فصل
وقد قدّمنا فصلًا لطيفًا في ذكر الصلاة عليه وفضلها، ونذكر هاهنا طرفًا آخر (١) نختم به الكتاب ليكون مشحونًا بذكر الصلاة عليه - ﷺ -، فقد روي عنه أنه قال: «لا تجعلوني كقدح الراكب - يعني: آخر الكلام - ولكن في أوله وأوسطه وآخره» (٢) أو (٣) كما جاء، فمن ذلك ما رَوَى عامر بن ربيعة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر» (٤).
فأما صفة الصلاة عليه - ﷺ - ففيها عدة أحاديث بصفات متنوعة منها ما روى ابن أبي ليلى قال: لقيني كعبُ بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هديةً، خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على (آل) (٥) إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على (آل) (٦) إبراهيم إنك حميد مجيد» أخرجاه في الصحيحين على هذا اللفظ (٧)، وعن كعب بن عجرة أيضًا قال: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٥٦] قلنا: «يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك فكيف الصلاة [ق ٨٥/ظ] عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل
_________________
(١) في ب "أطرافًا أخر".
(٢) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٢/ ٢١٥) ح ٣١١٧، والبيهقي في الشعب (٣/ ١٣٧) ح ١٤٧٦، قال الألباني: "منكر". انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١٢/ ٦٢١) ح ٥٧٨٣.
(٣) في ب "و".
(٤) أخرجه أحمد (٢٤/ ٤٥١) ح ١٥٦٨٠، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "حديث حسن".
(٥) "آل" ليس في ب.
(٦) "آل" ليس في ب.
(٧) صحيح البخاري (٨/ ٧٧)، كاب الدعوات، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، ح ٦٣٥٧؛ صحيح مسلم (١/ ٣٠٥)، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، ح ٤٠٦.
[ ٥٨٤ ]
إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» (١)، وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من سَرّهُ أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهلَ البيت فليقل: اللهم صَل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذرّيته وأهل بيته كما صليتَ على إبراهيم إنك حميد مجيد» رواه أبو داود (٢)؛ وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من قال: جزى الله محمدًا نبينا ما هو أهله أتعبَ سبعين كاتبًا ألف صباح، وما صَلى عليّ أحد إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، ومن صلى عليّ في كل يوم مائة مرة قضيت له مائةُ حاجة منها ثلاثون للدنيا وسائرها للآخرة، وما من مسلم صلى علي إلا رَدّ الله علي روحي حتى أرُد ﵇، ومن صلى علي عشرًا في أول النهار وعشرًا في آخره نالته شفاعتي يوم القيامة» (٣)، وعن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال له: «أكثر من الصلاة عليّ إذا مت» قال علي: فقلت (٤) يا رسول الله وهل تبلغك الصلاة منا عليك بعد أن صرت رميمًا، قال: «إن الله حرم لحوم الأنبياء على الأرض أن تأكلها وأنا أكرم على الله أن يُسلطها علي، وإن الله - ﷿ - قد وكل بقبري ملكًا اسمه صَلْ صائل وهو في صورة الديك مَثْنِيٌ عُنقُه تحت العرش ومَخَالِيبُه في تخوم الأرض السابعة له ثلاثة أجنحة جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وجناح يُرَفْرِفُ به على قبري فإذا صلى عليّ العبدُ حيث كان بلّغها إليّ» وفي لفظ آخر قال: «فإذا قال العبد: اللهم صل على محمد - إلى قوله: - حميد مجيد التَقَطَها مِن فيه كما يلتَقِطُ الطَيرُ الحَبَّ ثم يقول [ق ٨٦/و]: يا محمد إن فلان بن فلان من موضع كذا وكذا صلى عليك ويقرئك السلام ثم يكتبها في رق من نور بالمسك الأذفر الأبيض ويضعها عند رأسي حتى أشفع له بها يوم القيامة ويرفع له
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٤٨٥) ح ١٥٦١١.
(٢) سنن أبي داود (١/ ٢٥٨)، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، ح ٩٨٢، قال الألباني: ضعيف". ضعيف سنن أبي داود ص ٧٨، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٤١٩، مكتبة المعارف، الرياض.
(٣) أخرج الجملة الأولى منه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٠٦) ح ١١٥٣٤، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٣/ ١٩٢) ح ١٠٧٧: "ضعيف جدًا".
(٤) في ب "فقل".
[ ٥٨٥ ]
عشرون ألف درجة ويكتب له عشرون ألف حسنة ويمحو عنه عشرون ألف سيئة ويغرس له عشرون ألف شجرة على شاطئ الكوثر» وفي الحديث طُولٌ ذكَره أبو الربيع سليمان بن سبع السبتي في كتاب الخصائص له والله أعلم بحال هذا الحديث، وفي كتابه هذا أحاديث فيها ما فيها، وفضيلة نبينا - ﷺ - لا شك فيها وخصائصه لا مِرية يَعتَريها، وعن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله - ﷿ - أعطاني مَلَكًا يقوم على قبري إذا أنا مت فلا يصلي عليّ عبد إلا قال لي: يا محمد فلان بن فلان يصلي عليك باسمه واسم أبيه فيصلي الله عليه مكانها عشرًا» (١)، وفي حديث آخر أنه قال: «إن لله تعالى ملكًا أعطاه سمع العباد فليس من عبد يصلي عليّ صلاة إلا صلّى الله عليه عشر أمثالها (٢)» (٣)، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أصحاب رسول الله - ﷺ -
الأكابر سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول مرارًا: «من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا ومن صلى علي عشرًا صلى الله عليه مائةً [مرة] (٤)، ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألفًا، ومن صلى علي ألفًا زاحمت كتفه كتفي على باب الجنة» (٥)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صلوا عليّ فإن تلك زكاة لَكُم وسَلوا لي الوسيلة» قالوا: وما الوسيلة يا رسول الله، قال: «أعلى درجة في الجنة لا يدخلها إلا رجلٌ واحدٌ وأنا أرجو أن أكون ذلك الرجل» (٦)، وعنه أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من صلى [ق ٨٦/ظ] علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مادام اسمي في ذلك الكتاب» (٧)، وعن عمر بن الخطاب - ﵁ -
_________________
(١) نقله الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢) ح ١٧٢٩٢ عن الطبراني، قال الألباني: "حسن". السلسة الصحيحة (٤/ ١٠٤) ح ١٥٣٠.
(٢) في ب "إلا صلى الله عليه عشرًا".
(٣) نقله السيوطي بنحوه عن الطبراني في المعجم الكبير، وقال الألباني: "حسن". انظر: صحيح الجامع الصغير وزياداته (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥) ح ٢١٧٦.
(٤) "مرة" زيادة من ب.
(٥) ذكره السخاوي في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص ١١٥، دار الريان للتراث، الجيزة، وقال: "ذكره صاحب الدر لمنظم لكني لم أقف على أصله إلى الآن وأحسبه موضوعًا والله أعلم".
(٦) أخرجه البزار (١٦/ ٢١٨ - ٢١٩) ح ٩٣٧٠.
(٧) ذكره السخاوي في القول البديع ص ٢٤٨، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط والخطيب في شرف أصحاب الحديث وابن بشكوال وأبو الشيخ في الثواب والمستغفري في الدعوات والتيمي في الترغيب بسند ضعيف وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن كثير أنه لا يصح".
[ ٥٨٦ ]
عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأغر فإن صلاتكم تعرض علي فأدعو واستغفر لكم» (١) يعني: ليلة الجمعة ويوم الجمعة؛ وعنه - ﷺ - أنه قال: «الصلاة عليّ نور يوم القيامة على الصراط، فمن صلى علي يوم جمعة ثمانين مرة غُفرت ذنوبه» (٢)، وروى البزار عن [رويفع] (٣) بن ثابت قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى على محمدٍ وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي»، وعنه أنه قال: «من الجفاء أن أُذكَر عند الرجل ولا يصلي عليّ» (٤)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عنه قال: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن
صلى علي نائيًا بُلِّغتُه» (٥)، وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يصلي على محمد - ﷺ -، فإذا صلّى على محمد - ﷺ - انخرق الحجاب واستجيب له، وإذا لم يُصَل على محمد - ﷺ - رَجَع الدعاء» (٦)، وعن أنس بن مالك - ﵁ - يعني عن النبي - ﷺ -: «إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم صلاةً عليّ في الدنيا» (٧)، وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاتكم علي مُحرِزَةٌ لدعائكم ومرضاة لربكم وزكاة لأبدانكم» (٨)، وعنه - ﷺ - أنه قال: «من نَسِي
_________________
(١) ذكره السخاوي في القول البديع ص ١٦٤ وعزاه إلى ابن بشكوال، وقال عن سنده: "ضعيف".
(٢) أخرجه الدليمي في الفردوس بمأثور الخطاب (٢/ ٤٠٨) ح ٣٨١٣، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٨/ ٢٧٤) ح ٣٨٠٤: "ضعيف".
(٣) في أ، ب "ربيع بن ثابت"، وما أثبته من مسند البزار (٦/ ٢٩٩).
(٤) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٢/ ٢١٧) ح ٣١٢١، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١٠/ ٢٢) ح ٤٥١٦: "ضعيف".
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٤٠) ح ١٤٨١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا إنما يرويه محمد بن مروان السدي عن الأعمش، وهو كذاب بالاتفاق، وهذا الحديث موضوع على الأعمش بإجماعهم". مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٤١).
(٦) ذكره المقريزي في إمتاع الأسماع (١١/ ٥٤)، والسخاوي في القول البديع ص ٢٢٣.
(٧) ذكره ابن الجوزي في بستان الواعظين ورياض السامعين، تحقيق: أيمن البحيري، الطبعة الثانية ١٤١٩، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
(٨) ذكره السخاوي بنحوه في القول البديع ص ١٣٣.
[ ٥٨٧ ]
الصلاة عليّ نُسّي طريق الجنة» (١)، وقال: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة وما جلس قوم مجلسًا لا يصلون فيه علي إلا كان عليهم ترة يوم القيامة إن شاء عفا عنهم وإن شاء أخذهم» (٢)، وعنه - ﷺ - قال: «ما جلس قوم مجلسًا [ق ٨٧/و] فتفرقوا على غير الصلاة علي إلا تفرقوا عن أنتن من جيفة حمار» (٣)، وعنه أنه قال: «أكثركم صلاة علي أقربكم مني غدًا» (٤)، وفي حديث آخر أنه قال: «لا
يجلس قوم مجلسًا لا يصلون فيه على النبي - ﷺ - إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب» (٥)، وعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب ربُع الليل قال: «أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» قال أبي: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي، قال: «ما شئت» قال: الربع، قال: «ما شئت وإن زدتَ فهو خير» قال: النصف، قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير» قال: الثلثين، قال: «ما شئت وإن زدتَ فهو خير» قال: يا رسول الله فأجعل صلاتي كلها لك، قال: «إذًا تُكْفَى هَمك ويغفر لك ذنبك» (٦)، وفي حديث أبي بكر - ﵁ - عنه - ﷺ - أنه قال: «من صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة» (٧)، وروي أنه إذا كان يوم
_________________
(١) أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (١/ ٢٠٠) ح ٣٥٥، تحقيق وتخريج: عبدالمحسن الحسيني، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار ابن الجوزي، الدمام؛ وأخرجه بنحوه ابن ماجه (١/ ٢٩٤)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، ح ٩٠٨، قال الألباني: "حسن صحيح". صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٢٧٣) ح ٧٩٤.
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه (٥/ ٤٦١) ح ٣٣٨٠، وأحمد (١٦/ ١٩٣ - ١٩٤) ح ١٠٢٧٧، قال الألباني: "صحيح". صحيح سنن الترمذي (٣/ ٣٨٨).
(٣) أخرجه البيهقي بنحوه في الشعب (٣/ ١٣٣) ح ١٤٦٩، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وعزاه إلى الطيالسي، والبيهقي في الشعب، والضياء -أي: ضياء الدين المقدسي في المختارة-، من طريق جابر - ﵁ -، قال الألباني: "صحيح". انظر: صحيح الجامع الصغير (٢/ ٩٦٧) ح ٥٥٠٦.
(٤) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (٤/ ٤٣٥) ح ٢٧٧٣، وابن عساكر في تاريخه (٥٤/ ٣٠١) من طريق أنس - ﵁ -.
(٥) أخرجه أحمد بنحوه (١٦/ ٤٣) ح ٩٩٦٤ من طريق أبي هريرة - ﵁ -، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٧) ح ٣٥٧٨، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، والبيهقي في الشعب (٣/ ٨٤ - ٨٥) ح ١٤١٨، وأخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٦) ح ٢٤٥٧، بلفظ: "كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب ثلثا الليل قام الحديث"، وقال: "هذا حديث حسن".
(٧) أخرجه قاضي المارستان في أحاديث الشيوخ الثقات (٣/ ١١٩١) ح ٥٨٩، تحقيق: الشريف حاتم بن عارف العوني، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار عالم الفوائد.
[ ٥٨٨ ]
القيامة وضعت حسنات المؤمن وسيئاته فتنزل صُحفٌ من عند الله - ﷿ - بيضٌ على حسناته فتَرجُح حسناته على سيئاته فيقول الربّ: - ﷿ - هذه صلاتك على نبيّي ثقّلتُ بها ميزانك وجعلتها لك ذخيرة وقربة؛ وحكي عن الشبلي (١) أنه قال: مات رجل من جيراني فرأيته في المنام فسألته عن حاله، فقال: يا شبلي مرّت بي أهوال عظيمة وذلك أنه ارتج عليّ عندَ السُؤال فقلت في نفسي: من أين أُتي عليَّ، ألم أمُتْ على الإسلام، فنوديت هذه عثرةُ إهمالِك للسائل في الدنيا، فلما همّ بي الملكان حال
بيني وبينهما رجل جميل الشخص طيب الرائحة فذكّرني (حجتي) (٢) فذكرتها فقلتُ: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا شخص خلقت من كثرة صلاتك على محمد (٣) - ﷺ - وأُمرت أن أنصُرك في كل كرب (٤)؛ وروي عن سفيان الثوري قال: خرجت حاجًا إلى بيت (الله) (٥) الحرام فبينا أنا أطوف إذا (٦) أنا بشاب متعلق بأستار الكعبة فقال: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، فأكثر في ذلك، قال (سفيان) (٧): فما زلت أطوف حول البيت لا أسمع منه إلا الصلاة [ق ٨٧/ظ] على محمد - ﷺ - حتى قضيت أسبُوعًا من الطواف فقلت: أيها الشاب اعلم رحمك الله أن هذا بيت الله وحرمه وأمنُه وقد أمر الله تعالى بمناسكه (٨) وأنا اليوم لم أفْتُرْ مِنَ الطواف ولم أسمع منك غير الصلاة على محمد - ﷺ - فأخبرني بقصتك فرفع الشاب بصره إليّ وقال: من أنت أيها الشيخ؟ فقلت: أنا سفيان بن سعيد الثوري،
_________________
(١) هو دلف بن جحدر الشبلي، ناسك، كان في مبدأ أمره واليًا في دنباوند، وولي الحجابة للموفق العباسي، وكان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، فاشتهر بالصلاح، له شعر سلك به مسالك المتصوفة، أصله من خراسان، ونسبته إلى قرية (شبلة) من قرى ما وراء النهر، ومولده بسر من رأى، ووفاته ببغداد، اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه ونسبه، ولد سنة سنة ٢٤٧ وتوفي سنة ٣٣٤. انظر: الأعلام (٢/ ٣٤١).
(٢) "حجتي" ليس في ب.
(٣) في ب "النبي".
(٤) ذكره السخاوي في القول البديع ص ١٢٧ وعزاه إلى ابن بشكوال.
(٥) لفظ "الله" ليس في ب.
(٦) في ب "فإذا" بزيادة الفاء.
(٧) "سفيان" ليس في ب.
(٨) في ب "لمناسكه".
[ ٥٨٩ ]
فقال الشابُ: لولا أنك من عظماء علماء أمة محمد - ﷺ - ما أخبرتك، وإنها لفضيلة (١) خصّني الله بها، أخبرك يا سفيان أني كنتُ مع أبي في حياته، فخرجنا إلى بيت الله الحرام فبينا نحن في بعض المنازل إذ (٢) مرض أبي فمات وكان ذا بَهاء ونورٍ فلم يلبث أن اسوَدَّ وجهُه وأزرَقت (٣) عيناه وصار رأسه رأس حمارٍ فبقيت باهتًا حيران متعجبًا أُفكر في حالِه فأقول كيف أكفنه وأدفنه في هذه الحال؟ ! إذ غلبتني عيناي فنمت فبينا أنا في نومي إذا بشاب قد دَخَل عليَّ بابَ البيت لا بالطويل ولا بالقصير كث اللحية سَبط الشعر واضح الجبين رَقيق الغرتين أبيض الثياب طيب الرائحة فجلس عند رأس أبي وكشف الغطاء عن وجهه وأمدّ يده اليُمنى على رأسه ووجهه وعينيه
، فأذهب الله السواد والزرقة وعاد كما كان ورجع إلى حاله، ثم قام الشابُ ليخرج فضربت بيدي عليه وقلت: من أنت؟ قد مَن الله عليّ وعلى أبي بك اليوم، فقال الشاب: أنا سيد ولد آدم ولا فخر أنا محمد بن عبدالله، يا شاب إن أباك كان بينه وبين الله سرٌ استحق تعجيل العقوبة في دار الدنيا والعذاب في الآخرة ولكن والدك كان لا يفتر في قيامه وقعوده وطعامه وشرابه في ليله ونهاره من الصلاة عليَّ فلما نزلت ملائكة العذاب وكان من أمره ما صار تسارعت إليَّ ملائكة الرحمة الموكلون بي وقالوا: يا محمد إن فلان بن فلان قد نزلت به ملائكة العذاب فعساك أن تشفع له إلى ربّك فاستشفعت فيه فشفعني فيه ربّي بفضله وكرمه، أفتلومني يا سفيان في إكثار الصلاة عليه وعلى أهل بيته في جميع المواطن؟ ! قال سفيان [ق ٨٨/و]: لا والله لا ألُومُك وإنها لفضيلة خصّك الله بها وإنّي بعد هذا لفاعلٌ مثل ما فعلت؛ وحكي عن القواريري قال: كان لنا جار ورّاق فمات فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك قال: قد غفر لي، فقيل: بماذا، قال: كنت إذا كتبت ذكر رسول الله - ﷺ - في الحديث كتبتُ: - ﷺ - (٤)، وحكي عن محمد بن أبي سليمان قال: رأيت أبي في النوم فقلت: يا أبت ما فعل الله بك، قال: غفر لي، فقلت:
_________________
(١) في ب "الفضيلة".
(٢) في ب "إذا" بزيادة الألف، وهو خطأ.
(٣) في ب "وأن رقت".
(٤) ذكره ابن بشكوال في القربة إلى رب العالمين بالصلاة على النبي - ﷺ - سيد المرسلين ص ١٢١، تحقيق: حسين محمد علي شكري، الطبعة الأولى ٢٠١٠، دار الكتب العلمية.
[ ٥٩٠ ]
بماذا، قال: بكتابتي الصلاة على النبي - ﷺ - في كل حديثٍ (١)؛ ويحكى عن عبدالله بن عبدالحكم قال: رأيت الشافعي ﵀ في النوم فقلتُ له: ما فعل الله بك؟ قال: رحمني وغفر لي وزُفَّتْ إليّ الجنة كما تُزَف العروس، فقلت: بما بلغتُ هذه الحال؟ فقال لي قائل: بقولك بما في كتاب الرسالة من الصلاة على نبيه محمد - ﷺ -، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: قال لي: وصلى الله على محمد عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عنهُ الغافلون، فلما أصبحت نظرت إلى الرسالة فوجدت الأمر كذلك (٢)، وحكى المروزي قال: كنتُ أنا وأبي نتقابل بالليل (٣) الحديث فرؤي في الموضع الذي كنا نتقابل فيه عمودَ نور بلغ عنان السماء، فقيل: ما
هذا النور؟ فقيل: صلاتهما (٤) على رسول الله - ﷺ - إذا تقابلا (٥)، ويحكى أن خلفًا صاحب الخلقاني قال: كان لي صَديق يطلب الحديث فتوفي فرأيته في منامي عليه ثيابٌ خُضر يَرْفُل فيها، فقلت له: أليس كنتَ يا فلان صَدِيقًا لي وطلبَت (معي) (٦) الحديث؟ قال: بلى، قلت: بم نلتَ هذا؟ قال: لم يكن يَمُرُّ بي حديثٌ فيه ذِكر النبي - ﷺ - إلا قلت فيه: - ﷺ -، فكافأني ربي بهذا (٧)؛ والأحاديثُ والآثار والحكايات والأشعار في الصلاة على النبي - ﷺ - كثيرة في كتب الحديث وكتب الفضائل والسير والرقائق والزهد وغيرها، مشحونةٌ من ذلك بما لا يكاد ينحصر، وحقوقه - ﷺ -[ق ٨٨/ظ] عظيمة، وخصائصه جسيمة، ومعجزاته كبيرة، وفضائله كثيرة.
_________________
(١) ذكره ابن بشكوال في القربة ص ١٢٢.
(٢) ذكره ابن بشكوال في القربة ص ١٢٩.
(٣) في ب "في الليل".
(٤) في ب "صلاتها".
(٥) ذكره ابن بشكوال في القربة ص ١٢٢.
(٦) "معي" ليس في ب.
(٧) ذكره ابن بشكوال في القربة ص ١٢١.
[ ٥٩١ ]
(فصل) (١)