٍ فأبى وتردّد عن ذلك وفجئهم المَدُّ فرأى رؤيا أن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت يعني دجلة من المدّ بأمر عظيم فعزم لتأويل رؤياه على العبور فجمع سعدٌ الناسَ فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم وهم (٢) يخلصون إليكم إذا شاءوا فَيُناوشونكم (٣) (٤) في سُفنهم وليس وراءكم [ق ١٨/و] شيء تخافون أن تُؤتَوا منه وإنّي قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرّشد فافعل، فندَب سعدٌ (الناسَ) (٥) للعبور فقال: من يبدأ ويَحمي لنا العِرَاصَ (٦) حتى يَتلاحق به الناس لكي لايمنعوهم من الخروج فانتدب له عاصم بن عمرو (٧) وانتدب (له) (٨) ستمائة رجل من أهل النجدَات فاستعمل عليهم عاصمًا فسار بهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي يمنع العراص من عدوّكم فانتدب
له ستون منهم فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعَوْم الخيل إذا اقتحموا دجلة فلما رأى سعد عاصمًا على العراص قد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله ونتوكّل عليه،
_________________
(١) أعلاج: جمع علج، والعلج: الكافر، ويقال للرجل الضخم من الكفار عِلج. لسان العرب (٢/ ٣٢٦).
(٢) في ب "وهذا"، وهو خطأ.
(٣) في ب "فيناوشوونكم" بزيادة واو.
(٤) تناوش القوم في القتال: تناول بعضهم بعضًا بالرماح، ولم يتدانوا كل التداني. المعجم الوسيط (٢/ ٩٦٣).
(٥) "الناس" ليس في ب.
(٦) العراص: جمع عرصة: وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، والمراد به هنا مكان نزول الجند. انظر: مختار الصحاح ص ٤٦٧.
(٧) عاصم بن عمرو التميمي: أحد الشعراء الفرسان، أخو القعقاع بن عمرو، له أخبار وأشعار في فتوح العراق، اختلف في صحبته. انظر: الأعلام (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، الإصابة (٣/ ٥٧٤).
(٨) "له" ليس في ب.
[ ٣٧٧ ]
حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة وإنَّ دجلة لترمي بالزَّبد وإنّها لمسودّة وإن الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقترنوا كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض ففجئوا أهلَ فارس بأمرٍ لم يكن في حسابهم فَأجهَضُوهم وأعجلوهم عن جُمهور أموالهم (١) ودخلها المسلمون واستولوا على كل مابقي في بيوت كسرى من الثلاثة ألف ألف ألفٍ وما جمع شِيرِينُ ومَن بعده (٢)، وروى أبو بكر بن حفص بن عمر قال: "الذي كان يُساير سعدًا في الماء سلمان الفارسي ﵄ فعامَتْ بهم الخيل وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليَّه وليظهرنّ دينه، وليهزمنّ عدوَّه، وإن يكن في الجيش بغي وذنوب تغلبُ الحسناتُ، فقال سلمان: إن الإسلام جديد ذلَّل لهم والله البحارَ كما ذلّل لهم البَرّ، أمَا والذي نفس سلمان بيده ليَخرُجُنّ أفواجًا كما دخلوه أفواجًا، وطبَّقُوا (٣) الماء حتى ما يُرى الماءُ من الشاطئ، ولهم فيه أكثر حديثًا منهم في البَر، فخرجوا منه لم يفقدوا شيئًا ولم يغرق منهم أحد" (٤)، وعن حبيب ابن صُهْبَان (٥) قال: "شهدتُ القادسية -قال: - فانهزَمُوا حتى أتوا المدائن وتبعناهم -قال: - فانتهينا إلى دجلة وقد قطعوا الجسور وذهبوا بالسفن فانتهينا إليها وهي تَطْفَح فأقحم رجل (٦) منّا فرسَه وقرأ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ق ١٨/ظ] كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥] قال: فعبر ثم تبعه النّاس أجمعون فعبروا فما
فقدوا عِقالًا ما عدا رجلًا منهم انقطع قَدحٌ له كان معلّقًا بسَرْجه فرأيته يدور في الماء، قال: فلما رأونا انهزموا من غير قتال فبلغ سهم
_________________
(١) في ب "أحوالهم".
(٢) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥) ح ٥٢٢.
(٣) الطَّبَق: كل غطاء لازم على الشيء. النهاية (٣/ ٢٥٠)، والمراد به هنا: أي غطت الخيول والرجال وجه الماء.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٥٧٦) ح ٥٢٢.
(٥) حبيب بن صهبان -بضم المهملة- أبو مالك الأسدي الكوفي، ثقة من الثانية، قتله المختار سنة ست وستين. انظر: تقريب التهذيب ص ١٥١، تاريخ بغداد (٩/ ١٥٧)، الطبقات ص ١٤٣، لخليفة بن خياط، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، الطبعة الثانية ١٤٠٢، دار طيبة، الرياض.
(٦) وهو حجر بن عدي - ﵁ -. انظر: تاريخ بغداد (٩/ ١٥٧)، تفسير ابن كثير (٢/ ١٢٩).
[ ٣٧٨ ]
الرجل منا ثلاث عشرة دابة وأصابوا من الجامات (١) الذهب والفضة فكان الرجل منا يَعرِض الصحفة (٢) الذهبَ يبدلها بصحفة (٣) من فضة يُعجبه بياضُها فيقول: من يأخذ صفراء ببيضاء (٤)، وعن أبي عثمان النهدي (٥) قال: سَلِمُوا من عند آخرهم إلا رَجل من بَارِق (٦) يُدعى غَرْقَدة (٧) زال عن ظهر فرس له أشقر كأني انظر إليها تَنفُضُ أعرافَها (٨) (٩) عُرْيًا والغريق طافي فثنى القعقاعُ بن عمرو (١٠) عنان فرسه إليه وأخذه بيده فجرَّه حتى عبر قال:
_________________
(١) الجام: إناء للشراب والطعام. المعجم الوسيط (١/ ١٤٩).
(٢) في ب "الصفحة".
(٣) في ب "بصفحة".
(٤) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٩/ ١٥٧)، وأخرجه ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٢٩)، بلفظ: "قال رجل من المسلمين -وهو حجر بن عدي-: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو؟ هذه النطفة -يعني دجلة-؟ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان، فهربوا".
(٥) أبو عثمان النهدي: هو عبدالرحمن بن مل -بكسر الميم وضمها- النهدي، قال أسلمت على عهد رسول الله - ﷺ - وأديت إليه ثلاث صدقات ولم ألقه، وغزوت على عهد عمر، قال ابن عبد البر: شهد القادسية وجلولاء وتستر ونهاوند واليرموك ومهران ورستم، يقال أنه عاش في الجاهلية أزيد من ستين سنة وفي الإسلام مثل ذلك وكان يقول بلغت من العمر مائة وثلاثين سنة، وتوفي سنة خمس وتسعين للهجرة، وروى له الجماعة. انظر: الوافي بالوفيات (١٨/ ١٦٨).
(٦) بارِق -بكسر الراء-: جبل باليمن، نزله بنو سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر فنسبوا إليه. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٣٤).
(٧) قال ابن حجر في الإصابة (٥/ ٣٤١): " غرقدة غير منسوب له إدراك، ذكر الطبري في تاريخه أن المسلمين حين عبروا دجلة سلموا عن آخرهم الا رجلًا من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له شقراء فرمى القعقاع بن عمرو إليه عنان فرسه فأخذ بيده حتى عبره".
(٨) في ب "أعراقها".
(٩) عرف الفرس: منبت الشعر من العنق. لسان العرب (٩/ ٢٣٦).
(١٠) القعقاع بن عمرو التميمي: أحد فرسان العرب وأبطالهم في الجاهلية والاسلام، له صحبة، شهد اليرموك وفتح دمشق وأكثر وقائع أهل العراق مع الفرس، وسكن الكوفة، وأدرك وقعة صفين فحضرها مع علي، وكان يتقلد في أوقات الزينة سيف هرقل (ملك الروم) ويلبس درع بهرام (ملك الفرس) وهما مما أصابه من الغنائم في حروب فارس، وكان شاعرًا فحلًا، قال أبو بكر: صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، توفي نحو ٤٠. الأعلام (٥/ ٢١ - ٢٢).
[ ٣٧٩ ]
وما ذهب لهم في الماء شيء إلا قدح كانت علاقته رثَّةً (١)، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الذي يعاومه صاحبُ القدح: أصابه القدرُ -معزِّيًا له- فقال: والله إنِّي لعلى طريقة ما كان (الله) (٢) ليَسلُبَني قدحي من بين أهل العسكر، فلمّا عبروا إذا رجل ممن كان يحمي (٣) العراصَ وإذا (بالقدح) (٤) قد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر يعرّفه وأخذه صاحبه (٥)، وعن عمير الصائدي (٦) قال: "لما أقحم سعدٌ الناسَ في دجلة اقترنوا، فكان سلمانُ قرين سعدٍ إلى جانبه يسايره في الماء، فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم، والماء يطمُو (٧) بهم وما يَزال فرسٌ يستوي قائمًا قد أعيا، تنشِزُ له تَلْعَةٌ (٨) فيستريح عليها كأنه على الأرض، فلم يكن في المدائن أمر أعجب من ذلك، ولذلك كان يدعى يوم الجراثيم لا يعيي أحدٌ إلا نشزت (له) (٩) جرثومة (١٠) يُريح عليها، وقال حبيب بن صُهبان (١١): لمّا عبر المسلمون يوم المدائن دجلة فنظر الفُرسُ إليهم وهم يعبرون فجعلوا يقولون بالفارسية: ديوانان (١٢) يعنون أنّ هؤلاء مجانين، وقال بعضهم: والله إنكم لم تقاتلوا الإنس وما تقاتلون إلا الجنّ فانهزموا (١٣)، فهذا في
الفضيلة لنبينا محمد - ﷺ - أعظم من الفضيلة لموسى - ﷺ - في
_________________
(١) الرث: الخَلق البالي. معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٤).
(٢) لفظ "الله" ليس في ب.
(٣) في ب "يحي"، وهو تصحيف.
(٤) "بالقدح" ليس في ب.
(٥) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧) ح ٥٢٢، وأخرجه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٢).
(٦) قال ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٠٩): "عمير بن عمار الصائدي، يروي عن إبراهيم بن سعد، روى عنه الكوفيون".
(٧) طما الماء يطموا طموًّا: ارتفع وعلا وملأ النهر. لسان العرب (١٥/ ١٥).
(٨) التلعة: ما ارتفع من الأرض. القاموس المحيط ص ٩١٣.
(٩) "له" ليس في ب.
(١٠) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٧٢٢): "في حديث ابن الزّبير (لمّا أراد هدم الكعبة وبناءها كانت في المسجد جراثيم) أي: كان فيها أماكن مجتمعة من تراب أو طين، أراد أن أرض المسجد لم تكن مستوية".
(١١) تقدم ذكر ترجمته، انظر: ص ٣٧٨.
(١٢) في ب "ديوافان".
(١٣) أخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (٢/ ٥٧٧ - ٥٧٨) ح ٥٢٢.
[ ٣٨٠ ]
عبور [ق ١٩/و] البحر، فإنّ ذلك كان في صحبة موسى وأخيه هارون وهما اللذان تقدَّما القومَ، وهذا كان من أصحاب محمّد - ﷺ - بعد موته بمدّة، وأيضًا فإن التغرير بالنفس في خوض دجلة مع شدّة جريانها وعظم طغيانها أعظم من اقتحام البحر مع سكونه وعدم (١) جنونه، وأيضًا فإن موسى وأصحابه إنما دخلوا البحر لما ضربه موسى - ﵇ - بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وظهرت أرض البحر فمشوا عليها كما قال (الله) (٢) تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: من الآية ٧٧] فلما تبعهم فرعون بجنوده أطبقه الله عليهم وأغرقهم ونجى موسى وأصحابه، وأيضًا فإنّ أصحاب موسى ﵊ عبروا البحر وهم مطلوبون خائفون كما قال تعالى عنهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: من الآية ٦١]، وأصحاب محمد - ﷺ - كانوا طالبين لعدوّهم، وفرق عظيم بين من يغرّر بنفسه في طلب عدوّه ليقتله وبين من يغرّر بنفسه فارًّا منه في طلب النجاة لئلّا يقتله، وأيضًا فمشي أصحاب محمد - ﷺ - على وجه الماء أعظم من مشي أصحاب موسى ﵊ على أرض البحر اليابسة، فإن المشي على الأرض شيء معتاد معروف بخلاف المشي على وجه الماء.
فأما توريث الله تعالى لموسى ﵊ وأصحابه أموال فرعون وقومه كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: من الآية ١٣٧] فليس هذا بأعظم مما ورّث الله تعالى أصحاب محمد - ﷺ - إكرامًا لمحمد - ﷺ -، فإن الأرض التي أُورثها موسى وقومه هي أرض فرعون التي كان يحكم فيها لا جميع الأرض التي خلق الله تعالى بدليل قوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: من الآية ١٣٧] وليس كل الأرض بارك الله فيها، وقد أورث الله تعالى أصحاب محمد - ﷺ - من آل كسرى ما لا يعد ولا يحصى من الذهب والفضّة والجواهر والأمتعة
والفرش والأواني والعُدد والسلاح والدوابّ إلى غير ذلك من سائر أنواع الجواهر
_________________
(١) في ب "عدمه" بزيادة الهاء، وهو خطأ.
(٢) لفظ "الله" ليس في ب.
[ ٣٨١ ]
والمزارع والأملاك وغير ذلك، وحُمل ذلك أو معظمه إلى عمر (١) - ﵁ - فلما رآه قال: إنّ قومًا أدَّوا هذا لَذَوُو أمانة، فقال له علي - ﵁ -: إنك عَففت [ق ١٩/ظ] فعفّت الرعيّة (٢)، وقال جابر بن عبدالله ﵄: "والله الذي لا إله إلا هو ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية وما بعدها من المدائن أنّه يريد الدنيا والآخرة ولقد إئتمنا ثلاثة نفر فما رأينا مثل أمانتهم وزهدهم وهم: طُليحة بن خويلد (٣)، وعمرو بن معدي كرب (٤)، وقيس بن المكشوح (٥) (٦) " (٧)، وكان من جملة ما أصابوه أسفاط (٨) فيها تاج كسرى وحلته ووشاحه
ودرعه التي كان يلبس للمباهاة والثياب التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب
_________________
(١) في ب تكرار "إلى عمر"، وهو خطأ ظاهر.
(٢) أخرجه أبو القاسم التيمي في الحجة (٢/ ٣٨٥)، وأخرجه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٦)، كما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٤٣)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، ١٤١٥، دار الفكر.
(٣) هو طليحة بن خويلد الأسدي، متنبئ، شجاع، من الفصحاء، كان يقال له (طليحة الكذاب)، من أشجع العرب، يعد بألف فارس، قدم على النبي - ﷺ - في وفد بني أسد سنة ٩ هـ وأسلموا، ولما رجعوا ارتد طليحة وادعى النبوة في حياة رسول الله - ﷺ -، ثم قدم زمن عمر - ﵁ - وأسلم بعد أن أسلمت أسد وغطفان كافة، فبايعه في المدينة، ثم شهد طليحة القادسية فأبلى فيها بلاء حسنًا، توفي سنة ٢١. انظر: الاستيعاب (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، الأعلام (٣/ ٢٣٠).
(٤) هو عمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبد الله الزبيدي: فارس اليمن، وصاحب الغارات المذكورة، وفد على المدينة سنة ٩ في عشرة من بني زبيد، فأسلم وأسلموا وعادوا، ولما توفي النبي - ﷺ - ارتد عمرو في اليمن، ثم رجع إلى الاسلام، فبعثه أبو بكر إلى الشام، فشهد اليرموك، وذهبت فيها إحدى عينيه، وبعثه عمر إلى العراق، فشهد القادسية، يكنى أبا ثور، وأخبار شجاعته كثيرة، توفي سنة ٢١. الأعلام (٥/ ٨٦).
(٥) في أ "المكشوخ" بالخاء المعجمة، وهو تصحيف.
(٦) هو قيس بن المكشوح أبو شداد، واختلف في اسم أبيه فقيل: عبد يغوث، وقيل: هبيرة بن هلال وهو الأكثر، قال أبو عمر: إنما قيل له المكشوح لأنه كوي، وقيل: لأنه ضرب على كشحه؛ قيل: له صحبة وقيل: لا صحبة له باللقاء والرؤية، وهو الذي أعان على قتل الأسود العنسي مع فيروز، وهذا يدل على إسلامه في حياة رسول الله - ﷺ -، له آثار صالحة في قتال الفرس بالقادسية وغيرها وشهد مع النعمان بن مقرن نهاوند ثم قتل بصفين مع علي. وكان فارسا بطلا شاعرا وهو ابن أخت عمرو بن معد يكرب. انظر: أسد الغابة (٤/ ٤٢٥).
(٧) أخرجه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٦)، بلفظ: "ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كالذي هجمنا عليه من أمانتهم وزهدهم "، وأخرجه الواقدي في فتوح الشام (٢/ ١٨٩)، الطبعة الأولى ١٤١٧، دار الكتب العلمية، بيروت؛ بلفظ: "ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فاتبعناهم فعجزنا عن وصف أمانتهم وزهدهم ".
(٨) السفط: وعاء يوضع فيه الطيب ونحوه من أدوات النساء، ووعاء من قضبان الشجر ونحوها توضع فيه الأشياء كالفاكهة ونحوها. المعجم الوسيط (١/ ٤٣٣).
[ ٣٨٢ ]
المنظوم بالجوهر، وأصابوا أيضًا عَيُبَتَيْنِ (١) في غِلافين (٢)، في الواحد منهما خمسة أسياف وفي الأخرى ستة أسياف وأدراع فيها درع كسرى ومغفره (٣) وساقاه وساعده ودرع هرقل ودرع خاقان (ودرع دَاهِر (٤» (٥) ودرع بهرام (٦) ودرع سِيا خُرْس (٧) ودرع النعمان (٨) كانوا سَبَوْها أيام عزِّهم، فبعث بذلك إلى عمر ليراه المسلمون ويسمع بذلك العرب، ومما وُجد أيضًا سَفَطانِ في إحداهما فرس من ذهب مسرّج بسرج من فضة على ثفره (٩) ولبته (١٠) الياقوت والزمرّذ (١١) منظومًا ولجام كذلك وفارسُه من فضة مكلّل بالجوهر، وسَفط فيه ناقة من فضّة عليها شليلٌ (١٢) من ذهب زمامُها من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت والجوهر وعليها رجل من ذهب مكلل
بالجوهر كان (١٣) كسرى يضعهما إلى
_________________
(١) العيبة: وعاء من أدم ونحوه يكون فيه المتاع. المعجم الوسيط (٢/ ٦٣٩).
(٢) الغلاف: الغشاء يغشى به الشيء. المعجم الوسيط (٢/ ٦٥٩).
(٣) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. المعجم الوسيط (٢/ ٦٥٦).
(٤) داهر: ملك الهند. الكامل (٢/ ٣٦١).
(٥) "ودرع داهر" ليس في ب.
(٦) بهرام: من ملوك الفرس. شذرات الذهب (١/ ١٩٦).
(٧) في ب "سبا خرس"، وفي تاريخ الطبري (٢/ ٤٦٥) والكامل (٢/ ٣٦١): "سياوخش"، وهو: سياوخش بن مرهان بن بهرام جوبين، ملك الري. الكامل (٢/ ٤٢٦).
(٨) هو النعمان (الثالث) ابن المنذر (الرابع) بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس: من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، كان داهية مقدامًا، ملك الحيرة إرثًا عن أبيه، وكانت تابعة للفرس، فأقره عليها كسرى فاستمر إلى أن نقم عليه كسرى (أبرويز) أمرًا، فعزله ونفاه إلى خانقين، فسجن فيها إلى أن مات نحو ١٥ ق هـ؛ وقيل: ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته فهلك، وفي صحاح الجوهري: قال أبو عبيدة: إن العرب كانت تسمي ملوك الحيرة -أي كل من ملكها- "النعمان" لأنه كان آخرهم. انظر: الأعلام (٨/ ٤٢ - ٤٣).
(٩) ثفر الدابة: السير الذي في مؤخر السرج. لسان العرب (٤/ ١٠٥).
(١٠) اللبة: ما يُشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل. القاموس المحيط ص ١٧٠.
(١١) في ب "الزمرد"، قال الزبيدي في التاج (٩/ ٤١٥): "قال ابن قتيبة: دال مهملة، وصوَّب الأصمعي الإعجام، ونقله في البارع -البارع في اللغة لأبي علي القالي- وصححه، وقال بعضٌ بالوجهين".
(١٢) في أ، ب "تليل"، وفي تاريخ الطبري (٢/ ٤٦٥) والاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء (٤/ ٢٤٧)، تحقيق: د. محمد كمال الدين، الطبعة الأولى ١٤١٧، عالم الكتب، بيروت، كما أثبته؛ والشليل: مِسحٌ من صوف أو شعر يُجعل على عجز البعير من وراء الرحل. لسان العرب (١١/ ٣٦٠).
(١٣) في ب "وكان" بزيادة الواو.
[ ٣٨٣ ]
اسطوانتي التاج، وأقبل رجل بِحُقّ إلى صاحب الأقْباض، في ذلك الحُقّ صنوف من نفيس الجوهر، فقال له صاحب الأقباض ومن كان معه: ما رأينا مثل هذا قط ولا يَعدله ما عندنا ولا يقاربه، وقال للرجل: هل أخذتَ منه شيئًا فقال: أما والله لولا الله ما أتيتُكم به فعرفوا أن للرجل شأنًا، فقالوا له: مَن أنت؟ قال: لا والله (لا) (١) أُخبركم، فأتبعوه رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبدقيس (٢) (٣).
وأيضًا (٤) فإنّ قهر أصحاب موسى - ﵇ - لفرعون وقومه كان بما أطبقه الله تعالى عليهم من البحر وإغراقهم وقهر أصحاب محمد - ﷺ - لكسرى وقومه كان بمباشرتهم وسيوفهم ورماحهم وقوّتهم وأسلم من أسلم واستسلم على الجزية والصَّغار [ق ٢٠/و] مَن استسلم فكان أبلغ في النكاية على العدوّ وأعظم لظهور الإسلام وأدحر (٥) لمعالم الكفر والطغيان، فأصحاب موسى - ﵇ - كانوا فارّين من عدوّهم وأصحاب محمد - ﷺ - كانوا طالبين لعدوّهم وفرق بين هؤلاء وهؤلاء والله يؤيد بنصره من يشاء، وكان ذلك أبلغ مما لو أهلكهم جميعًا فإنه أبقى في أعقابهم الذّلّ والصَّغار ليُعتبر بهم، وجعل ما يؤخذ منهم قوّة للمسلمين وزيادة في أموالهم واستمرارًا للذلّة (٦) في عدوّهم، ثم إنّ ما علمنا أنّ المسلمين غنموه (٧) من آل كسرى أعظم مما علمنا أن أصحاب موسى ﵊ غنموه من آل فرعون وذلك أن سعدًا - ﵁ - لمّا قسم المغانم بين العسكر جمع
_________________
(١) "لا" ليس في ب.
(٢) في أ "قيس بن سعد - ﵁ - "، وفي ب "سعد بن قيس"، وفي تاريخ الطبري (٢/ ٤٦٥) والكامل في التاريخ (٢/ ٣٦٢) كما أثبته، وهو: عامر بن عبد الله المعروف بابن عبد قيس العنبري، تابعي، من بني العنبر، وهو من أقران أويس القرني وأبي مسلم الخولاني، مات ببيت المقدس في خلافة معاوية سنة ٥٥. انظر: الأعلام (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٣) أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، وذكره أيضًا أبو الحسن الشيباني في الكامل (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٤) في ب "أيضًا" بدون الواو.
(٥) في ب "وأدخر": أي أصغر وأذل. المعجم الوسيط (١/ ٢٧٤).
(٦) في ب "للذة"، وهو تصحيف.
(٧) في ب "غنموا"، وهو خطأ.
[ ٣٨٤ ]
كل شئ (أراد) (١) أن يتعجّب منه عمر من ثياب كسرى وحليه وسيفه وغير ذلك مما كانت العرب تعجب أن يقع إليهم (٢) ويصير بأيديهم، فمن ذلك أنه أخرج بساطًا يعرف بالقطيف (٣) مقدار سَعته جريبٌ أرضُهُ مُذهبَةٌ فيه صور (٤) مختلفة ووشي وفصوص كالنُوار (٥) في خلالها صُور النخل والشجر وفي حافاتها طُرْزٌ كالأرض المزروعة والأرض المُبقِلة بالنبات في الربيع معمولًا بالحرير وعليه قضبان من ذهب ونُواره معمول بالذهب والفضة وغرائب الألوان البديعة، كان كسرى يبسطه في الشتاء إذا ذهب النوار والرياحين ويَشرب عليه مع رجاله كأنهم في روضةٍ، فلم تَعتدل قسمته فقال سعد للمسلمين: هل لكم في أن تطَّيبوا نَفْسًا على أربعة أخماسه ونبعثه إلى عمر ليضعه حيث يرى فإنا (٦) لا نراه تتّفق قسمته علينا وهو قليل بيننا وسيقع من أهل المدينة موقعًا فقالوا: نعم (٧)، وبعث به سعد إلى عمر ﵄ فلما قدم عليه بالمدينة جمع الناس فاستشارهم بالبساط وأخبرهم خبره فمن بين مُشير عليه بقبضه وآخر مُفوِّض إليه وآخر متوقف فقام علي - ﵁ - فقال له: إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، فقال: صدقتني، فقطَّعه وقسمه بين الناس وقال: إن الأخماس يُنفِّل منها (٨) من شهد ومن غاب من أهل البلاء فأصاب عليًّا (٩) قطعةٌ من البساط فباعها بعشرين ألفًا وما هي بأجود تلك القطع (١٠) [ق ٢٠/ظ] ولما أُتي (١١) عمر - ﵁ -
بحلي كسرى
_________________
(١) "أراد" ليس في ب.
(٢) في ب "عليهم"، وهو خطأ.
(٣) القطيف: بساط واحد طوله ستون ذراعًا وعرضه ستون ذراعًا كانت الأكاسرة تعده للشتاء. الكامل (٢/ ٣٦٢).
(٤) في ب "صوره"، وهو خطأ.
(٥) النوار: الزهر، واحدته نوارة. المعجم الوسيط (٢/ ٩٦٢).
(٦) في ب "فإنه"، وهو خطأ.
(٧) أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
(٨) في ب "فيها".
(٩) في ب "فأصاب عليه"، وهو تصحيف.
(١٠) أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٧).
(١١) في ب "إلى"، وهو تصحيف.
[ ٣٨٥ ]
وزيّه في المباهاة وزيّه في غير المباهاة وكان له عند كل حالة زيّ قال: عَلَيَّ بمُحَلِّمٍ (١)، وكان من أجسم عربي يومئذ بالمدينة، فأُلبس تاجَ كسرى على عمودين وخشب، ثم صبّ عليه أوشِحَتُه وقلائده وثيابه وأجلس للناس، فنظر إليه عمر والناس معه فرأوا أمرًا عظيمًا من أمر الدّنيا وفتنتها، ثم قام عن ذلك فألبس زيًّا آخر فنظروا إلى مثل ذلك في غير ما نوع، ثم ألبس سلاحه وقلّد سيفه فنظروا إليه في ذلك، ونفّل عمر - ﵁ - مُحَلِّمًا سيف كسرى وقال: أحمِق بامرئٍ من المسلمين غرّته الدنيا هل يبلغنّ مغرور منها إلا دون هذا ومثلَه (٢)؛ فهذا الذي أوتي محمد ﵊ أعظم مما أوتي موسى ﵊ من فلق البحر وميراث آل فرعون، ثم إن أصحاب محمد - ﷺ - لما فرغوا من هذه الغزوة وبعثوا الأموال إلى عمر - ﵁ - توجّهوا إلى غزوة أخرى وهي الوقعة المعروفة بجَلُولاء وغيرها لا يَشغلهم ما أصابوا من الأموال والأنفال عن غزو أعداء الله تعالى والجهاد في سبيل الله تعالى، وقوم موسى ﵊ لمّا نجوا من البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنّ هؤلاء متبّر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون، وأصحاب (محمد) (٣) - ﷺ - لما فرغوا من أمر الفرس وانتهى سعد - ﵁ - إلى إيوان (٤) كسرى ورأى المدائن وخُلُوَّها وما تركوا فيها فقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] فصلى سعد - ﵁ - في الإيوان صلاة (٥) الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينهنّ (٦)، وأتم الصلاة
_________________
(١) قال الكلاعي في الاكتفاء (٤/ ٢٥٠): " هكذا وقع ذكر محلم في هذا الحديث ولا أعرف ولا أعلم في ذلك الصدر من اسمه محلم إلا محلم بن جثامة ويقال إنه توفي على عهد رسول الله - ﷺ - وقصته في الدم الذي أصابه والعفو عند وجوب القود ودعاء النبي - ﷺ - لما مثل بين يديه قصة مشهورة، وقد قيل: إنه عاش بعد النبي - ﷺ - فالله أعلم ، وكذلك قيل: إن الذي ألبسه عمر سواري كسرى هو سراقة بن مالك المدلجي".
(٢) أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (٢/ ٤٦٧).
(٣) "محمد" ليس في ب.
(٤) الإيوان والإوان: مجلس كبير على هيئة صفة واسعة لها سقف محمول من الأمام على عقد يجلس فيها كبار القوم. المعجم الوسيط (١/ ٣٣).
(٥) في ب "وصلاة" بزيادة الواو.
(٦) أخرجه الطبري بنحوه في تاريخه (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).
[ ٣٨٦ ]
يوم دخل المدائن لأنه أراد المقام بها، وكانت أول جمعة جمعت بالمدائن، واتّخذ سعد - ﵁ - الإيوان مصلّى للأعياد واتخذ فيه منبرًا؛ فقد تبين فضل محمد - ﷺ - على موسى - ﷺ - وفضل أمّة محمد - ﷺ - على أمة موسى - ﷺ -، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا.
فإن قيل [ق ٢١/و]: إنّ موسى ﵊ أتى فرعون وقومَه بالعذاب الأليم الجراد والقمل والضفادع والدّم على ما أخبر الله تعالى في كتابه، قلنا: نعم هو كذلك وكان لموسى ﵊ من المنزلة أعظم من هذا، ولكن لمحمّد - ﷺ - أعظم من ذلك، فإنّ قريشًا لمّا عتوا وتجبّروا ولم يجيبوا (١) إلى الإسلام دعا عليهم محمد - ﷺ - أن يعينه عليهم بسنين كسني يوسف فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (٢)، فتوالت عليهم السنون بالجَدْب حتى أكلوا العظام والجيف وكان أحدهم ينظر فيما بينه وبين السّماء فيرى كهيئة الدّخان قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: من الآية ١١] (فقالوا) (٣): ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥ - ١٦] يعني: يوم بدر فإنه لما كشف عنهم
العذاب في الأولى عادوا إلى كفرهم فسلّط الله تعالى عليهم رسوله - ﷺ - فانتقم منهم بأن جعل هلاكهم بسيفه، فشفى صدره وصدور (٤) المؤمنين منهم (٥).
_________________
(١) في ب "يحببوا".
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٦٠)، كتاب الأذان، باب يهوي بالتكبير حين يسجد، ٨٠٤؛ وأخرجه مسلم (١/ ٤٦٦)، بنحوه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ح ٦٧٥.
(٣) "فقالوا" ليس في ب.
(٤) في ب "وصدر".
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٣٤.
[ ٣٨٧ ]
فإن قيل: إن موسى - ﵇ - أنزل الله عليه وعلى قومه المن والسلوى وظلّل عليهم الغمام، قلنا: لمحمّد - ﷺ - أفضل من ذلك فإنّ المنّ والسلوى رزق رزقهم الله تعالى كُفُوا فيه السّعي والاكتساب على ماكانوا قد منعوا منه من الطيبات كما قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٦٠] وكانوا لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى محصورين في التّيه يتيهون، فهي (١) نعمة في طيّ نَقِمَةٍ تفضّلًا من الله تعالى عليهم، فإنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ولا يمنع عاصيًا رزقَه المكتوب له لأجل معصيته، فإنه لابدّ له من القوت أيّام حياته مطيعًا وعاصيًا.
فأما محمّد - ﷺ - (فإنه) (٢) ما أملق (٣) أصحابه أو عطشوا إلا دعا لهم (٤) بالبركة في الطعام والشراب حتى يكتفوا ويفضل عنهم وكان في ذلك [ق ٢١/ظ] فضيلة أخرى وهي جعل البركة في القليل حتى يكفي النفر الجليل، فقد كان يصيب أصحابَه الفاقَةُ في غزواتهم ويَقلّ عليهم الطعام والماء فيدعو بما يكون قد بقي معهم من ذلك، فيوجَد الشيء اليسير فيدعو فيه فيبارَك فيه حتى يأكلوا ويشربوا ويكتفوا ويفضل منهم (٥) كما هو مستفيض في المنقول، وأحلّ لهم الغنائم ولم يحلّ لأحد كان قبلهم رحمةً لهم ولطفًا بهم لأنّه رأى ضعفهم فأحلّها (٦) لهم وقوّاهم بها على عدوّهم وعلى أمور دينهم ودنياهم، فأدّوا الأمانة فيما أمروا به من اجتناب الغلول (٧) وحمل ما يحصل من الغنائم إلى الإمام
ورضاهم بما يحصل لهم بالقسمة كما ذكرنا من خبر قيس بن سعد (٨) حين وَجَدَ الحُقَّ
_________________
(١) في ب "في".
(٢) "فإنه" ليس في ب.
(٣) أملق إملاقًا: افتقر واحتاج. المعجم الوسيط (٢/ ٨٨٥)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي (٢/ ٥٧٩)، لأحمد الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت.
(٤) في ب "دعاهم"، وهو خطأ.
(٥) في ب "فيهم".
(٦) في ب "فأحلت".
(٧) الغلول: وهو الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القِسمة. يقال: غَلَّ في المغنم يَغُلُّ غُلولًا فهو غَالٌّ. وكلُّ مَن خان في شيء خفية فقد غَل. وسُمِّيت غُلولًا لأن الأيدي فيها مغلولة: أي ممنوعة مجعول فيها غلٌّ وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه. النهاية (٣/ ٧١٧).
(٨) تقدم ذكر أن الخبر لعامر بن عبدقيس، وليس قيس بن سعد - ﵁ -، انظر: ص ٣٨٤.
[ ٣٨٨ ]
الذي فيه من الأموال ما تستغني به عِدَةُ أهل أبياتٍ غِنَى الأبد فردَّهُ وقال لهم: لولا الله ما رأيتموه؛ وأما قوم موسى - ﵇ - فإنه يكفل لهم بأن المنّ (١) والسلوى ينزل عليهم كل يوم قدر كفايتهم وأمرهم أن لا يدّخروا شيئًا فخانوا وخالفوا (٢) وادخروا فأنتن ما ادخرُوا وَدَادَ (٣) وفسد فقطعه الله تعالى عنهم كما جاء في الحديث: «لولا بنوا إسرائيل لم يخنز اللحم وَلولا حوّاء لم تخن أنثى زوجَها الدهرَ» (٤) فأين هؤلاء من هؤلاء؟ ! وأبلغ من ذلك أنّ أصحاب محمد - ﷺ - كانوا يخرجون في غزواتهم فيحصل لهم الحاجة فيجدون ما يكفيهم ويفضل كالذين خرجوا إلى ساحل البحر وقلّت أزوادهم فوجدوا حوتًا قد قذفه البحر فأكلوا منه شهرًا وادّهنوا حتى سمنوا (٥)؛ وأما دعاؤه - ﷺ - لأحاد من الناس بالبركة
ونحو ذلك فيضيق الوقت عن حصْرِه كَعُكّة (٦) أم سُلَيم التي أهدت له (فيها) (٧) سمنًا
_________________
(١) في ب "يكفل لهم بالمن".
(٢) في ب "أن لايدخروا فخالفوه".
(٣) في هامش أ "أي صار فيه الدود".
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٤)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، ح ٣٣٩٩؛ وأخرجه مسلم (٢/ ١٠٩٢)، كتاب الرضاع، باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر، ح ١٤٧٠، بلفظ: "لولا بنو إسرائيل، لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر".
(٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٣٥)، كتاب الإمارة، باب إباحة ميتات البحر، ح ١٩٣٥، من طريق أبي الزبير عن جابر - ﵁ -، بلفظ: "بعثنا رسول الله - ﷺ - وأمَّر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرًا لقريش، وزوَّدنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تُدعى العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله - ﷺ -، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاث مائة حتى سمنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور، أو كقدر الثور، فقلد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها وتزونا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله - ﷺ -، فذكرنا ذلك له، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا»، قال: فأرسلنا إلى رسول الله - ﷺ - منه فأكله".
(٦) عُكّة بضم العين وتشديد الكاف: وعاء صغير من جلد للسمن خاصة. شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢١٩).
(٧) "فيها" ليس في ب.
[ ٣٨٩ ]
فردّها ولم يعصرها فكانت كلّما أرادت (١) سَمْنًا أخذت منها حتى عصَرتها ففني فقال - ﷺ -: «لو لم تَعصرها لأخذَتْ منها وقام لها أدم بيتها » الحديث (٢)، وكجراب أبي هريرة - ﵁ - الذي كان فيه دون عشرين تمرة فدعا فيه بالبركة فأكل وجهّز في سبيل الله كذا وكذا وسقا وبقي يأكل منه ويطعم إلى أن قتل عثمان [ق ٢٢/و] بن عفّان - ﵁ - ففقد الجراب في تلك الواقعة (٣)، وكشعير عائشة ﵂ الذي دعا فيه فكانت تأكل منه حتى كالته ففني (٤) وهذا باب واسع؛ وأيضًا فإنّ بني إسرائيل لمّا رزقوا المنّ والسّلوى كانوا (٥) محجورًا عليهم في التّيه، معاقَبين (٦) على مخالفة الأمر بالدخول إلى الأرض المقدّسة لما
احتجوا بأنّ فيها قومًا جبّارين، فقالوا: إنّا لن ندخلها أبدًا ماداموا فيها، وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فجعلهم يتيهون في أرض التّيه تلك المدّة، فهذا كان حالهم لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وأصحاب نبيّنا - ﷺ - لمّا أمرهم بالقتال قالوا: اوْمُرْنا بما شئت فوالله لو
_________________
(١) في ب "أراد" بدون تاء التأنيث.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٨٤)، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ -، ح ٢٢٨٠، من طريق جابر - ﵁ -، بلفظ: "أن أم مالك كانت تهدي للنبي - ﷺ - في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأُدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تُهدي فيه للنبي - ﷺ -، فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أُدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي - ﷺ - فقال: «عصرتيها»، قالت: نعم، قال: «لو تركتيها ما زال قائمًا».
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٤/ ٢٧٦) ح ٨٦٢٨، من طريق أبي العالية عن أبي هريرة، بلفظ: "أتيت النبي - ﷺ - يومًا بتمرات، فقلت: ادع الله لي فيهن بالبركة، قال: فصفَّهن بين يديه، قال: ثم دعا، فقال لي: «اجعلهن في مزود، فأدخل يدك ولا تنثره» قال: فحملت منه كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، ونأكل، ونُطعم، وكان لا يفارق حقوي، فلما قتل عثمان - ﵁ - انقطع عن حقوي فسقط"؛ وأخرجه الترمذي (٥/ ٦٨٥)، بنحو لفظ المسند في أبواب المناقب، باب مناقب أبي هريرة - ﵁ -، ح ٣٨٣٩، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي هريرة"، وقال الألباني: " حسن الإسناد". صحيح سنن الترمذي (٣/ ٥٦٠)، للإمام الألباني، الطبعة الأولى ١٤٢٠، مكتبة المعارف، الرياض.
(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٩٦)، كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، ح ٦٤٥١؛ وأخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٢)، كتاب الزهد والرقائق، ح ٢٩٧٣، عن عائشة ﵂، بلفظ: "لقد توفي النبي - ﷺ - وما في رفِّي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر بعير في رف لي، فأكلت منه، حتى طال عليَّ، فَكِلته ففني".
(٥) في ب "كان".
(٦) في ب زيادة "كانوا" قبل "معاقَبين".
[ ٣٩٠ ]
أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، إنّا لا نقول كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا (إنّا هاهنا قاعدون، بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا) (١) إنا معكم مقاتلون (٢)، وقد تقدم هذا المعنى؛ فكان ما أعطي أصحاب موسى - ﵇ - في مقام الرحمة، وما أعطي أصحاب محمد - ﷺ - في مقام الكرامة والنعمة.
فإن قيل: إن موسى - ﵇ - أعطي العصا لما حضرت السّحرة وألقوا حبالهم وعصيّهم ألقى موسى - ﵇ - عصاه فتلقفت ما صنعوا واستغاث فرعون بموسى (٣) - ﵇ - رهبة وفرقًا منها، قيل: فقد أُعطي (٤) محمد - ﷺ - أعظم من ذلك، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال: يا معشر قريش إن محمّدًا قد أبى إلا ماترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسنَّ له بحجر قدر ما أطيق حَمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسَه، فأسلموني (عند ذلك) (٥) أو امنعوني، فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: لا والله لا نُسْلِمُكَ لشيء أبدًا فاصنع ما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف وجلس لرسول الله - ﷺ -، وغدا رسول الله - ﷺ - كما كان يغدو، فقام يصلّي وقد قعدت قريش في أنديتهم [ق ٢٢/ظ] ينتظرون ما أبو جهل صانع، فلما سجد رسول الله - ﷺ - احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دَنا منه رجع مَبْهوُتًا، مُنتقعًا لونه مَرْهُوبًا، قد يبسَتْ يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده
، وقامت (٦) إليه رِجَالاتُ قريش وقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة، فلما دنوت منه عَرض لي دونه فحل من الإبل، (لا) (٧) والله ما
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ب.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ١٨٥)، قال الألباني: "وهذا إسناد مرسل صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين". انظر: هامش السلسلة الصحيحة (٩/ ١٢١) ح ٣٣٤١.
(٣) في ب "لموسى".
(٤) في ب "قيل فأعطي" بدون "قد".
(٥) "عند ذلك" ليس في ب.
(٦) في ب "ثم قامت".
(٧) "لا" ليس في ب.
[ ٣٩١ ]
رأيت مثل هامته ولا قَصَرته ولا أنيابه، فهمّ أن يأكلني، فيُذكر أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «ذاك جبريل لو دنا منّي لأخَذَه» (١)، وفي رواية أخرى: فلمّا أتاه وهو ساجد رفع يده وفيها الفِهرُ ليَدْمغ رسولَ الله - ﷺ - (زعم) (٢)، فيبست يده على الحجر (٣)، فلم يستطع إرسال الحجر من يده، فرجع إلى أصحابه فقالوا: أجَبُنتَ عن الرجل؟ ! فقال: لم أفعل، ولكن هذا في يدي لا أستطيع إرسالَه، فعجبوا من ذلك فوجدوا أصابعه قد يبست على الحجر فعالَجوها حتى خلصوها وقالوا: هذا شيء يُراد (٤)، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل (٥): هل يغفّر محمّدٌ وجهه بين أظهركم، فقيل: نعم، (فقال) (٦): واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفِّرنَّ وجهه في التراب -قال-: فأتى رسولَ الله - ﷺ - وهو يصلي زعم لِيَطَأ على رقبته، فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه (٧) -قال-: فقيل له: مالك، قال: إنّ بيني وبينه لخندقًا من نار وهَولًا وأجنحةً، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو دَنا مني لاختطفته الملائكة عُضوًا عضوًا » الحديث (٨)؛ فكيد سحرة فرعون وإن كان عظيمًا فإنه كان لأجل فرعون إما رغبة وإمّا رهبة فلا يوازي كيد أبي جهل إذ كان يجهد لنفسه بنفسه في أذى رسول الله - ﷺ - ليَشفي غيظ قلبه منه، وليس من يسعى ويجهد لغيره في القوّة كمن يسعى لنفسه، ثم إن من نُصر به محمد - ﷺ - كان جبريل والملائكة عليه وعليهم السلام كما قال رسول الله - ﷺ -: «لو دنا منّي لاختطفتهُ الملائكةُ [ق ٢٣/و] عضوًا عضوًا» (٩)،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٦٥)، وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الدلائل (١/ ٢٠٥) ح ١٥٦.
(٢) "زعم" ليس في ب.
(٣) في ب "حجره".
(٤) أخرجه بنحوه أبو نعيم في الدلائل (١/ ١٩٩) ح ١٥٢.
(٥) في ب "أبو جعفر"، وهو خطأ.
(٦) "فقال" ليس في ب.
(٧) في ب "ببدنه"، وهو تصحيف.
(٨) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٥٤)، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]، ح ٢٧٩٧.
(٩) تقدم تخريجه في الحديث السابق.
[ ٣٩٢ ]
فهو أعظم مما نُصِر به موسى ﵊ فإنه كان الثعبان المنقلب عن العصا وبينه وبين جبريل بَوْنٌ [بعيد] (١) عظيم.
فإن قيل: انقلاب العصا الجماديّة ثعبانًا حيًّا آية عظيمة وفضيلة جسيمة لموسى - ﵇ -، قيل: لمحمد - ﷺ - أمثالها وأعظم فإنه قد سبّح الحصى في يده وفي يد أصحابه (٢) فهذه حياة في جمادٍ ونطق بتسبيح يسمعه من حَضر، وكذلك سبح الطعام وهو يؤكل بحضرته (٣)، والأحجار قد سلمت عليه (٤)، والأشجار قد دعاها فأقبلت
إليه (٥)، وكذلك العذق دعاه فنزل من رأس النخلة ينقز حتى وقف بين يديه فشهد برسالته ثلاثًا
_________________
(١) "بعيد" زيادة من ب.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل (٦/ ٢٠٧) ح ٢٣١٤، من طريق أبي ذر - ﵁ -، بلفظ: "لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رأيته، كنت رجلا أتتبع خلوات رسول - ﷺ - وسلم فرأيته يومًا جالسًا وحده، فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه، فجاء أبو بكر فسلم ثم جلس عن يمين رسول الله - ﷺ -، ثم جاء عمر فسلم فجلس عن يمين أبي بكر، ثم جاء عثمان فسلم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله - ﷺ - سبع حصيات، أو قال: تسع حصيات، فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن". وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (٢/ ١٦٣) ح ٥٢٢، وأخرجه البزار بنحوه في مسنده من طريق سويد بن زيد عن أبي ذر (٩/ ٤٣١) ح ٤٤٠، ومن طريق جبير بن نفير عن أبي ذر (٩/ ٤٣٤) ح ٤٠٤٤، قال الهيثمي: "رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما ثقات وفي بعضهم ضعف". مجمع الزوائد (٨/ ٥٢٧) ح ١٤١٠٣، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٤٣) ح ١١٤٦، قال الألباني: "حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات غير عبدالحميد بن إبراهيم وهو أبو تقي فيه ضعف من قبل حفظه، ولكنه قد توبع". السنة لابن أبي عاصم لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة (٢/ ٥٤٣)، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٤٠٠، المكتب الإسلامي، بيروت.
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٩٤)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح ٣٥٧٩، من طريق عبدالله بن مسعود - ﵁ -، بلفظ: "كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقَل الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء»، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء، ثم قال: «حيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله»، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل".
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٧٤.
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٧٢.
[ ٣٩٣ ]
ثم عاد ينقز إلى مكانه (١)، وكذلك حنّ الجذع اليابس إليه حين فارقه فلمّا جاءه واحتضنه سكن (٢).
فإن قيل: إن موسى - ﵇ - لما وفد بخيار قومه وهم سبعون نَفْسًا إلى الله تعالى وكانوا من أفاضلهم فلمّا صاروا في البَرِّيَّةِ غلب رَوحُ القُرْبة على قلبه، وتحقق صدق الإجابة، وظاهَرَهُ قوة الوصول، أسرَعَ إلى ربّه ناسيًا لقومه لما وجد من الوله قاصدًا للمناجاة فقال الله تعالى (له) (٣): ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٨٣] فقال: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: من الآية ٨٤]، وهذه حالة شريفة خصّ بها موسى ﵊ دون سائر المرسلين ﵈، عبّر عن نفسه ودلّ على قصده ومراده، قيل: إنّ الله عظّم شأن محمّد - ﷺ - في آيتين أعلمه (فيهما) (٤) رضاه عنه وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه ولا رغبة تقدمت منه فقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: من الآية ١٤٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ٥] فمنحه رضاه وأعطاه مُناه في جميع مايهواه ويتمنّاه، وغيرُه من الأنبياء ﵈ سألوا وطلبوا رضى مولاهم، وفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "لما أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥١] قلتُ: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك" (٥)، وخصه مع الرضى بالرحمة والرأفة [ق ٢٣/ظ] فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] وكان رقيق القلب، وأمر الله تعالى
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ٣٧٣.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٧٢.
(٣) "له" ليس في ب.
(٤) "فيهما" ليس في ب.
(٥) أخرجه البخاري (٦/ ١١٧)، بنحوه في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥١]، ح ٤٧٨٨.
[ ٣٩٤ ]
موسى - ﵇ - بالملاينة لفرعون لما كان فيه من الفظاظة والغلظة وقال له ولأخيه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: من الآية ٤٤]، وذكر عن محمّد - ﷺ - الملاينة والرأفة وأمره بضدّها فقال: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: من الآية ٧٣] وإنّ لكلّ مقام مقالًا، والذي اشتهر من حال موسى ﵊ الحدّة وقلة التماسك عند ورود الملمات عليه كما فعل في إلقاء الألواح وفي أخذه برأس أخيه ولحيته وجرّه إليه، وروى زيد بن (أسلم) (١) عن أبيه: "أن موسى - ﵇ - كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا" من شدّة غضبه ذكره الثعلبي (٢)، ومحمد - ﷺ - بُولغ في أذاه وفي خِلافه (٣) وعداوته حتى ألقوا على ظهره السَّلا والفرث والدّم وهو ساجد، وضربوه حتّى أدموه إلى غير ذلك من أصناف الأذى فعلًا وقولًا، فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٤)، فكان عاقبة الصّبر النصر، وأثنى الله تعالى عليه - ﷺ - في سَعَةِ خُلقه وحسن سيرته وجميل صبره فقال: ﴿وَإِنَّكَ (٥) لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]؛ وأما شوقهُ - ﷺ - إلى ربّه تعالى ولقائه (فإنّه) (٦) حين جاءه (٧) نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأكمل له الدّين وأتم عليه النعمة، وكان العيش عند ذلك مطلوبًا وطول البقاء في الدنيا محبوبًا مَرِض فَخُيّر بين الحياة وبين لقاء رَبّه، فاختار لقاء ربّه ولم يزل يقول: «الرفيق الأعلى» (حتى) (٨) قُبض - ﷺ - (٩)، وموسى
_________________
(١) "أسلم" ليس في ب.
(٢) لم أقف عليه في كتب الثعلبي، وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ١٦١)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ٢٣٤)، ١٣٩٥، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٣) في ب "بولغ في أذاه بخلافه".
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٧٥)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، ح ٣٤٧٧.
(٥) في ب ﴿إِنَّكَ﴾ بدون الواو.
(٦) "فإنه" ليس في ب.
(٧) في ب "جاء" بدون الهاء.
(٨) "حتى" ليس في ب.
(٩) أخرجه البخاري (٦/ ١٠)، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، ح ٤٤٣٨، من طريق عائشة ﵂، بلفظ: «في الرفيق الأعلى»؛ وأخرجه مسلم (٤/ ١٨٩٤)، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، ح ٢٤٤٤، بلفظ: «اللهم الرفيق الأعلى».
[ ٣٩٥ ]
﵊ لمّا حضره ملك الموت ليقبض رُوحَه لطمه ففقأ عينه كما ثبت ذلك في الصحيح، فرجع ملك الموت (إلى ربّه) (١) فقال: "ياربّ إنّك أرسلتني إلى عبد لك لايحب الموت وقد فقأ عيني فردّ الله عليه عينه " الحديث (٢)؛ ثم أين أصحاب موسى الذين اختارهم لميقات ربّه ثم تهجّموا على ربهم فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعًا فقال [ق ٢٤/و] موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل (٣) وقد أهلكت خيارهم، فلم يزل موسى يناشد ربَّه حتى أحياهم الله - ﷿ - (جميعًا) (٤) رجلًا بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض (٥) كيف يُحيَوْن فذلك قوله - ﷿ -: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] (٦) فهؤلاء الذين اختارهم موسى من قومه، وقد روى أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا راح منّا إلى الجمعة سبعون رجلًا كانوا كالسبعين الذين وفدوا مع موسى - ﵇ - وأفضل» (٧)، وأما أصحاب محمد - ﷺ - فإن الإيمان كان أرسخ في (٨) قلوبهم من الجبال الراسيات، منهم من يغرر بنفسه ومالِه في نصرة الدين، ومنهم من يهجر ولده، ومنهم من يطلق زوجته، ومنهم من يقتل قريبه ونسيبه، ومنهم مَن يُعْرَض على القتل فيختار القتل والموت على الإسلام
_________________
(١) "إلى ربه" ليس في ب.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٩٠)، كتاب الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، ح ١٣٣٩؛ وأخرجه مسلم (٤/ ١٨٤٢)، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى - ﷺ -، ح ٢٣٧٢، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: " أُرسل ملك الموت إلى موسى - ﵇ -، فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه " واللفظ لمسلم.
(٣) في ب تكرار "إلى بني إسرائيل"، وهو خطأ.
(٤) "جميعًا" ليس في ب.
(٥) في ب "ينظر بعضهم بعضًا".
(٦) انظر: تفسير الثعلبي (١/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٧) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٢٤٤) ح ٧٩٩، قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه أحمد بن بكر البالسي، قال الأزدي: كان يضع الحديث" مجمع الزوائد (٢/ ٣٩٥) ح ٣٠٧٨؛ وقال الألباني: "موضوع". ضعيف الجامع الصغير (١/ ٧١) ح ١٥١٢.
(٨) في ب "إلى".
[ ٣٩٦ ]
ولا يكفر، ومنهم من يُعَذّب بأنواع العذاب كصهيب وبلال ﵄ وأرضاهما ونحوهما، ومنهم من يقول:
ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع (١)
وهو خُبَيب - ﵁ - إلى غير ذلك من أحوال كثير من أصحاب محمد - ﷺ - ومن بعدهم ﵃ أجمعين.
فإن قيل: قد أكرم الله تعالى موسى ﵊ بأن ألقى له المحبة في القلوب وكان بين عينيه نور لاينظر إليه أحد إلا أحبّه قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: من الآية ٣٩] وهذا أحد الأقوال في هذه المحبّة وهو الوارد في هذا المكان، قيل: إنما كان ذلك في صغره لشدّة الحاجة إلى ذلك، لأنه ﵊ أُلقي في البحر وكان الأطفال في ذلك الوقت تذبح ولاتستبقى حتى (٢) أُخرج من اليَمِّ والتقطه آل فرعون وجعلوا يطلبون (له) (٣) المراضع ليُنْفذ الله تعالى حكمه ويمضي قدَره فقالت أخت موسى [ق ٢٤/ظ]: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: من الآية ١٢]، فكان أولَ ما أخرج من اليمّ أحبّه (٤) فرعون وامرأته حتى ربَّوه في دار المملكة (مكرمًا) (٥) معززًا إلى أن نشأ وكان من شأنه ما كان، فظهر له منهم ومن بني إسرائيل من العداوة والشنآن ما الله به العليم حتى من أهله كقارون ونحوه فإنه لما قال لبني إسرائيل: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ
الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ (٦) لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٨]،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٢٠)، كتاب التوحيد، باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله، بلفظ: "على أيِّ شق كان لله مصرعي".
(٢) في ب "حين".
(٣) "له" ليس في ب.
(٤) في ب "أخت".
(٥) "مكرمًا" ليس في ب.
(٦) في ب "والعاقية"، وهو خطأ ظاهر.
[ ٣٩٧ ]
أجابوه بأبشع جواب وأشنعه فقالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٩] فقال لهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٩] فكان رَدُّه (١) عليهم بهذا اللطف عن ذاك (٢) الجفاء والغِلظة، وأظهروا خلافه فيما أمرهم به من الدخول على الجبابرة في الأرض المقدّسة حتى قالوا (إنّا) (٣) لن ندخلها أبدًا ماداموا فيها كما تقدم، وكما نهاهم عن الصيد يوم السبت فاحتالوا في حبس الحيتان، وكما نهاهم عن الإدخار من المن والسلوى فادخروا، ولما (٤) غاب عنهم زمن المناجاة عَبَد العجل منهم الجم الغفير، وقارون القريب النسيب (٥) جرى في حقّه منه ما جرى وعاداه العداوة البليغة، والسامري الذي كان من عظماء بني إسرائيل (٦) نافَق وعمل ما عمل وكل ذلك في كبره وفي زمان النبوّة، ولم يُسْلِمْ له ممن أحبّه طفلًا إلا امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون، وقد قال لمحمد صلى الله عليه وعليه وسلم ليلةَ الإسراء: إنه عالج بني إسرائيل أشد المعالجة (٧)، واقترحوا عليه من الأمور المنكرة والأمور الدينية ما عُرف
به سوء أدبهم (معه) (٨) وقلّة [معرفتهم و] (٩) احترامهم إياه، كما أنه لما كان يعتزلهم في
_________________
(١) في ب "فرده".
(٢) في ب "ذلك".
(٣) "إنا" ليس في ب.
(٤) في ب "لما" بدون الواو.
(٥) قال بدر الدين العيني في قارون: "وفي نسبه إلى موسى ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان ابن عمه قاله سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن جريج وعبد الله بن الحارث، والثاني: ابن خالته رواه عطاء عن ابن عباس، والثالث: أنه عم موسى قاله ابن إسحاق". عمدة القاري (٢٣/ ٣٥٢).
(٦) قال قتادة: "كان السامري عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنّ عدوّ الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلمّا مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فاغتنمها السامريّ، فاتّخذ العجل ". تفسير الثعلبي (٦/ ٢٥٨).
(٧) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٩)، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ح ٣٢٠٧.
(٨) "معه" ليس في ب.
(٩) "معرفتهم و" زيادة من ب.
[ ٣٩٨ ]
مغتسلهم وكانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم (سوءة) (١) بعض، وكان موسى ﵊ ستيرًا فكان يغتسل وحده فقالوا: ما يمنع أن يغتسل معنا إلا أنّ به أدرة (٢) أو آفة فقال الله لهذه الأمّة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ﴾ الآية (٣) [الأحزاب: ٦٩] (٤)، وكما ذكرنا من سؤال الذين اختارهم أن يروا ربّهم جهرة، والذين قالوا: ادع لنا ربّك يخرج لنا مما تنبت الأرض [ق ٢٥/و] من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها، قال: أتستبدلون الذي (٥) هو أدنى بالذي هو خير، وتعنّتهم في سؤالهم عن البقرة التي (٦) أُمِرُوا بذبحها مرّةً بعد مرّةٍ (٧)، ولو أنهم ذبحوا بقرةً (في) (٨) أوّل مرّةٍ أيّ شيء كانت لأجزأت عنهم، لكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم، فأمّا محمد (٩) - ﷺ - فإن محبّته كانت مغروزة في قلوب الخلق في صغره وكبره حتى إن الكفار الذين كانوا يخالفونه وينابذونه كان في قلوبهم منه هيبة، وكان عندهم موقرًا معزّزًا، وكان يسمى فيهم الأمين، وإذا قال قولًا لايشكّون في صدقه حتى عن الغائبات، كما قيل لبعضهم (١٠) إن محمدًا يزعم أنه قاتلك فقال: والله مايكذب محمد إذا حدّث [به] (١١)،
_________________
(١) في ب "سوء".
(٢) الأدرة بالضم: نفخة في الخصية. النهاية في غريب الأثر (١/ ٦٠).
(٣) في ب ذكر الآية بتمامها.
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٦)، بنحوه في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉، ح ٣٤٠٤.
(٥) في ب "بالذي" بزيادة الباء.
(٦) في ب "الذي".
(٧) في ب "أخرى".
(٨) "في" ليس في ب.
(٩) في ب "فامحمد"، وهو خطأ.
(١٠) وهو أمية بن خلف؛ والقصة أخرجها البخاري (٤/ ٢٠٥)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح ٣٦٣٢.
(١١) "به" زيادة من ب.
[ ٣٩٩ ]
وبقي (١) ذلك الرجل متحرزًا مدّة حتى أنفذ (٢) الله فيه حكمه بما وَعَد به الرسول - ﷺ -، وما أظهروا عداوته إلا لما سَبّ آلهتهم وضلّل آبائهم وسفّه أحلامهم على عبادة غير الله.
فأمَّا محبّة المؤمنين له عليه الصلاة (والبركة) (٣) والسلام فأمر ظاهر لايحتاج إلى برهان، فإنه لما دعى (٤) خواصهم كأبي بكر وعمر ﵄، وعوامَهم - ﵃ -، وآمنوا به، أمرهم بالهجرة من بلادهم وعن أولادهم وعن قومهم وآبائهم وأمهاتهم وعشائرهم ومساقط رؤوسهم وأوطانهم، هاجر أناس إلى الحبشة وأناس إلى غيرها، وهجروا الأهل والمساكن والعشائر، ولايخفى محبة العرب لعشائرهم وقومهم وشدّة خوفهم إذا بَعُدوا عنهم أو فارقوهم إلى غيرهم، فهاجر من هاجر من مكّة وهي مركز دينهم وموضع شرفهم وعبادتهم التي فخروا بها على جميع الأمم وحسدهم عليها جميع الطوائف فتركوا بها الأهل والأموال، وهاجروا إلى الله تعالى ورسوله - ﷺ - رغبةً في الدين ومحبّة له حتى إنهم يوم بدر تكلموا في الأسارى فأشار كل قوم بما عندهم، فقال عمر - ﵁ -: "ما أرى الذي رأوا ولكن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عَقيل فيضرب (٥) عنقه، وتمكّنني من فلان [ق ٢٥/ظ] نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء صناديد الكفر وأئمّته" (٦)، وفي صلح الحديبية يقول قائل (٧) الكفّار (٨): والله ما رأيتُ أحدًا يعظّم أحدًا مايعظّم محمّدًا أصحابُه، لقد دخلت على الملوك فما رأيت قومهم يعظّمونهم كما يعظم محمّدًا أصحابُه، فإنهم إن تكلم أنصتوا ولا يرفعون أصواتهم عنده
إجلالًا له، وما تنخّم نخامةً إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجسده؛ ومثل
_________________
(١) في ب "ونفى"، وهو تصحيف.
(٢) في ب "أنفذه" بزيادة الهاء، وهو خطأ.
(٣) "والبركة" ليس في ب.
(٤) في ب "ادعى" بزيادة الهمزة، وهو خطأ.
(٥) في ب زيادة "به" بعد "فيضرب".
(٦) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٨٣)، بنحوه في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، ح ١٧٦٣.
(٧) في ب "قاتل الله".
(٨) وهو عروة بن مسعود - ﵁ -، والخبر أخرجه البخاري (٣/ ١٩٣)، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، ح ٢٧٣١.
[ ٤٠٠ ]
هذا كثير في الصحابة - ﵃ -؛ فأما الأنصار من أهل المدينة (١) فبايعوه بالأنفس والأموال والأولاد مع ماقيل لهم عند ذلك: إنّ هذا الأمر إن فعلتموه رمَتْكم العرب عن قوس واحدة (٢)، فحملهم حُبُّهم له على معاداة جميع العرب ومحاربة جميع الخلق وقالوا: والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فبايعوه وآووه (٣) إلى بيوتهم ونصروه وعزّروه وواسوه له ولأصحابه، ولما أمرهم بالقتال قالوا: والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها كما تقدّم، ولما قال: «لن (٤) يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله وماله» (٥)، فقال عمر: والله إنك لأحبُّ إليّ مِن كلّ شيء إلا نفسي، فقال (له) (٦): «لا حتى أكون أحبّ إليك من نفسك»، فقال: والله لأنتَ الآن أحبّ إليّ من نفسي، فقال: «الآن يا عمر» (٧)، وهذا باب واسع في محبة أصحابه - ﵃ - (له) (٨) - ﷺ -، ومحبة المؤمنين بَعْدَهم كما أخبر - ﷺ - عمن يأتي بعده حيث قال: «يأتي من بعدي قومٌ يَوَدّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» (٩)، فهو كذلك بأبي وأمّي هو - ﷺ -، فمحمد وموسى صلى الله عليهما وسلم محبّتهما في قلب كل سعيد، وكلما عظمت محبة الله للعبد أعظم محبّته في قلوب عباده، ومحبّة الله تعالى لمحمد - ﷺ - أعظم وأكبر،
فمحبته في قلوب الخلق أعظم، وقد روى ثابت البُناني أنّ النبي - ﷺ - قال: «موسى
_________________
(١) في ب "يثرب".
(٢) القائل هو: بحيرة بن فراس القشيري، والخبر أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٧٢ - ١٧٣)، بلفظ: "ما أعلم أحدًا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشد من شيء ترجعون به بدء ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة".
(٣) في ب "وأدوه".
(٤) في ب "لو"، وهو خطأ.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٦٧)، كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة، ح ٤٤، بلفظ: «لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين».
(٦) "له" ليس في ب.
(٧) أخرجه البخاري (٨/ ١٣٩)، بنحوه في كتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ -، ح ٦٦٣٢.
(٨) "له" ليس في ب.
(٩) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٧٨)، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فيمن يود رؤية النبي - ﷺ - بأهله وماله، ح ٢٨٣٢، بلفظ: «من أشد أمتي لي حبًا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله».
[ ٤٠١ ]
صفي الله وأنا حبيب الله» (١)، ولا يخفى مابين الكليم والحبيب من التفاضل، ولعظم منزلة محمّد - ﷺ - عند الله في المحبّة لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله [ق ٢٦/و]- ﷿ -: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ١ - ٥] (٢).
وأما تكليم الله لموسى - ﵇ - ففضيلة عظيمة ولمحمّد - ﷺ - مثلها وأعظم منها، فإن موسى ﵊ قد كلّمه الله تعالى وموسى في الأرض، ومحمد - ﷺ - كلّمه الله تعالى وهو في مقام قاب قوسين أو أدنى من فوق سبع سموات بما الله به عليم من العلوّ، وموسى - ﵇ - سأل رَبَّه الرّؤية فمُنِعها، ومحمد - ﷺ - أُعطِيها من غير سؤال ليلةَ المعراج في أحد قولي العلماء (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥].
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٢٠٠)، كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ح ٥٥، قال المحقق حسين الداراني: "في إسناده علتان: عبدالله بن صالح والانقطاع"؛ وقد تقدم التعليق على تفضيل وصف النبي - ﷺ - بالحبيب على الخليل، انظر: ص ٣٢٠ - ٣٢١.
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٨٢)، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، ح ٤٩٨٣، من طريق الأسود بن قيس عن جندب، بلفظ: "اشتكى النبي - ﷺ - فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضُّحى: ١ - ٣]؛ وأخرجه مسلم (٣/ ١٤٢٢)، بنحو لفظ البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ح ١٧٩٧.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الرؤية: فالذي ثبت فى الصحيح عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين، وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هى مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الامام أحمد تارة يطلق الرؤية وتارة يقول: رآه بفؤاده؛ ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين، وليس فى الأدلة ما يقتضى أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا فى الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل كما فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال: سألت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنَّى =
[ ٤٠٢ ]
فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، قيل: لايخفى مافي أمة محمد - ﷺ - من أئمة الهُدى والعدل، وأئمة الهُدى والفقه كأبي بكر وعمر ﵄ وعثمان وعلي وغيرهم من أئمة الهدى والعدل، ففي صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبيّ وإنه لانبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا، قال: «فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل وأعطوهم حقّهم فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم» (١)، وكأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغير هؤلاء ممن يهتدى به ويعدل في الأمة، وقد صح أن النبي - ﷺ - قال: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة وهم ظاهرون» (٢) وليس هذا في غير أمة محمد - ﷺ -، وهذه النعمة ببركة قولهم لنبيهم - ﷺ -: سمعنا وأطعنا، فإن الله خفف عنهم وغفر لهم ورفع عنهم الأغلال والآصار؛ وقوم موسى لما قالوا: سمعنا وعصينا، ثقل عليهم وعاقبهم وجعل الآصار والأغلال عليهم والذل إلى يوم القيامة، وسلبهم بركةَ الطاعة فجعلها في غيرهم وسلطهم عليهم كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، وفي الجملة ففي [ق ٢٦/ظ]
_________________
(١) = أراه»، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: من الآية ١] ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] ولو كان رآه بعينه لكان ذِكْرُ ذلك أولى، وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: من الآية ٦٠] قال هي رؤيا عين أُريها رسول الله - ﷺ - ليلة أُسري به وهذه (رؤيا الآيات) لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه". مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٧١) كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، ح ١٨٤٢.
(٣) أخرجه أحمد بنحوه في مسنده (٢٨/ ١١٦) ح ١٦٩١١، قال الألباني في سنده: "وهذا سند صحيح على شرط مسلم". السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٧٠) ح ١٩٧١؛ وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى في الصحيحين.
[ ٤٠٣ ]
مسائل موسى ﵊ ربَّه تعالى أنّه رأى في التوراة أمّةً صفتها كذا وكذا: ياربّ فاجعلها أمّتي، فيقول ربّه: تلك أمّة محمّد - ﷺ -، فقال: إني أجد في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا فاجلعهم أمتي، قال (١) له ربّه: تلك أمة محمد - ﷺ -، مرارًا كثيرة يذكر أمّةً يجدهم في التوراة بصفات من الخير جليلة فيسأل ربّه أن يجعلهم أمّته وكل ذلك يقول له: تلك أمّة محمد - ﷺ - (فلما رأى الخير كله في أمّة محمّد، قال: يارب فاجعلني من أمّة محمّد) (٢) (٣)، والحديث الصحيح الذي رواه جابر أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أتى النبي - ﷺ - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي - ﷺ - فغضب وقال: «أمتهوّكون (٤) فيها يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى - ﵇ - كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» (٥)، وعنه أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو بدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضلَلتم عن سواء السبيل، ولو كان موسى حيًّا ثم أدركني في نبوّتي لاتبعني» (٦)، وهذه من خصائص محمد - ﷺ - فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: من الآية ٨١]، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في محمد - ﷺ - لئن أدركوه ليؤمننّ به
_________________
(١) في ب "فقال" بزيادة الفاء.
(٢) ما بين القوسين ليس في ب.
(٣) أخرجه ابن عساكر بنحوه في تاريخ دمشق (٦١/ ١٢٠)، وأخرجه الطبراني في تفسيره (١٣/ ١٢٣ - ١٢٤)؛ قال الدكتور محمد أبو شهبة: "إن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه، والسند مطعون فيه". الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص ٢٦٥، الطبعة الرابعة، مكتبة السنة.
(٤) التهوك: كالتهوُّر، وهو الوقوع في الأمر بغير رويَّة، وقيل: هو التحيّر. النهاية (٥/ ٦٦٠).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣/ ٣٤٩) ح ١٥١٥٦؛ قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما". مجمع الزوائد (١/ ١٧٤).
(٦) أخرجه الذهبي في السير (١٣/ ٣٢٤) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر - ﵁ -، وقال: "هذا حديث غريب، ومجالد ضعيف الحديث". سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٢٥).
[ ٤٠٤ ]