فصل
وأما ما أوتي سليمان ﵊ فإنه قال: رب اغفر لي وهب لي مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب، يقول الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩] فقد أعطي محمد - ﷺ - أعظم من ذلك فإنه - ﷺ - قال: «زُوِيَتْ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها» (١) وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض فأباها [وردها] (٢) بحذافيرها وعرضَ له أن يجعل (له) (٣) بطحاء مكّة ذهبًا فقال: «لا يا رب - ثلاثًا-[ق ٤١/و]، فإذا جُعتُ تضرّعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك» (٤) واختار - ﷺ - أن يجوع يومًا ويشبع يومًا فإذا جاع صَبر وتضرّع إلى الله، وإذا شبع حمد الله
وشكره (٥)، وهاتان الحالتان الصبر والشكر هما من أرفع مراتب العبادة التي يحصل بها المُلْك الكبير الذي لا ينقطع وهو - ﷺ - مَلِك الآخرة من بني آدم، وفي حديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أُتيتُ بمقاليد الدنيا على فرس أبلق» كما سيأتي، وقد قال - ﷺ - لعائشة ﵂: «يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب، جاءني ملك إنّ حُجزته (٦) لَتُسَاوِي الكعبةَ، فقال: إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام (٧) ويقول لك: إن شئت نبيًّا عبدًا وإن شئت نبيًّا مَلِكًا، فنظر إليّ جبريل فأشار إليّ أن ضَعْ نفْسك، فقلت: نبيًّا عبدًا» (٨) والأحاديث في ذلك مشهورة كثيرة.
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٣٧.
(٢) مابين المعقوفتين بياض في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٣) "له" ليس في ب.
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٣٠.
(٥) في ب "وشكر" بدون الضمير.
(٦) أصل الحجزة: موضع شد الإزار. النهاية (١/ ٨٩٧).
(٧) في ب "يقرئك السلام".
(٨) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٣١٨) ح ٤٩٢٠، وأخرجه بنحوه: أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦) ح ٥٤١، قال الألباني: "وهذا إسناد ضعيف؛ أبو معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي؛ قال الحافظ في "التقريب ": ضعيف. نعم؛ الحديث صحيح دون جملة الحجزة، وبلفظ: " بل عبدًا رسولًا"، فقد جاء كذلك من حديث أبي هريرة بسند صحيح". سلسلة الأحاديث الضعيفة (٥/ ٦٥) ح ٢٠٤٥.
[ ٤٥٤ ]
فإن قيل: إن سليمان - ﵇ - سُخرت له الرّيح تسير به في بلاد الله تعالى، وكان غدوّها شهرًا ورواحها شهرًا، قلنا: الذي أعطي محمّد - ﷺ - أعظم فإنه سار في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة في أقلّ من ثُلث ليلة فدخل السموات سماءً سماءً، ورأى عجائبها، وطيف به في الجنّة، وعرضت عليه النار، وعرضت عليه أعمال أمّته، وصلى بالأنبياء وبملائكة السموات، وخرق من الحُجُب ما لا يعلمه إلا الله، وأراه الله من آياته الكبرى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وأعطاه الله تعالى خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، وعهد إليه أن يظْهر دينه على الأديان كلّها حتى لا يبقى في شرق ولا غرب إلا دينه، أو يؤدّي إلى (١) أهل دينه الجزية عن يد وهم صاغرون، وفرض عليه الصلوات الخمس، ولقي
موسى عليهما الصلاة والسلام، وسأله مراجعة ربه تعالى في التخفيف عن أمّته مرارًا؛ هذا كله في بعض ليلةٍ فأيّما أعجب.
فإن قيل: (إنّ) (٢) سليمان سُخرت له الجن وأنها كانت تعتاص عليه حتى يصفّدها كما ذكر الله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨]، قيل: ما أعطي محمد - ﷺ - أعظم وذلك أن النّفر التسْعة (٣) الذين هم أشراف الجن وعظماؤهم (٤) [ق ٤١/ظ] الذين وصفهم الله تعالى فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]
_________________
(١) في ب "إليه"، وهو خطأ.
(٢) "إن" ليس في ب.
(٣) اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: من الآية ٢٩] فقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم، وقال زر بن حبيش: بل كانوا تسعة نفر، أحدهم زوبعة. انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٤) اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: من الآية ٢٩] فقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، وقال زر بن حبيش: بل كانوا تسعة نفر، أحدهم زوبعة. انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٥).
[ ٤٥٥ ]
فإنهم أتوه طائعين راغبين في دينه، معظّمين لشأنه، مصدّقين لرسالته ولما جاء به، مؤمنين بنبوّته، متّبعين لأمْره، مستمدّين منه، ومستمنحين له، سائلين لهم ولدوابّهم الزّاد والعلف، فجعل لهم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديهم أوفر ما يكون لحمًا، وكل روثة وبعرة علف لدوابهم، وعند ذلك نهى [النبي] (١) - ﷺ - المسلمين أن يستنجوا بهما وقال: «إنهما طعام إخوانكم الجن» (٢)، فجعل الجن إخوان المسلمين، ثم إن محمّدًا - ﷺ - كان يجتمع بهم ويعلمهم ويتلو عليهم القرآن، فلمّا سمعوه قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) ﴾ الآيات [الجن: من الآية ١ - ٧] وأقبلت إليه وفودهم ليلة الجنّ المعروفةَ ألوفًا (٣) مؤلّفة متبايعين له على الصوم والصلاة (٤) والنصح للمسلمين، واعتذروا إليه عن قولهم على الله سبحانه الشّطط، فإنهم كانوا يزعمون أن لله (٥) ﷾ ولدًا، فسبحان من سخّرهم له وأذل أعناقهم بين يديه، ولقد تمرّد عليه في بعض الأوقات عفريت ليقطع عليه صلاته (قال) (٦): «فأمكنني الله منه فذعَتُّه حتى سال لُعابُه على يدي فذكرت دعوة أخي سليمان فأطلَقتُه ولولا ذاك لأصبح مُوثَقًا يلعب به الوالدان» وقد تقدم ذلك، فهذا الغاية القصوى والدرجة العليا في التمكين والتمكن منهم والتحكّم فيهم حتى يصير العفريت الذي أُعطي من القوّة ما يحمل الجبل فَيَقلِبُه أعلاه أسفلَه، آل حاله معه في الذل إلى
_________________
(١) "النبي" زيادة من ب.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٣٢)، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، ح ٤٥٠، من علقمة عن ابن مسعود - ﵁ -، بلفظ: "كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استُطير او اغتيل، قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجد، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن»، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أو ما يكون لحمًا وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم».
(٣) في أ "ألوف" بالرفع، ويصح بتقدير محذوف، وما أثبته من ب هو الوجه.
(٤) في ب "الصلاة والصوم" بتقديم وتأخير.
(٥) في ب لفظ "الله" الاسم، وهو خطأ.
(٦) "قال" ليس في ب.
[ ٤٥٦ ]
أن أراد أن يسلّمه إلى ولدان أهل المدينة يلعبون به فأيّ حكم أبلغ من هذا، وتسخيرهم لسليمان ﵊ كان في الأعمال الدنيوية ومحمد - ﷺ - كان معرضًا عنها وغاية ما كان يحتاج من العون في الجهاد وقتال المشركين فأعطاه الله تعالى أصحابًا كَفاه بهم ما أراد وزيادة وأمدّه عند الحاجة بالملائكة (فقاتَلوا معه ولو أراد أن يسخّر الجن لما امتنع عليه، فكان إمداده بالملائكة) (١) أعظم من عون الجنّ والإنس؛ وتحصنه من [ق ٤٢/و] مردة الشياطين بالأذكار التي علّمه رَبُّه تعالى إيّاها وعلّمها (هو) (٢) - ﷺ - (أصحابَه) (٣) معلوم يضيق هذا الموضع عن استقصائه، وروى أبو نعيم عن عبدالله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير (٤) قال حدثنا كثير بن عبدالله (٥) عن أبيه عن جدّه عن بلال
بن الحرث (٦) قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته أبعدَ فأتيته بإدواة من ماء فانطلق، فسمعت عنده خصومةَ رِجال ولغطًا لم أسمع مثلها، فجاء فقال: «بلال»، فقلت: بلال، (قال) (٧): «أمعك ماء»، قلت: نعم، قال: «أصبتَ» وأخَذه مني فتوضأ، فقلت: يا رسول الله سمعت عندك خصومةً
_________________
(١) مابين القوسين ليس في ب.
(٢) "هو" ليس في ب.
(٣) "أصحابه" ليس في ب.
(٤) في الدلائل لأبي نعيم (٢/ ٥٩٧): "عبدالله بن كثير بن حفص"، وما ذكره السرمري هو المذكور في رواية ابن ماجه في سننه (١/ ١٢١)، كتاب الطهارة وسننها، باب التباعد للبراز في القضاء، ح ٣٣٦، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٠ - ٣٢١): "عبدالله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير الانصاري الزرقي مولاهم، أبو عمر المديني روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في الأبعاد لقضاء الحاجة ".
(٥) هو كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة اليشكري المزني المدني، قال الشافعي: أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على جهة التعجب، وقال ابن السكن: يروي عن أبيه عن جده أحاديث فيها نظر، وقال الحاكم: حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٦) هو بلال بن الحرث المزني، أبو عبد الرحمن، وفد في رجب سنة خمس، وكان معه لواء مزينة يوم الفتح، له ثمانية أحاديث، مات سنة ستين عن ثمانين سنة. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص ٥٣، للحافظ صفي الدين الخزرجي، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، ١٤١٦، دار البشائر، بيروت.
(٧) "قال" ليس في ب.
[ ٤٥٧ ]
ولغط رجالٍ ما سمعتُ (١) أحَدّ من ألسنتهم، قال: «اختصم عندي الجنّ المسلمون والجنّ المشركون، سألوني فأسكنتُ المسلمين الجَلْسَ وأسكنت المشركين الغورَ» قال عبدالله بن كثير: قلت لكثير [بن عبدالله] (٢): ما الجَلْس، قال: القرى والجبال، والغور: ما بين الجبال والبحار، قال كثير: ما رأينا أحدًا أصيب بالجلس إلا سلم ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم (٣)؛ وعن أبي أُسَيد الخزرجي (٤) أنه قطع ثمر حائطه وجعله في غُرفة له فكانت الغُول تخالفه إلى مَشربته فتَسرق ثمره (٥) وتُفْسِدُ عليه، فشكا ذلك إلى النبي - ﷺ - فقال: «تلك الغُول يا أبا أسيد (٦)، فاستمع لها فإذا سمعت اقتحامها - يعني: وجبتها - فقل: بسم الله أجيبي رسول الله - ﷺ -» فأخذها، فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني اذهب إلى نبي الله - ﷺ - وأعطيك موثقًا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق ثمرك وأدلّك على آية من كتاب الله تعالى لتقرأها على بيتك فلا يُخالَفُ إلى أهلك وتقرأ بها على إنائك فلا يُكشف غطاؤه (٧)، فأعطَتْهُ الموثق الذي رضي به منها، فقال: والآية التي قلتِ أدلك عليها، (قالت) (٨): هي آية الكرسي، ثم حَلَّت استها تضرط، فأتى النَّبي - ﷺ - فقصّ عليه القصّة، قال: جئتُ ولها ولها، فقال النبي - ﷺ -: «صدقت وهي كذوب» (٩)؛ وعن أبيّ بن كعب [ق ٤٢/ظ]- ﵁ - أنه كان له جُرن (١٠) فيه تمر، وكان يتعاهدها فوجده ينقص فحرسَه ذات ليلة فإذا بدابّةٍ شبه الغلام المحتلم، قال: فسلّمت فردّ السلام، فقال: من أنتَ، أجنّ أم إنس، قال: لا بل
_________________
(١) في ب "لم أسمع".
(٢) مابين المعقوفتين زيادة من ب.
(٣) دلائل النبوة (٢/ ٥٩٧ - ٥٩٨) ح ٥٤٢، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا، بلفظ: «كان إذا أراد الحاجة أبعد».
(٤) تقدم ذكر ترجمته، انظر: ص ٤٣٨.
(٥) في ب "ثمرته".
(٦) في ب تكرار "تلك الغول" بعد "يا أبا أسيد".
(٧) في ب "فلا نكشف غطاءه".
(٨) "قالت" ليس في ب.
(٩) أخرجه الطبراني بنحوه في المعجم الكبير (١٩/ ٢٦٣) ح ١٦٢٥٥، قال الهيثمي (٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣): "رواه الطبراني ورجاله وثقوا كلهم، وفي بعضهم ضعف".
(١٠) الجرن: هو موضع تجفيف التمر. النهاية (١/ ٧٣٨).
[ ٤٥٨ ]
جنّ، قال: قلت: ناولني يدك، فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: أهكذا خَلْقُ الجنّ، قال: قد عَلِمَتِ الجنّ ما فيهم أشدُّ مني، قلت: وما حملك على ما صنعت، قال: بلغنا أنك رجل تحبّ الصدقة وأحببنا أن نصيب من طعامك، قال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم، قال: آية الكرسي، فجاء النّبيَّ - ﷺ - فأخبرَه بذلك، فقال: «صَدَق الخبيث» (١).
وعن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - أنه كان له سَهْوة (٢) له فيها طعام، فكانت الغول تجيء فتأخذ منه، فشكاها إلى النبي - ﷺ - فقال: «إذا رأيتها فقل: بسم الله، أجيبي
رسول الله» قال: فجاءت، فقال لها فأخذها، فقالت: إنّي لا أعود، فأرسلها، فجاء فقال له النبي - ﷺ -: «ما فعل أسيرك»، فقال: أخذتها فقالت لا أعود فأرسلتها، فقال: «إنها عائدة»، فأخذتها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك (تقول) (٣): لا أعود، وَيجيء إلى النبي - ﷺ - فيقول: «ما فعل أسيرك»، فيقول (٤): أخذتها فقالت لا أعود، فيقول: «إنها عائدة»، فأخذتها فقالت: أرسلني وأعلّمك شيئًا تقوله ولا يقربُك شيء آية الكرسي، فأتى النّبيَّ - ﷺ - فأخبره فقال: «صَدَقَتْ وهي كذوب» (٥)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال:
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٢٣٩)، بنحوه في كتاب عمل اليوم والليلة، ذكر ما يجير من الجن والشياطين وذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي فيه، ح ١٠٧٣٠، تحقيق: حسن عبدالمنعم شلبي، الطبعة الأولى ١٤٢١، مؤسسة الرسالة، بيروت؛ وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (٢/ ٥٩٩) ح ٥٤٤؛ والبيهقي في الدلائل (٨/ ١٧٣) ح ٣٠٣٤، والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٠١) ح ٥٤٤، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٦٣)، باب قراءة القرآن، ذكر الاحتراز من الشياطين نعوذ بالله منهم بقراءة آية الكرسي، ح ٧٨٤؛ والحاكم في مستدركه (١/ ٧٤٩)، كتاب فضائل القرآن، أخبار في فضل سورة البقرة، ح ٢٠٦٤، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني: "رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد". صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٤١٨) ح ٦٦٢.
(٢) السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا شبيه بالمُخْدَع والخِزانة، وقيل: هو كالصُّفة تكون بين يدي البيت، وقيل شبيه بالرف أو الطاق يُوضع فيه الشيء. النهاية (٢/ ١٠٤٧).
(٣) "تقول" ليس في ب.
(٤) في ب "فقال".
(٥) أخرجه أحمد بنحوه في مسنده (٣٨/ ٥٦٣) ح ٢٣٥٩٢، وأبو نعيم في الدلائل (٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠) ح ٥٤٥، والترمذي (٥/ ١٥٨)، في أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، ح ٢٨٨٠، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
[ ٤٥٩ ]
وكلني رسول الله - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان فذكر نحوه (١)؛ وعن أبي الأسود الدّؤليّ قال: قلت لمعاذ بن جبل - ﵁ - أخبرني عن قصّة الشيطان، قال: جعلني رسول الله - ﷺ - على تمر الصّدقة، فكنت أدخل الغرفة فأجد في التمر نقصًا فذكرته لرسول الله - ﷺ - فقال: «إن الشيطان يأخذه»، قال: ودخلت الغرفة وأسْفَقْتُ الباب عليّ فجاء سوادٌ (٢) عظيم، فغشي البابَ ثم دخل من شَقّ الباب ثم تحول في صورة فيل، وجعل يأكل، فشددتُ ثوبي على وسطي، فأخذته فالتفَّت [ق ٤٣/و] يداي على وسطه قال: قلت: ياعدوّ الله ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟، قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال وقد كانت لنا هذه الغُرفة قبل أن بُعث صاحبك فلمّا بعث خرجنا منها ونحن من جنّ نصيبين، خَلِّ عني فإني لن أعود إليك، وجاء جبريل - ﵇ - فأخبر النَّبي - ﷺ - بخبره، فلمّا صلّى الغداة نادى مناديه أين معاذ؟، ما فعل أسيرُك؟ فأخبرته، فقال: «أما إنه سَيعود إليك» فجئت إلى الغرفة ليلًا وأغلقت الباب، فجاء فجعل يأكل التمر فقبضت يدي عليه فقلت: يا عدوّ الله، قال: إني لن أعود إليك بعد، قال: قد قلت: إنك لا تعود، قال: فإني أخبرك
بشيء إذا قلتَه لم يَدخل الشيطان البيتَ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ إلى آخر السورة [البقرة: ٢٨٤ - ٢٨٦] (٣)؛ وروى الدّارميّ في جامعه عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: لقي رجل (٤) من أصحاب محمد - ﷺ - رجلًا من الجنّ، فصارعَه فصرعه الإنسيّ، فقال له الإنسيّ: إنّي لأراك ضَئيلًا شَحيبًا (٥)، كأنّ ذُرَيِّعَتَيْك ذُرَيِّعَتا كلب، فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك؟، قال: لا والله إنّي منهم لضليع، ولكن عاوِدني الثانية،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٢٣)، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ح ٣٢٧٥.
(٢) في ب "سواداء"، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه بنحوه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٦٠٠ - ٦٠١) ح ٥٤٧، والبيهقي في الدلائل (٨/ ١٧٥) ح ٣٠٣٥،
(٤) الرجل هو: عمر بن الخطاب - ﵁ -، كما جاء في المعجم الكبير للطبراني (٩/ ١٦٦) ح ٨٨٤٥: "قال رجل من القوم: يا أبا عبدالرحمن -يقصد: عبدالله بن مسعود - ﵁ - من ذاك الرجل من أصحاب النبي - ﷺ -؟ قال: فعبس عبدالله وأقبل عليه، وقال: من يكون هو إلا عمر - ﵁ - ".
(٥) في سنن الدارمي (٤/ ٢١٢٨)، كتاب فضائل القرآن، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي، ح ٣٤٢٣: "شخيتًا"، والشخت والشخيت: النحيف الجسم الدقيقة. النهاية (٢/ ١١١٥).
[ ٤٦٠ ]
فإن صرعتَني علّمتك شيئًا ينفعك، [فعاوده فصرعه، قال: هات علمني] (١)، قال: نعم، قال: تقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال: نعم، (قال) (٢): فإنك لا تَقرأوها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَجٌ كخَبَج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح، قال الدارمي: الضئيل: الدقيق، والشحيب: المهزول، والضّليع: الجيّد الأضلاع، والخبج: الريح يعني الضراط (٣)؛ وأبلغ من ذلك أن عمارًا - ﵁ - صارع جنيًّا فصرعه عمّار (٤) - ﵁ -؛ وإن صح حديث قتال علي بن أبي طالب - ﵁ -
للجنّ في بئر ذات العلم كان غاية في هذا الموضع، وقد رواه من الحفاظ أبو الفضل ابن ناصر (٥) شيخ ابن الجوزي ولكن ردّه غيره وقالوا (٦) الحديث فيه موضوع فالله أعلم (٧)، والمقاتلة إنما مع العاصي، والجنّ
_________________
(١) الزيادة من سنن الدارمي (٤/ ٢١٢٨)، كتاب فضائل القرآن، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي، ح ٣٤٢٣.
(٢) "قال" ليس في ب.
(٣) سنن الدارمي (٤/ ٢١٢٨)، كتاب فضائل القرآن، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي، ح ٣٤٢٣؛ والخبر أخرجه أبضًا الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٦٥) ح ٨٨٤٣، (٩/ ١٦٦) ح ٨٨٤٥؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧١) ح ١٤٤٤٤ - ١٤٤٤٥: "رواهما الطبراني بإسنادين، ورجال الرواية رجال الصحيح إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود، ولكنه أدركه، ورواة الطريق الأولى فيهم المسعودي، وهو ثقة اختلط فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي".
(٤) أخرج البيهقي في الدلائل (٨/ ١٩٥) ح ٣٠٤٨ بإسنادين، من طريق الحسن البصري عن عمار بن ياسر - ﵁ -، بلفظ: "قد قاتلت مع رسول الله - ﷺ - الجن والإنس فقيل: هذا الإنس قد قاتلت. فكيف قاتلت الجن؟ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى بئر أستقي منها، فلقيت الشيطان في صورته، حتى قاتلني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر معي أو حجر فقال رسول الله - ﷺ -: «إن عمارا لقي الشيطان عند بئر فقاتله» فلما رجعت سألني، فأخبرته بالأمر فقال: «ذاك شيطان»؛ وقال: "الإسناد الأخير صحيح إلى الحسن البصري".
(٥) هو أبو الفضل محمد بن ناصر بن حمد بن علي السلامي، ولد سنة ٤٦٧، وكان حافظًا، ضابطًا، ثقة، وكان كثير الذكر، سريع الدمعة، توفي سنة ٥٥٠. انظر: مشيخة ابن الجوزي ص ١٢٦ - ١٢٩، لأبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق: محمد محفوظ، الطبعة الثالثة ٢٠٠٦ م، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
(٦) في ب "وقال".
(٧) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يقاتل علي ولا غيره من الصحابة الجن، ولا قاتل الجن أحد من الإنس، لا في بئر ذات العلم ولا غيرها، والحديث المروي في قتاله للجن موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة". مجموع الفتاوى (٤/ ٤٩٢). في هامش أ "قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام - رحمه الله تعالى ورضي عنه -: الحديث المروي في قتال أمير المؤمنين علي - ﵁ - للجن موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة".
[ ٤٦١ ]
قد جاءوه طائعين فما [ق ٤٣/ظ] احتاج إلى قتالهم، وذلك أبلغ ممن كان يستعصي على سليمان ﵊ حتى يُصَفدهم ويستعملهم.
فإن قيل: إن سليمان ﵊ سخرت له الجنّ يستعملهم في أمور الدنيا فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكان يستعملهم و(١) يستعين بهم في أموره ويكلفهم ما أحبّ (٢)، قلنا: نعم وذلك فضيلة عظيمة ونعمة [جسيمة] (٣) كبيرة مما أنعم به على آل داود - ﵇ - و(لكن) (٤) سليمان - ﵇ - طلب ذلك فإنه سأل ربَّه ﷾ من المُلْك الذي لا يؤتاه غيره، فكان من مقتضى ذلك الأعمال الصّعبة التي لا يقدر عليها بنو آدم فسخّر الله تعالى له الجنّ يعملونها له، ومحمّد - ﷺ - لما عُرض عليه الملك وأن تجرى له بطحاء مكة وجبالها ذهبًا
اختار الفقر على الملك (٥) لما أراد الله تعالى (له) (٦) من عظم المنزلة في الآخرة، فلم يحتج إلى عمل يُكَلف فيه الجن، وإنما كان يحتاج إلى الجهاد، وكان في أصحابه - ﵃ - كفاية، ولمّا احتاج في بعض الأوقات إلى مزيد (٧) مساعدة في الجهاد أنزل عليه الملائكة فقاتلت معه، فكان عون محمد صلوات الله وسلامه عليه بالملائكة أعظم من عون سليمان ﵊ بالجن، وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم، وأما أمور محمد - ﷺ - الدنيويَةُ التي احتاج فيها إلى مساعد ومعاضد فإنه لما تظاهر عليه بعض أزواجه في الغيرة أنزل الله تعالى يخوفهن من التظاهر والتواطؤ عليه فيما يسوؤه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا،
_________________
(١) في ب "في" بدل حرف العطف، وهو خطأ.
(٢) في ب "يحب".
(٣) "جسيمة" زيادة من ب.
(٤) "لكن" ليس في ب.
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٣٠.
(٦) "له" ليس في ب.
(٧) في ب "مزيدة" بزيادة التاء المربوطة، وهو خطأ.
[ ٤٦٢ ]
فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره - ﷺ -، وأعوانه، يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحًا، ويمنعون عنه، ويدافعون دونه، ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه، وقد دخل المسجد يصلّي، فسمعوا صوتًا ما ظنّوا [ق ٤٤/و] أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته، ثم رجع إلى أهله سالمًا، ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى، فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى [التقت] (١) إحداهما (٢) بالأخرى، فحالتا بينه وبينهم (٣)، ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّيًا فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقًا من نار وأهوالًا وأجنحة فقال رسول الله - ﷺ - لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا وقد تقدم ذلك.
فإن قيل: إن سليمان ﵊ كان عنده من عُلماء الكتاب مَن أتى بعرش بلقيس (قبل أن يرتدّ إليه طرفه) (٤)، قيل: لنبيّنا - ﷺ - أعظم منه ففي حديث الإسراء أن قريشًا لمّا كذّبته في حديثه عن بيت المقدس وكان فيهم من قد رأى المسجد قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟، قال: «نعم»، قال: «فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علَيّ» وكان قد جاءه ليلًا، قال: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دون دار عَقيل فَنَعَتُّ المسجدَ وأنا أنظر إليه»، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب (٥)؛ فهذا قد حُمل له بيت المقدس (في لحظة حتى وُضع بإزائه ينظر إليه ويخبرهم عنه، وحمل بيت المقدس) (٦) من مكانه إلى مكّة أعظم من حمل عرش بلقيس
_________________
(١) في أ، ب "التقى"، وما أثبته من دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٠٩ - ٢١٠) ح ١٦٠.
(٢) في ب "إحديهما".
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢١٣) ح ٣١٦٧، من طريق قيس بن حبتر، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (١/ ٢٠٩ - ٢١٠) ح ١٦٠؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٧) ح ١٣٨٧٠: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات غير بنت الحكم فلم أعرفها".
(٤) " قبل أن يرتدّ إليه طرفه" ليس في ب.
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨ - ٢٩) ح ٢٨١٩، والبزار في مسنده (٢/ ٢١٣) ح ٥٣٠٥، والطبراني في المعجم الأوسط (٣/ ٥٢) ح ٢٤٤٧، وفي المعجم الكبير (١٢/ ١٦٧) ح ١٢٧٨٢، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٥٠) ح ٦٥٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٥): "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح".
(٦) مابين القوسين ليس في ب.
[ ٤٦٣ ]
إلى سليمان ﵊، وفي حديث الإسراء أيضًا أنهم سألوه عن أشياء منها أنهم سألوه عن عيرهم قال: «مررت بها بالتّنعيم»، قالوا: فما عِدّتها وأحمالها وهيئَتُها، قال: «كنت في شغل عن ذلك»، قال: «ثم مُثِّلَتْ له بعدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها»، فقال: «نعم هيئتها كذا وكذا، وفيها فلان وفلان يقدُمها جمل أورق (١) عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس» فأحصَوا جميع ذلك فوجَدوه كما أخبر (٢)؛ وحَمل البعير بأحمالها وما فيها أعظم [ق ٤٤/ظ] من حمل عرش بلقيس، ومن ذلك أن النّجاشي لما مات ضرب جبريل - ﵇ - الجبال بجناحه فتوطأت حتى نظر
النبي - ﷺ - إلى نعشه فصلّى عليه فيما قيل (٣)، وأعظم من ذلك كله ما في صحيح مسلم في حديثٍ ذكره عنه - ﷺ - أنه قال: «إنّي صُوّرت لي الجنّة والنّار، فرأيتهما دون هذا الحائط» (٤)، (وأعظم) (٥) من ذلك حمله على البراق إلى (فوق) (٦) سبع سموات وإلى فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى، فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت (٧) أو بعدت،
_________________
(١) في ب "ورق"، قال ابن الأثير في النهاية (٥/ ٣٨٦): "الأورق: الأسمر، والورقة: السمرة، يقال: جمل أورق وناقة ورقاء".
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٤٣٢) ح ٢١٠٧٩، من طريق أم هانئ بن أبي طالب ﵂، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٧٦): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبدالأعلى بن أبي المساور، متروك كذاب".
(٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٢٠٩)، لابن عابدين، الطبعة الثانية ١٤١٢، دار الفكر، بيروت؛ البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/ ٣١٥)، لابن نجيم الحنفي، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وقد جاءت الإشارة إليه في حديث عمران بن حصين - ﵁ - الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧/ ٣٦٩) ح ٣١٠٢، فصل في الصلاة على الجنازة، ذكر البيان بأن المصطفى - ﷺ - نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذي توفيه فيه، بلفظ: "أنبأنا رسول الله - ﷺ - أن أخاكم النجاشي توفي، فقوموا فصلوا عليه، فقام رسول الله - ﷺ -، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه"، قال شعيب الأرنوؤط: "إسناده صحيح".
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٣٤)، كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك، ح ٢٣٥٩.
(٥) "وأعظم" ليس في ب.
(٦) "فوق" ليس في ب.
(٧) في ب "أقربت" بزيادة الهمزة.
[ ٤٦٤ ]
وعمل الملائكة مع محمد - ﷺ - مع إيمانهم بالله تعالى ورسوله - ﷺ - واليوم الآخر أعظم وأكمل من عمل الشياطين مع كفرهم بالله ﷾ ورسوله ﵊ وتمرّدهم، وما صبروا عليه من التسخير إلا تحكم سليمان ﵊ فيهم، وخوفهم من عقوبته إيّاهم، فلما مات ولم يَعلموا بموته تَمُّوا في (العمل) (١) كما أخبر الله تعالى عنهم، وقد كانوا يوهمون الإنسَ أنّهم يَعلمون الغيب فلبثوا معبَّدين في العمل ما شاء الله أن يلبثوا، وسليمان ﵊ مَيِّتٌ مُتَوكّئ على مِنسَأتِه، فلمّا أكلتها الأرضة وقع، فعلمت الإنس أن الجن كانت كاذبة في إدعائها علم الغيب، لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وسليمان - ﵇ - ميّت في تلك المدّة، فأين تسخير هؤلاء المعاندين الكفّار المجتهدين في أذى سليمان ﵊ وغيره من الإنس وانتظار غِرَّتهم كما يُذكر عن صَخرٍ المارد من الكيد والغدر لو قدر على ذلك من إسعاد الملائكة وإعانتهم ونصرهم لمحمّد - ﷺ - وجنده في غير موطن كيوم بدر والأحزاب وغيرهما قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ [ق ٤٥/و] مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ (بِهِ) (٢) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦]، وقال (تعالى) (٣): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ (بِهِ قُلُوبُكُمْ) (٤) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
_________________
(١) "العمل" ليس في ب.
(٢) "به" ليس في ب، وهو خطأ ظاهر.
(٣) "تعالى" ليس في ب.
(٤) في ب "به قلوبكم" بتقديم وتأخير، وهو خطأ ظاهر.
[ ٤٦٥ ]
الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وقد قال بعض الصحابة - ﵃ -: "إنّي لأتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضرِبه إذ وقع رأسُه قبل أن يَصل إليه سيفي فعرَفتُ أنّ غيري قتله" (١)، ولمّا أسَر أبو اليَسَر (٢) العبّاسَ، قال له رسول الله - ﷺ -: «كيف أسرتَه» وكان العباس أشدّ بطشًا منه قال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال (له) (٣) رسول الله - ﷺ -: «لقد أعانك عليه ملَك كريم» (٤).
فإن قيل: إن سليمان عليه [الصلاة و] (٥) السلام كان يفهم كلام الطّير كما قال تعالى عنه: ﴿عُلِّمْنَا (٦) مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: من الآية ١٦] وقصّة الهدهد، ورسالته به إلى بلقيس، وكلام النملة له ونحو هذا، قلنا: لا شك في أنّ هذا فضل مبين، وشرَف متين، والفضل (بيده) (٧) تعالى يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم، فقد أخبر الله تعالى أن الفضل الذي آتاه سليمانَ - ﵇ - مبين،
_________________
(١) أخرجه أحمد بنحوه (٣٩/ ١٩٥) ح ٢٣٧٧٨، وأبو نعيم في الدلائل (٢/ ٤٧٢) ح ٤٠٤، من حديث أبي داود المازني - ﵁ -، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤٣) ح ٩٠٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٧٧)، من حديث أبي واقد الليثي - ﵁ -، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٣) ح ٩٩٩١: "رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم"، وفي الباب عن ابن عباس ﵄ عند مسلم (٣/ ١٣٨٣)، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، ح ١٧٦٣.
(٢) هو كعب بن عمرو ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، أبو اليسر، شهد بدرًا بعد العقبة، فهو عقبي بدري، يعد في أهل المدينة وبها كانت وفاته سنة خمس وخمسين. انظر: الاستيعاب (٢/ ٧٢).
(٣) "له" ليس في ب.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٤) ح ٣٣٠٩، وأبو نعيم في الدلائل (٢/ ٤٧١ - ٤٧٢) ح ٤٠٢، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٢٨٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٦) ح ١٠٠٠٦: "رواه أحمد، وفيه راو لم يُسم، وبقية رجاله ثقات".
(٥) "الصلاة و" زيادة من ب.
(٦) في أ، ب "وعلمنا" بزيادة الواو، وهو خطأ ظاهر.
(٧) "بيده" ليس في ب.
[ ٤٦٦ ]
وأخبر أنّ ما آتى محمّد - ﷺ - من الفضل كان عظيمًا (كما) (١) قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١١٣]، فكان ما أوتي سليمان عليه (الصلاة و) (٢) السلام فضلًا مبينًا، وما أوتي محمد - ﷺ - فضلًا عظيمًا، والعظيم أبلغ وأكمل وأفضل من المبين، وليس منطق الطير والنملة بأعظم من منطق الذئب والغَزال والضبّ والجمل والحمار وغير ذلك، بل ومنطق الجَماد كحنِين الجِذْع وتسليم الأحجار والأشجار [ق ٤٥/ظ] وتسبيح الحصا والطعام في يده - ﷺ - وفي أيدي أصحابه كما تقدم، وتكليم (٣) ذراع الشاة المسمومة، وفَهْمُ هذه (الأشياء) (٤) كلامه - ﷺ - وفهمه كلامها كما أخبر عن الجمل أنه قال: أنّ صاحبه يُدْئِبُهُ ويجيعه، وأن الغزالة لها أولاد
صغار، كما أشرنا إليه ونبّهنا عليه على أن محمدًا - ﷺ - قد كان يفهم كلام الطير ويعرف مراده كما في الحديث أن بعض أصحابه أخذ فِراخَ حمّرة فجاءت الحمّرة فجعلت تُرَشِش على رؤوسهم فقال - ﷺ -: «مَن فجع هذه بِفراخها» ثم أمره بردّها (٥)، فقد روي عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: أتَى النّبيَّ - ﷺ - وهو بخيبر حمارٌ أسودُ فوقف بين يديه فقال: «من أنت؟»، قال: أنا (٦) عمرو بن فلان،كنّا سبعةَ إخوة وكلّنا رَكِبَنَا الأنبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فمَلكَنَي رجل من اليهود، فكنت إذا (٧) ذَكَركَ يعني بسوء كبَوت به فيُوجِعُني ضَرْبًا، وفي رواية: فكنت أعْثُرُ (به) (٨) عمدًا (٩)، فقال النبي - ﷺ -: «فأنتَ يَعْفور (١٠)» (١١)، وقد كلّمته ذِراعُ
_________________
(١) "كما" ليس في ب.
(٢) "الصلاة و" ليس في ب.
(٣) في ب "وتَكلُّم".
(٤) "الأشياء" ليس في ب.
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٥١.
(٦) في ب "أبا"، وهو تصحيف.
(٧) في ب "إذ".
(٨) "به" ليس في ب.
(٩) الرواية الثانية أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٢٣٢)، بلفظ: "وكنت أتعثر به عمدًا".
(١٠) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٥١٦): "قيل سمي يعفورًا للونه من العُفرة كما قيل في أخضر: يخضور؛ وقيل: سمي بها تشبيهًا في عَدوه باليعفور وهو الظبي".
(١١) أخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧) ح ٢٨٨، قال ابن كثير في البداية والنهاية: (٦/ ١٢): "هذا حديث غريب جدًا"؛ وقال في موضع آخر (٦/ ٣٢٢): "وهذا الحديث فيه نكارة شديدة".
[ ٤٦٧ ]
الشاة المسمومة وقالت: فيَّ سَمّ فلا تأكلْني (١)، فكلّ هذه الأمور وما يشابهها أعجب من كلام الطير والنملة، وكان في تكليم هذه الأشياء لنبيّنا - ﷺ - معجزات كالتسليم عليه بالنبوة، والشهادة له بالرسالة، والتصديق لما (٢) جاء به، والتوسّل إليه والتشفع (٣) به في الشدائد، بخلاف كلام الطير والنملة، فإنّ ذلك لم يكن لإظهار المعجز لسليمان ﵊، وإنما كان شيئًا علّمه إيّاه فسمع ذلك فيفهمه (٤) كما يسمع من يعرف لسان الفارسي فارسيًّا يتكلم أو يُكلّمه فيفهم ما يقول، فهي فضيلة واحدة: وهي فهم كلامِ ذلك المتكلم، وفهم محمّد - ﷺ - لتلك الأشياء كان فيه هذه الفضيلة وفيه معجزة تخبر برسالته وأمور أخرى كما تقدّم، وإنما كان تبليغ الهدهد رسالةَ سليمان ﵊ إعانة له على تبليغها، وقد كان يمكنه إرسالها مع غير الهدهد مما سخّر الله تعالى له [ق ٤٦/و] من الريح والجنّ وغير ذلك، ومُبلّغوا رَسائل محمّد - ﷺ - كانوا أصحابَه الذين يتكلّمون بما لا يمكن غيرهم من التبليغ ما يمكنهم كما هو معروف في سيرته، وأما النملة فإنما كان كلامُها لمصلحتها ومصلحة النمل، لا لمصلحة سليمان ﵊ ولا إظهارًا لمعجزته، بل خوفًا من أن يحطمها سليمانُ وجنوده وهم لا يشعرون، ففهّم الله تعالى سليمان ﵊ كلامَها، وهو فضيلة جليلة لكن فضيلة محمّد - ﷺ - أعظمُ لما قدّمناه، وأبلغ من ذلك أن الحجر والشجر الجمادَين يكلّمان أمّةَ محمّد - ﷺ -، وذلك ما روي في الصحاح وغيرها عن أبي هريرة - ﵁ - أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لاتقوم السّاعة حتى يُقاتل المسلمون اليهودَ، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشّجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله، إلا (٥) الغرقد فإنّه من شجر اليهود» (٦).
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤١١ - ٤١٢.
(٢) في ب "بما".
(٣) في ب "والنفع".
(٤) في ب "فيفهم" بدون الهاء.
(٥) في ب "إلى"، وهو خطأ ظاهر.
(٦) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٣٩)، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، ح ٢٩٢٢.
[ ٤٦٨ ]