(فصل) (١)
محمد - ﷺ - أعظم الخلق أجرًا، وذلك أنه أكثر الأنبياء تبعًا فإن من الأنبياء من لا يتبَعه إلا الرجل و[إلا] (٢) الرجلان كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «عُرِضَت علي الأمم فرأيتُ النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فقلت: هذه أمتي، فقيل: هذا موسى (- ﵇ - وقومُه) (٣)، ولكن انظر إلى الأفق فإذا سَواد عظيم، ثم قيل لي: انظر إلى (هذا) (٤) الجانب الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ثم نهض النبي - ﷺ - فدخل منزله فخاض القوم في ذلك فقالوا: مَن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا النبي - ﷺ -، وقال بعضهم: لعلهم الذين وُلِدُوا في الإسلام ولم
يُشركوا بالله شيئًا قط، وذكروا أشياء، فخرج النبي - ﷺ - فقال: «ماهذا الذي كنتم تخوضون فيه؟» فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون » الحديث (٥)، وعن المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله [ق ٨٩/و]- ﷺ -: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ويجيء النبي ومعه الرجلان، وأنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة» (٦)، وبحَسَبِ ما يكون له من الأتباع يكون له من الأجر مضافًا إلى أجره المختص به لأنه - ﷺ - قال: «من دَعا إلى هُدًى فله أجره وأجر من تبعه من غير أن ينقص من أجر من تبعه شيء» (٧)، وله مثل أجر الأنبياء قبله لأن الله تعالى
_________________
(١) ما بين القوسين بياض في ب.
(٢) "إلا" زيادة من ب.
(٣) ما بين القوسين ليس في ب.
(٤) "هذا" ليس في ب.
(٥) أخرجه البخاري (٧/ ١٢٦)، في كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره من لم يكتو، ح ٥٧٠٥؛ ومسلم (١/ ١٩٩)، في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، ح ٢٢٠.
(٦) أخرج الشطر الثاني منه مسلم (١/ ١٨٨)، في كتاب الإيمان، باب في قول النبي - ﷺ -: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا»، ح ١٩٦.
(٧) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٦٠)، في كتاب العلم، باب من سن حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ح ٢٦٧٤.
[ ٥٩٣ ]
أخذ عليهم العهد لأن بُعث وهم أحياء ليَتبِعُنَّه، فهو أعظم الأنبياء أجرًا، وأكبرهم قدرًا، وأحسنهم في الخلائق ذكرًا، وأعلاهم في الدنيا والآخرة فخرًا، وأمته أكثر الأمم يوم القيامة فإنهم ثُلثا أهل الجنة، وله مثل أجورهم مضافًا إلى أجره المختص به، وقد تقدم هذا المعنى غير مرة.
(فصل) (١)
قد ذكرنا من خصائصه في هذا المختصر ما اشتهر، ومن معجزاته الغُرَر ما أنافَ على الشمس والقمر، ومن كرامة منزلته عند ربه ما حيّر البشر، ومن جلالة قدره عند بارئه ما أذهل وبَهَر، على أنّ وَصْفَ ما فيه من المعجزات العجيبة، ورصف ما جمَع من المنقبات الغريبة، لا يمكن جمعه في الدفاتر، ويعجز حَصرُه أصحابَ المحابر، ثم
لابد من سياق معجزاته لتَثبُت النبوة وتقوم الحجة (٢)، ولا غنى عن ذكر شمائله وأخلاقه
_________________
(١) ما بين القوسين بياض في ب.
(٢) قد أشار الإمام جمال الدين السرمري ﵀ إلى نحو هذه الجملة في كتابه المولد الكبير (مخطوط) ورقة: ٥ ب، فقال: "إذ لابد من ذكر المعجزات لتثبيت النبوة وقيام الحجة"، وهذه من الجمل المشتبهة، والتي قد يفهم منها حصر دلالة النبوة في المعجزة وهذا باطل، بل طرق الدلالة على النبوة كثيرة متنوعة، وهي من مقتضى رحمة الله بعباده، ولا يلزم من أهمية دلالة المعجزة على النبوة ألا يكون في غيرها الدلالة، وفي نقد هذا المعنى وبيان موقف أهل السنة من هذه المسألة يقول الإمام ابن أبي العز ﵀: "الطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثيرًا منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة" إلى أن قال: "ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم، علمنا يقينًا أنهم كانوا صادقين على الحق ومن وجوه متعدِّدة: منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك، وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم، وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، كغرق فرعون، وغرق قوم نوح، وبقية أحوالهم، عرف صدق الرسل. ومنها: أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاؤوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرُّهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق". انظر: "شرح الطحاوية ص ١٠٩ - ١١٦.
[ ٥٩٤ ]
ليُقتدى به، ولابدّ من تبليغ أوامره ونواهيه ليطاع، ويتم به الانتفاع، فقد ظهرت آياته وثبتت معجزاته، وتجلّت أقمار أخلاقه في بروج سعود سماء سماته، وظهرت ظهورَ النيْرين أعلامُ أوامره ونواهيه في أرض الله وسماواته، ولم يبق إلا التصديق برسالته، والانقياد لإيالته (١)، والاقتفاء لآدابه وسيرته، والقيام بأعْبَاء شريعته، والدخول في طاعته؛ وأنشد لسان الحال بالحَقّ لا المحال:
فالآن قد تمّ هلال العلى وصار في مطلعه بَدرًا (٢)
هو النبي المصطفى، والصفي المرتضى [ق ٨٩/ظ]، أصفى الخلائق سرًّا، وأعلاهم قدرًا، وأنقاهم صدرًا، وأنورهم وجهًا ولونًا، وأحسنهم عرنينًا (٣) وعينًا، وجبينًا وجفنًا، وأجملهم هامة وخدًّا، وأكملهم قامة وقدًّا (٤)، وأرجحهم ميزانًا، وأوضحهم بيانًا، وأفصحهم لسانًا، وأنورهم برهانًا، وأوفرهم إحسانًا، وأعظمهم إيمانًا، له الأسماء المعروفة بالجمال، والأفعال الموصوفة بالكمال، والحركات المبنية على العدل، والسكنات الممالة عن الطيش الرَّذل، ماضي أمره كالمستقبل، ووجهه لمنادي نداه يتهلَّل، لا تنصرف فوارس نصره إلا بإضافة الأنفال، ولا ترفع أعلام رماحه وسيوفه إلا عن دم الأبطال، فهي من تأييد الله منصوبة على الحال، وله ابتداء غايَةِ الاختصاص في المعرفة بالتصريف (٥) والإبدال، فالمعرفة شعاره، والنكرة انتهاره، والتعجُب من طيِّ بشره، والحكاية المستغربة رَدُّه السائل على فقره، لقد تميّز شأنه وقصّته عن الشؤون والقصص، وتأكّد نعته المختص بلزوم ما تمّ وإلغاءِ ما نقص، فهو على هذا (النحو) (٦)
_________________
(١) الإيالة: السياسة، يقال فلان حسن الإيالة وسيئ الإيالة. النهاية (١/ ٢٠٦).
(٢) ذكره الرسعني في رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٤١٤)، تحقيق: أ. د. عبدالملك بن دهيش، الطبعة الأولى ١٤٢٩، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة.
(٣) تقدم التعليق عليه، انظر: ص ٤٧٤.
(٤) حسن القد: أي الاعتدال والجسم. انظر: لسان العرب (٣/ ٣٤٣).
(٥) في ب "بالتصرف".
(٦) "النحو" ليس في ب.
[ ٥٩٥ ]
سالم الأفعال، منزّه عن التصغير بالنسب الشريف العال (١)، فقد ثبت له الفضل واستقرّ واستمرّ، أليس اسمُه أحمد عند أهل المعرفة لا ينصرف ولا يُجَرّ، ألقابه أجمل الألقاب وأحلاها (٢)، كما أنّ أسماءه أحسن أسماء المخلوقين (٣) وأسماها، فهو مذكور في السموات والأرض بالتبجيل، معروف في التوارة والزبور والإنجيل، محمد وحامد ومحمود وفاتح وخاتم وهادي ومهتدي وصفي وخليل وكليم وحبيب ومختار وناصر وقائم وحافظ وعدل وحليم وحجة وبيان ومهيمن وبرهان ومطيع وواعظ وأمين ومكين وناطق وصادق أمّي عربيّ هاشميّ قرشي مضريّ أبطحيّ تهاميّ مكّيّ مدنيّ عائل غني جواد [ق ٩٠/و] سخي طيب طاهر زكيّ خطيب أريب فصيح صبيح سيد إمام بَطَلٌ هُمَامٌ بارٌّ
سابق مقتصد أول آخر شفيع مشفَّع محلّل محَرِّم آمِرٌ ناهٍ مبلّغ ناصح مؤدّي وليّ متوكّل، صاحب الّلواء والتّاج، والإسراء والمعراج، الكريم المنتجب، سيد العجم والعرب، المبعوث بالتوحيد والشهادة، والصلاة والزهد والعبادة، والدّين الحنيف والهداية، والدعوة العامة والرعاية، المنعوت بالقوّة والشجاعة، الموصوف بالنجدة والبراعة، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والكرم والجود، وهو خير والد وأشرف مولود، وأفضل موجود في الخلق وأعز مفقود، ذو الأصل اللُباب، والدعاء المستجاب، الناطق بالصواب، الخاشع الأوّاب، قامع الأباطيل، وموضح الدليل، الإسلام ملّته، والكعبة قبلته، والحنيفيّة السمحة شريعته، وخير أمّة أخرجت للناس أمّته، عند ذكره ترتاح الأرواح، وعند رؤيته تحدث الأفراح، وبمجالسته تنزل الرحمة، وبمحادثته تتمّ النّعمة، وبمتابعته تكمل العبادة، وبطاعته تحصل السّعادة، والأمن كُلُّه في جنابه (٤)،
_________________
(١) في ب "العالي" بزيادة الياء.
(٢) في ب "وأحلى".
(٣) في ب "الأسماء" بدون "المخلوقين".
(٤) لعله يقصد بمحبته - ﷺ - أو باتباع سنته، فمن رد على تقي الدين السبكي في مسألة شد الرحال بقصد زيارة قبر النبي - ﷺ - دون الصلاة في مسجده، ومن قرر أن خلاف السلف في تأريخ ميلاده - ﷺ - يدل على أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك موسمًا للاجتماع والولائم والاحتفال في صُنع الأطعمة والأشربة والسماعات، يبعد أن يصدر منه التوسل الممنوع بالنبي - ﷺ -، كيف وقد كتب بخط يده في الرؤيا التي فيها الثناء على منهج ابن تيمية في الاعتقاد ما يأتي: "وقد كنت أنكرت على بعض الفقراء التوسل بغير الله من المخلوقين"، والله أعلم.
[ ٥٩٦ ]
واليمن جميعه في انتآبه (١)، والسلامة في التّمسّك بهديه، والهلاك في مخالفة أمره ونهيه، رسالته عامّة، وإيالته تامّة، ودعوته شاملة، ومرتبته كاملة، وأموره كلّها على النّظام، وشؤونه جميعها على التّمام، أحكامه قاطعة، وسيوف عدله لامعة، وآراؤه صائبة، وآلاؤه دائبة، وقضاياه مسدّدة، وسراياه مؤيّدة، وعساكره منصورة، ومعاقلة معمورة، أخرست فصاحتُه الألسنة، وملأت سماحته الأمكنة، فآياته باهرة، ومعجزاته ظاهرة، أكبر معجزاته القرآن، الذي عجر عن الإتيان [ق ٩٠/ظ] بسورة من مثله الثَّقلان، ثم مسراه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، المتضمِّن من المفاخر ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، يكفي من الإشارة فيه والذكرى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، سلّمت عليه الأحجار، ولبَّت دعوته الأشجار، وانشقّ له
القمر المنير، ونبع من بين أصابعه الماء النمير (٢)، وكلمته الشاة المسمومة ونطق البعير، وسلم عليه الضب والظّبي والذئب المغير، وحنَّ الجذع اليابس إليه، وسبَّح الحصى في كفَّيه، وأطعم الجيش الكثير من الطعام اليسير، وروَّى بالماء القليل الحقير الجمَّ العظيم الغفير، وبَركته في تمر جابر ظاهرة، ومعجزته في سمن أمّ سُليم باهرة، تحرّك الجبل لهيبته، وسَكن بإشارته عن حركته، شكى الجمل السانئ (٣) إليه فشكَّاه، ورحم تضرَّعه بين يديه وبكاه، ضَرْعُ الشاة الحائلة بيمن (٤) يمينه دَرَّ، والبعير الحاسر (٥) ببركته سَرى ومَرَّ، ملأ بقبضةٍ من ترابٍ أعينَ الكفرة، وأشار إلى الأصنام فخرَّت منعفرة، أخبر بالغائبات فوقعت كما قال، وضَرب الحجر الصلد الجلمد فانهال، أراد الكفار قتله فما أطاقوا، وقَصَدوا أذَاهُ فاعتاقوا، وعمدوا إلى غرته فمُنعوا، وبَغى السَّاحرون مضرَّتَه فدُفِعوا، وُقي من شرِّ الإنس والجان، وكُفي معرَّة (٦) الهوام والحيوان، رَدَّ عين قتادة
_________________
(١) هذه العبارة كسابقتها.
(٢) الماء النمير: الناجع في الري. النهاية (٥/ ٢٤٩).
(٣) جاء في لسان العرب: "وتسنَّى البعير: الناقة إذا تسدَّاها وقاع عليها ليضربها". لسان العرب (١٤/ ٤٠٣).
(٤) في ب "من".
(٥) جاء في المعجم الوسيط: "حسر الدابة: أتعبها". انظر: المعجم الوسيط (١/ ١٧٢).
(٦) المعرة: الأذى. انظر: النهاية (٣/ ٤٣٤).
[ ٥٩٧ ]
بعدما قلعت، وعين عليٍّ بعدما رمدت ودمعت، لقد كان يرى في الظلام كما يرى في الضِّياء، وينظر مَن ورائه كما ينظر من تلقاء، وأمَّهات هذه المفاخر قد سبقت، وارتفعت أفنانها في مكانها وبسَقت، وجملة القول في أحواله، وفصل الخطاب في أقواله وأفعاله، أنّه خير من أقلَّت الغبراء، وأشرفُ مَن أظلَّت الخضراء
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلّت عن الحَصْر
الأنبياء كأنجم زُهُرٍ ومحمّد أبْهى من البدر [ق ٩١/و]
سبحان من جَمع المحاسن في هذا النّبيِّ الكريم، سبحان من منحه بالخُلق العظيم، سبحان من نحله الجمال والجلال، سبحان من طبعه على أكمل الخلال وأجمل الأحوال، فلقد كان أكرمَ الناس وأجود الناس وأحلمَ الناس وأعلمَ الناس وأشرفَ الناس، وأطيبَهم نفسًا وأحسنهم عشرة، وأعظمهم صفحًا وأكملهم فِطرة، وأحياهم طَرفًا،
وأعطرهم عَرْفًا (١)، لم يُؤتَ أحد من الخلق خصلة جميلة إلا وهي فيه أجمل، ولا خُصَّ أحد بخصيصة جليلة إلا وهي عنده أجلُّ وأكمل، مولدُه بمكة، ومهاجَره بطَيْبة، أُرسِل ليُتمِّم مكارم الأخلاق، ويُبلِّغ الرسالةَ إلى الخلق في جميع الآفاق، فقام بأعْباء الرسالة، ونهض بأثقالها وما هالَه، وبَلَّغ ما أُرسل به كما أُمر، وأدَّى الأمانة إلى الخلق وما حُصِر، ونصح الأمَّة وكشف الغُمَّة، ودعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وعَبَد ربَّه حتى أتاه اليقين، وقد أكمل الله تعالى له الدّين وأتَمّ عليه النّعمة، حتى استقرّ الإيمان في نِصابه، وحفظ الإسلام في إهابه (٢)، وضَرَب الدِّين بِجِرَانِه (٣)، وثبت على أركانه، ثم مضى لسبيله طيّبًا طاهرًا نقيًّا زكيًّا، وترك الخلق على بيضاء نقيّة ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا ملحد، فصلوات الله وسلامه عليه، وتحيّاته وبركاته واصلةً إليه، وإلى صاحبيه، وإلى من جاهد بين يديه، صلاةً دائمة إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
آخرُ الكتاب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
_________________
(١) العَرْف: الريح. النهاية (٣/ ٤٤٢).
(٢) الإهاب: الجلد. انظر: لسان العرب (١/ ٢١٧).
(٣) ضرب الدين بجرانه: أي قر قراره واستقام. انظر: النهاية (١/ ٧٣٨).
[ ٥٩٨ ]
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وله الحمد أولًا وآخرًا.
وفي ختام هذا البحث، ومن خلال دراسة منهج جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة، يمكن استخلاص النتائج التالية:
١ - نبغ جمال الدين السرمري في ظروف سياسية مضطربة من تسلط العدو والنزاعات الداخلية؛ فقد عاش في العراق ما يقارب الاثنين والأربعين سنة تحت حكم التتار، ثم عاش في دمشق في فترة تولي أولاد وأحفاد الناصر محمد، وهي الفترة التي كان الصراع على السلطة فيها على أشده.
٢ - تعد الحالة الاجتماعية لعصر جمال الدين السرمري من الأحوال السيئة، فقد شهدت
فوضى اجتماعية تأثرًا بالحالة السياسية، ووقعت عدة مجاعات، وتفشت كثير من المنكرات بشكل علني.
٣ - لم تتأثر الحالة الثقافية والعلمية في القطر العراقي رغم مافيه من زوابع وغوائل، وأما في مصر والشام فقد وجدت نهضة علمية مباركة متميزة.
٤ - تبوأ الإمام جمال الدين السرمري مكانة رفيعة عند كثير ممن ترجم له، إذ نبغ في علوم شتى، وصنَّف في أنواع كثيرة نثرًا ونظمًا، وخرَّج وأفاد وأملى رواية وعلمًا، فخلد الأئمة ذكرَه، وأثنوا عليه ثناء عاطرًا.
٥ - اعتمد جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال اعتمادًا مباشرًا على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فهو يعتبر الصراط المستقيم ما كان عليه النبي - ﷺ - والسلف الصالح.
٦ - حذر جمال الدين السرمري من علم الكلام وذم أهله وبيَّن أن مصدرهم آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فتململ من موقفه المتهالكون من أهل البدع والأهواء، ورموه بالشناعات.
[ ٥٩٩ ]
٧ - منهج جمال الدين السرمري في التوحيد منهج من ذهب إلى القسمة الثلاثية (الربوبية، الألوهية، الأسماء والصفات).
٨ - قرر جمال الدين السرمري أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم، ونفى أن يكون الدليل العقلي متقدم عليها كما يزعم أهل الكلام، وأبطل دلالة العقل من القياس في الرب على معرفة الله، وقرر أن لا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب والعدم إذا كان القياس صحيحًا.
٩ - قرر جمال الدين السرمري قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة تسلسل الحوادث، وقال بأن جنس الحوادث لا أول لها، وأن القول بأن جنس الحوادث لها أول يلزم منه أنه سبحانه كان معطلًا عن الصنع.
١٠ - أجمل القول في القسم الثاني من أقسام التوحيد (الألوهية) -فيما وقفت عليه من كتبه-.
١١ - وافق جمال الدين السرمري مذهب السلف في توحيد الألوهية سوى ثلاثة نصوص له في الاستشفاء بتربة قبور الصالحين وبركة الأتربة المضافة إليهم قد ذكرها في سياق حديثه عن التداوي بالأتربة وهذا من التبرك الممنوع؛ وأما مسألة التوسل الممنوع فقد كان منهجه فيها مضطرب بين منع التوسل بذوات الأولياء وذم مسلك الصوفية في ذلك على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين الاستعمال بأبيات في ظاهرها التوسل الممنوع بالنبي - ﷺ - وآله - ﵃ - والاستعانة بهم في حصول المنفعة ودفع المضرة.
١٢ - قرر جمال الدين السرمري أن خلاف السلف في أيّ شهر ولد النبي - ﷺ - وفيما مضى من الشهر يدل على أن السلف لم يكونوا يجعلون ذلك موسمًا للاجتماع والولائم والاحتفال في صُنع الأطعمة والأشربة والسماعات، إذ السلف كانوا أعظم الناس توقيرًا ومحبة وتعظيمًا للنبي - ﷺ - وأحرص الخلق على نشر محاسنه.
[ ٦٠٠ ]
١٣ - وافق جمال الدين السرمري مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في النهي عن شد الرحال بقصد زيارة قبر النبي - ﷺ - دون الصلاة في مسجده.
١٤ - توسع كثيرًا في (توحيد الأسماء والصفات) وبسط القول في هذا النوع، بسبب أن أهل البدع في عصره قد استشرى شرهم وانتشر مذهبهم.
١٥ - نهج في تقرير الأسماء والصفات تفصيلًا منهج السلف.
١٦ - أجمل القول كثيرًا في مسألة الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل -فيما وقفت عليه من كتبه-.
١٧ - قرر جمال الدين السرمري الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلًا، فقرر الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من التفصيلات المتعلقة باليوم الآخر، من حياة البرزخ،
والنفخ في الصور، والبعث، والحشر، والميزان، والحوض، والصراط، والجنة والنار، والشفاعة، ورؤية المؤمنين لربهم.
١٨ - قرر الأصلين الذين بسبب عدم فهمهما نشأ الضلال في القدر:
-الأول: التفريق بين صفة المشيئة وصفة المحبة، وأنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمان.
- الثاني: التفريق بين فعل الله ومفعوله وخلقه ومخلوقه.
١٩ - قرر مذهب أهل السنة والجماعة في الجمع بين الإيمان بالأحكام الشرعية والأحكام القدرية والتسليم لهما.
٢٠ - قرر تأثير الأسباب في المسبَّبات وأن الله هو خالقهما، وأنه لا يجوز نسبة الانفراد بالخلق في صفة الفعل لغير الله تعالى، كما أنه لا يجوز على الضد من ذلك نفي التأثير للأشياء التي جعلها الله تعالى أسبابًا ووسائط على المسبّبات.
٢١ - قرر أن المقتول مات بأجله.
٢٢ - منهجه في القدر التسليم والاستسلام لله تعالى في كل ما يقضيه ويقدره، وفي كل ما
[ ٦٠١ ]
يشرعه ويأمر به وينهى عنه، والتحذير من الاحتجاج بالقدر.
٢٣ - حدد مفهوم الإيمان بأنه تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بكثرة العمل والطاعة، وينقص بترك العمل والمعصية.
٢٤ - قرر أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بمطلق المعصية، ولا يسلب الفاسق الملِّي الإيمان بالكلية، وأنه يُرجى للمحسن، ويُخاف على المسيء.
٢٥ - قرر تولِّي جميع أصحاب النبي - ﷺ - ومحبتهم، والترضي عنهم، وأنهم خير القرون، أما على وجه الخصوص فمعرفة لكل فضله ومنزلته بحسب ورود النص فيه على خصوصه، والشهادة له وفق ما جاء في هذا النص.
٢٦ - قرر الإمساك عما شجر بين الصحابة - ﵃ - مع سلامة القلوب وكف الألسن عن
الخوض في ذلك.
٢٧ - قرر أن ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
٢٨ - قرر وجوب طاعة الأئمة في غير معصية الله، ووجوب إقامة الشعائر العامة معهم، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر حتى ولو جاروا وظلموا، مالم يُرَ كفرًا بواحًا فيه من الله برهان.
٢٩ - قرر وجوب لزوم الجماعة والنهي عن الفرقة.
٣٠ - منهجه في التعامل مع أهل الأهواء والبدع يتلخص في ضابطين:
- الأول: حراسة الدين وإبطال البدع والنفير الدائم في ذلك، وأن هذا الضابط داخل دخولًا أوليًا في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-الثاني: مخاصمة أهل البدع وترك مجالستهم عمومًا لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة.
وختامًا؛ فإن الإمام جمال الدين السرمري يعد من أئمة أهل السنة الذين كان لهم دور بارز في تقرير العقيدة الصحيحة وفق قواعد وأصول سلف الأمة، كما أنه بهذا
[ ٦٠٢ ]
المنهج صار سدًا منيعًا في وجه من أراد النيل من تلك العقيدة أو تكدير نقائها.
نسأل الله ﷾ أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يجمعنا به في بحبوحة جنانه، إنه جواد كريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٦٠٣ ]