يرجو لقاء المفقود (١)، وقال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٨٤]، ومحمد صبر واحتسب ولم يتأسّف بل قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولانقول إلا ما يُرضي ربّنا» (٢).
(فصل) (٣)
وأمّا يوسف الصّدّيق الكريم - ﷺ - الموصوف بالحسن والجمال، والعلم والعقل والأفضال، الذي قصّته في القرآن أحسن القصص، وسيرته أجمل السّير، المبتلى بأنواع من البلاء، وصبر فيها أحسن الصبر، وآل به صبره فيها إلى أحسن ما آل صبر على ما كان من إخوته في حقه فآل أمرهم إلى أن سجدوا [ق ٤٧/ظ] له وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٩١]، وابتُلي بكيد النّساء فآل أمره بعد سجنه سبع سنين إلى أن قالت غريمته: ﴿(الْآنَ) (٤) حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٥١]، وابتُلي بالسجن عند صاحب مصر فآل أمره إلى أن صار تدبير مُلْكه إليه؛ كتب بعضهم إلى صديق له وهو في شدّة:
وراء مضيق الخوف متّسَع الأمن وأوّل مفرُوح به آخر الحزن
فلا تَيْأسنْ فالله مَلّكَ يوسفًا خزائنَهُ بعد الخلاص من السجن (٥)
وقال النبي - ﷺ -: «لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم دُعِيتُ لأجَبْتُ الدّاعي ولأسرعت» (٦) وذلك أنّ الملِك لما قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: من الآية
_________________
(١) في ب "المفترد".
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٠٧)، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، ح ٢٣١٥.
(٣) ما بين القوسين بياض في ب.
(٤) "الآن" ليس في ب.
(٥) القائل: هو زيد بن محمد بن زيد العلوي، أبو الحسن، كان أديبًا مليح الشعر، وكان أبوه القائم بطبرستان، أسر في الواقعة التي استشهد فيها أبوه، مات سنة ٣١٤. انظر: الوافي بالوفيات (١٥/ ٢٩).
(٦) أخرجه البخاري (٤/ ١٤٧)، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله - ﷿ -: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الحِجر: ٥١ - ومن الآية ٥٢]، ح ٣٣٧٢، ومسلم (٤/ ١٨٣٩)، في كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل - ﷺ -، ح ١٥٢، كلاهما من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي».
[ ٤٧٢ ]
٥٤]، فجاءه الرسول بذلك فقال (له) (١): ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٥٠]، وأراد بذلك أن يتحقق
الملك حقيقةَ الحال، وبراءة ساحته، لئلا يكون بين يديه فيَذكر (٢) من شأنه ماوقر في صدره من شيء الحقُّ خلافه، فيشوش قلبَه، فأراد أن يكون بين يديه على أحسن الأحوال وهذه حال حسنة جميلة، ومرتبة جليلة نبيلة، وقول نبينا - ﷺ -: «لأسرَعت إلى الداعي» أيضًا من أحسن الأحوال، وأكمل الخلال، ولنبينا - ﷺ - في هذه الأمور النصيب الأوفى، والكأس الأروى، فأمّا الكرم المذكور ليوسف ﵊، فإن النبي - ﷺ - سُئل من أكرم الناس فقال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » (٣) الحديثَ، وقد ثبت أن نبيّنا محمدًا - ﷺ - كان أكرم خلق الله على الله، فقد روى التّرمذي من حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أوّل الناس خروجًا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر» (٤)، وفي رواية: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله ﷿ ولا فخر» (٥) وسنذكر (من ذلك) (٦) فيما بعد طرفًا صالحًا بعون الله، ومن كرامته عليه قرن اسمه مع اسمه فلا يُذكر إلا ذُكر معه [ق ٤٨/و]، وجعل طاعته مقرونة بطاعته
_________________
(١) "له" ليس في ب.
(٢) في ب "منكر"، وهو خطأ.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٦٩.
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٧.
(٥) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ١٩٤)، كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي - ﷺ - من الفضل، ح ٤٨، وأخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٧)، في أبواب المناقب، ح ٣٦١٦، من طريق ابن عباس ﵄، بدون قوله: «على الله - ﷿ -»، قال الترمذي: "هذا حديث غريب"؛ وقال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (٣/ ٢٥٢) ح ٥٧٦٢، لمحمد بن عبدالله الخطيب التبريزي، الطبعة الثالثة ١٤٠٥، المكتب الإسلامي، بيروت: "ضعيف".
(٦) "من ذلك" ليس في ب.
[ ٤٧٣ ]
فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: من الآية ٣٢] وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فأمّا الجمال والحسن فلمحمد - ﷺ - فيه أمْرٌ قد علا، ومَورِدٌ قد عَذُبَ وحَلا (١)، ولا يخفى ابنُ جَلا (٢)، ففي حديث هند بن أبي هالة (٣) المشهور المعروف الطويلِ في صفته - ﷺ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - فخمًا مفخمًا، يتلألَأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب (٤)، عظيم الهامة، رَجِل الشعر، إن (٥) انفرقت عَقِيقَتُه (٦) فرَق وإلا فلا، يُجاوز شعره شحمةَ أذنيه إذا هو وَفّره، أزهر اللون (٧)، واسع الجبين، أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عِرقٌ يُدِرُّه الغضب، أقنى العِرنين (٨) له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ (٩)، كثّ اللحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب (١٠) (١١)، مفلج الأسنان -أي: مفرق الأسنان-، دقيق المَسْرُبَة (١٢)،كأن عنقه جيدُ
_________________
(١) في ب "جلا".
(٢) في ب "بن الجلا" بدون الهمزة؛ وابن جلا: أي الظاهر الذي لا يخفى وكل أحد يعرفه، يقال ذلك للرجل إذا كان على الشرف بمكان لا يخفى. انظر: تاج العروس (٣٧/ ٣٦٦).
(٣) هو هند بن نباش بن زرارة التميمي، وهو ربيب رسول الله - ﷺ -، أمه خديجه بنت خويلد زوج النبي - ﷺ -، قيل استشهد يوم الجمل مع علي، وقيل عاش بعد ذلك. انظر: أسد الغابة (٥/ ٢٩٣، ٣٨٩)، تقريب التهذيب ص ٥٧٤.
(٤) في ب "الشذب"، والمشذب: هو الطويل البائن الطول مع نقص لحمه، وأصله من النخلة الطويلة التي شُذّب عنها جَريدها: أي قطع وفُرّق. النهاية (٢/ ١١٢٤).
(٥) في ب "إذا".
(٦) عقيقته: أي شعره، سُمي عقيقة تشبيهًا بشعر المولود. النهاية (٣/ ٥٣٣).
(٧) الأزهر: الأبيض المستنير، والزهر والزَّهرة: البياض النير وهو أحسن الألوان. النهاية (٢/ ٨٠٤).
(٨) العِرْنين: الأنف، وقيل رأسه. النهاية (٣/ ٤٤٩).
(٩) الشَّمم: ارتفاع قصبة الأنف، واستواء أعلاهء وإشراف الأرنبة قليلًا. النهاية (٢/ ١٢٢٣).
(١٠) في ب "أشبب".
(١١) الشنب: البياض والبريق والتحديد في الأسنان. النهاية (٢/ ١٢٢٦).
(١٢) المسرُبة -بضم الراء-: ما دق من شعر الصدر سائلًا إلى الجوف. النهاية (٢/ ٩٠٣).
[ ٤٧٤ ]
دُمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكرادِيس (١)، أنورَ المتجرَّدِ (٢)، موصول ما بين
السُّرّة واللَّبَّةِ (٣) بشعرٍ يَجْري كالخطّ، عارِي الثَّدْيَيْن والبَطْنِ مما سوى ذلك، أشعر (٤) الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزَنْدين، رحب الراحة، شثنَ الكفين والقدمين (٥)، سائل الأطراف (٦)، خمصان الأخمصين (٧)، مسيح القدمين (٨) يَنبُو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعًا (٩)، يَخْطُو تَكَفِئًا، ويَمشي هَوْنًا، ذريع المشية إذا مشى كأنّما ينحط من صبَب، وإذا التفت التفت جميعًا، خافض الطرف، نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ (١٠) نظره الملاحظة، يسوق أصحابَهُ، يَبْدُرُ من لقي بالسّلام" (١١)؛ وفي حديث عائشة ﵂ الطويل في صفته - ﷺ -: وكأنّ عَرَقه في
_________________
(١) الكراديس: هي رؤوس العظام واحدها: كردوس، وقيل: هي ملتقى كل عظمين ضخمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أراد أنه ضخم الأعضاء". النهاية (٤/ ٢٩٠).
(٢) أنور المتجرد: أي ما جرد عنه الثياب من جسده وكُشف، يريد أنه كان مشرق الجسد. النهاية (١/ ٧٢٧).
(٣) واللبة: وسط الصدر، والمنحر. لسان العرب (١/ ٧٢٩).
(٤) في ب "شعر" بدون الهمزة.
(٥) أي أنهما يميلان إلى الغِلط والقصر، وقيل: هو الذي أنامله غلظ بلا قصر، ويُحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم ويُذم في النساء. النهاية (٢/ ١٠٩٤).
(٦) سائل الأطراف: أي ممتدها. النهاية (٢/ ١٠٦٠).
(٧) قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ١٥١): "الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء، والخمصان المبالغ منه: أي أن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض، وسُئل ابن الأعرابي عنه فقال: إذا طكان الأخمص بقدر لم يرتفع جدًا ولم يستو أسفل القدم جدًا فهو أحسن ما يكون وإذا استوى أو ارتفع فهو مذموم، فيكون المعنى: أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأول".
(٨) مسيح القدمين: أي ملساوان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق فإذا أصابهما الماء نبا عنهما. النهاية (٤/ ٦٩٩).
(٩) أي يزول قالعًا لرجله من الأرض؛ والمقصود قوة مشيه وأنه كان يرفع رجليه من الأرض إذا مشى رفعًا بائنًا بقوة، لا كمن يمشي اختيالًا وتنعمًا ويُقارب خطاه فإن ذلك من مشي النساء ويوصفن به. انظر: النهاية (٤/ ١٥٧)، لسان العرب (٨/ ٢٩٠).
(١٠) في ب "أجل" بزيادة الهمزة، وهو خطأ.
(١١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٤)، فصل في خلق رسول الله - ﷺ - وخلقه، ح ١٣٦٢، وفي الدلائل (١/ ٢٦٨) ح ٢٣٦، وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (٢/ ٦٢٧ - ٦٢٩) ح ٥٦٥، والترمذي في الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية (١/ ٣٤)، باب ما جاء في خلق رسول الله - ﷺ -، ح ٨، تحقيق: سيد عباس الجليمي، الطبعة الأولى ١٤١٣، المكتبة التجارية، مكة؛ والطبراني بنحوه في المعجم الكبير (٢٢/ ١٥٥) ح ١٨٢٦٥؛ قال الألباني: "ضعيف". السلسلة الصحيحة (٥/ ٥٢) ح ٢٠٥٣.
[ ٤٧٥ ]
وجهه مثل اللّؤلؤ أطيب من المسك الأذفر - وفيه - وكان إذا امتشط بالمُشْط كأنّه حُبُكُ الرمال
وكأنّه المتون (١) التي في الغُدُر إذا سَفَقَتْها الرياح، وكان ربما جعله (٢) غدَائر، يُخرِج الأذن اليمنى [ق ٤٨/ظ] من بين غديرتين يتكنّفانها، ويُخرج الأذنَ اليسرى من بين غديرتين يتكنفانها، ينظر من يتأمّلها من بين تلك الغدائر كأنّهما (٣) تَوَقُّدُ الكواكب الدُريّة بين سواد شعره، وكان رسول الله - ﷺ - أحسنَ الناس وجهًا، وأنورَهم لونًا،لم يصفه واصف قط إلا شبَّه وجهه بالقمر ليلة البدر ويقول: هو أحسن في أعيننا من القمر، أزهر يتلألأ وجهُه تلألؤ القمر كما وصفه صاحبه وصدّيقه وخليفته أبو بكر - ﵁ -:
أمينٌ مصطفى للخير يَدْعُو كضوء البدر زايَلَهُ الظَّلامُ
وكما كان عمر - ﵁ - يُنشد قول زهير بن أبي سُلْمى:
لو كنتَ من شيء سوى بشر كنتَ المُنوَّرَ ليلةَ القدر" (٤)
وكان (كل) (٥) من سُئل عنه - ﷺ - ممن رآه فإمّا يشبّهه بالشمس أو بالقمر وأحسن من ذلك، ومنهم من يقول (٦) ناعِتُه: لم أر قبله ولا بعده مثله؛ وقد روي عن [جابر بن سمرة - ﵁ -] (٧) قال: نظرت إلى رسول الله - ﷺ - وعليه حُلّة حمراء ونظرت إلى القمر ليلة
_________________
(١) المتون: جوانب الأرض في إشراف. لسان العرب (١٣/ ٣٩٨).
(٢) في ب "يجعله".
(٣) في ب "كأنها" وهو الوارد في دلائل البيهقي (١/ ٢٩٨)، وما أثبته من أهو الوارد في دلائل أبي نعيم (٢/ ٦٤٠) ح ٥٦٦.
(٤) أخرجه مطولًا أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٦٣٦ - ٦٤٠) ح ٥٦٦، والبيهقي في الدلائل (١/ ٢٩٨).
(٥) "كل" ليس في ب.
(٦) في أتكرار "يقول".
(٧) في أ، ب "جابر بن عبدالله ﵄"، وما أثبته من المعجم الكبير للطبراني (٢/ ٢٠٦) ح ١٨٤٣، والمستدرك للحاكم (٤/ ٢٠٦)، كتاب اللباس، ح ٧٣٨٣، وسنن الدارمي (١/ ٢٠٢)، كتاب دلائل النبوة، باب في حسن النبي - ﷺ -، ح ٥٨، وسنن الترمذي (٥/ ١١٨)، في أبواب الأدب، باب ما جاء في الرخصة في لبس الحمرة للرجال، ح ٢٨١١.
[ ٤٧٦ ]
البدر فلَهُوَ (١) أحسن في عيني من القمر (٢)؛ وسُئلَتِ الرُّبَيّع بنت مُعوذ من صفته - ﷺ -
فقالت: لو رأيته رأيتَ الشمس طالعةً (٣)؛ وقيل لجابر بن سمرة - ﵁ - أكان وجه رسول الله - ﷺ - مثل السيف قال: لا بل مثل الشمس والقمر (٤)، فإن قيل: إن يوسف ﵊ كان إذا مرّ بأزِقَّةِ مصرَ يتلألأ نوره على الجدران تلألؤ الشمس والماء على الجُدران، قيل: محمّد - ﷺ - كان إذا مشى في الشمس لا يوجَد له ظلّ من شدّة نوره على نور الشمس (٥)، وهذا أعظم من تلألؤ نور يوسف - ﵇ - على الجدران في الأزِقَة؛ وقد روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي - ﷺ - (عندي) (٦) جالسًا وأنا [ق ٤٩/و] أغزل فَبُهِتُّ انظر إليه وقد عَرِق صُدْغُه وقَذالُه، وجعلت لا أنظر إلى شيء منه إلا حُوّل في عيني منه نورًا، فسَكن مغزلي، فلمّا رآني قد سكن مغزلي
_________________
(١) في ب "وهو".
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢٠٦) ح ١٨٤٣، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٠٦)، كتاب اللباس، ح ٧٣٨٣، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأخرجه الدارمي في السنن (١/ ٢٠٢)، كتاب دلائل النبوة، باب في حسن النبي - ﷺ -، ح ٥٨، كلهم بلفظ: " رأيت رسول - ﷺ - في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء قال: فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو أحسن في عيني من القمر"، وأخرجه الترمذي (٥/ ١١٨)، في أبواب الأدب، باب ما جاء في الرخصة في لبس الحمرة للرجال، ح ٢٨١١، بلفظ: "فإذا هو عندي أحسن من القمر".
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٢) ح ٢٠١٥٩، وفي المعجم الاوسط (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩) ح ٤٤٥٨، والبيهقي في الدلائل (١/ ٢٠٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٣١٣)، والدارمي في السنن (١/ ٢٠٤)، كتاب دلائل البنوة، باب في حسن النبي - ﷺ -، ح ٦١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٨٠) ح ١٤٠٣٤: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله وثقوا".
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٢٣) في كتاب الفضائل، باب شيبه - ﷺ -، ح ٢٣٤٤.
(٥) قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٥٨): "خصوصياته - ﵇ - إنما تثبت بالنص الصحيح، فلا تثبت بالنص الضعيف ولا بالقياس والأهواء، والناس في هذه المسألة على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيرًا من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه، ومنهم من يثبت له - ﵇ - ما لم يثبت مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل؛ والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي ﵌ بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له".
(٦) "عندي" ليس في ب.
[ ٤٧٧ ]
نظر إليّ وقال: «مالكِ يا عائشة؟» فقلت: واللهِ يا رسولَ اللهِ إنّكَ لأنتَ أحقُّ بقول أبي كبير، قال: «وما قال أبو كبير» قلت: قال أبو كبير (١):
ومُبرّإٍ من كل غُبَّرِ (٢) حيضةٍ وفسَاد مُرضعةٍ (٣) وداءٍ مُغيل
فإذا نظرتَ إلى أسِرَّة وجهِه بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارض المتهلّل" (٤).
وفي الجملة فيوسف - ﵇ - كان من أحسن الناس، فأما محمد - ﷺ - فإنّه كان أحسنَ الناس وقد روي عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «هبط عليّ جبريل فقال يا محمّد إن الله ﷿ يقول: كسوت حسن يوسف من نور الكرسي، وكسوت نور وجهك من نور عرشي» (٥)؛ ولاشك أن العرش أعظم من الكرسي ونوره أعظم من نوره، وفي حديث الإسراء من رواية مسلم في صحيحه: «فإذا يوسف وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن» (٦) فمحمّد - ﷺ - قد أُعطي الحسن كلّه.
_________________
(١) البيتان في شرح أشعار الهذليين (٣/ ١٠٧٣) من قصيدة لابي كبير الهذلي - واسمه عامر بن الحُلَيْس أحد بني سعد بن الهذليين مطلعها: أزهير هل عن شيبة من معدل أم لا سبيل إلى الشباب الاول. انظر: شرح أشعار الهذليين (٣/ ١٠٦٩)، لأبي سعيد السكري، تحقيق: عبدالستار أحمد فراج، مكتبة دار العروبة، القاهرة.
(٢) قال السكري: "الغبر: البقية". شرح أشعار الهذليين (٣/ ١٠٧٣).
(٣) قال السكري: "وقوله فساد مرضعة: يقول لم تحمل عليه فتسقيه الغيل، وليس به داء شديد قد أعضل". شرح أشعار الهذليين (٣/ ١٠٧٣).
(٤) أخرجه بنحوه: المزي في تهذيب الكمال (٢٨/ ٣١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٦٩٣)، باب الحيض على الحمل، ح ١٥٤٢٧، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، الطبعة الثالثة ١٤٢٤، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٤٥ - ٤٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٣٠٧)، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٩/ ١٦٦ - ١٦٨) ح ٤١٤٤: "كذب موضوع قصة تولد النور من عرقه - ﷺ - التي لا أصل لها في شيء من أحاديث خصائصه وشمائله - ﷺ -؛ حتى ولا في كتاب السيوطي (الخصائص الكبرى) الذي جمع فيه من الروايات ما صح وما لم يصح حتى الموضوعات! ".
(٥) أخرجه ابن عساكر بنحوه في تاريخ دمشق (٥٣/ ٣٢٦)، قال ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (١/ ٢٩١)، تحقيق: عبدالرحمن محمد عثمان، الطبعة الأولى ١٣٨٦، المكتبة السلفية، المدينة: "هذا حديث موضوع والمتهم به أبو بكر الأشناني وكان يضع الحديث".
(٦) أخرجه مسلم (١/ ١٤٥)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٢، من طريق أنس بن مالك - ﵁ -، بلفظ: «فإذا أنا بيوسف - ﷺ -، إذا هو قد أُعطي شطر الحسن».
[ ٤٧٨ ]
فأما علم يوسف ﵊ بالتعبير للرؤيا، فإنّ نبيّنا - ﷺ - كان أعلم خلق الله بها وكان من شأنه أنه إذا صلى الصبح واستقبل الناس قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فيقصّها ويخبره بالجواب (١)، وكان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان
لايرى (٢) رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح (٣)، ورأى منامات كثيرةً فعبّرها فوقعت كما عبّرها، كما عبَر في رؤياه السوارين من الذهب بكذّابين يخرجان بعدَه فكان كذلك خرج الأسوَدُ (٤) العنسي ومسيلمة الكذّاب (٥)، وكذلك رُؤياه البقر التي رآها تُنحَرُ فكان ما عَبره بأن نفرًا من أصحابه يُقتلون فكان كذلك (٦)، وهكذا رؤياه في السيف الذي هزّه في
_________________
(١) أخرج البخاري (٢/ ١٠٠)، في كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ح ١٣٨٦، من طريق سمرة بن جندب، قال "كان النبي - ﷺ - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «من رأي منكم الليلة رؤيا» قال: فإن رأى أحد قصّضها، فيقول: «ما شاء الله»، فسألنا يومًا فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» "؛ وأخرج مسلم (٤/ ١٧٧٨)، كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا، ح ٢٢٦٩، من طريق ابن عباس ﵄: "أن رسول الله - ﷺ - كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له»، فجاء رجل فقال ".
(٢) في ب "رأى"، وهو خطأ.
(٣) أخرج البخاري (٦/ ١٧٣)، في كتاب تفسير القرآن، باب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضُّحى: ٣]، ح ٤٩٥٣، ومسلم (١/ ١٣٩)، في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ح ١٦٠، من حديث عائشة ﵂.
(٤) في ب "أسود".
(٥) أخرج البخاري (٤/ ٢٠٣)، في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح ٣٦٢٠، ومسلم (٤/ ١٧٨١)، في كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي - ﷺ -، ح ٢٢٧٤، من طريق أبي هريرة - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينما أنا نائم، رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي فكان أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة الكذاب صحاب اليمامة» واللفظ للبخاري.
(٦) أخرج أحمد في المسند (٤/ ٢٥٩) ح ٢٤٤٥، من طريق عبدالله بن عباس ﵄، بلفظ: "وهو الذي رأى الرؤيا يوم أحد فقال: «رأيت في سيفي ذي الفقار فلًّا، فأولته، فلًّا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشًا، فأولته: كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها: المدينة، ورأيت بقرًا تُذبح، فبقرٌ والله خير، فبقرٌ والله خير» فكان الذي قال رسول الله - ﷺ - "؛ قال الألباني: "صحيح". صحيح الجامع الصغير (١٣/ ١٦١) ح ٥٧٨٩؛ وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٧/ ١١٥)، كتاب التعبير، باب الرؤيا، ح ٧٦٠٠، من طريق جابر بن عبدالله، بلفظ: "استشار رسول الله - ﷺ - الناس يوم أحد فقال: «إني رأيت فيما يرى النائم كأني لفي درع حصينة وكأن بقرًا تنحر وتباع ففسرت الدرع المدينة، والبقر نفرًا والله خير ».
[ ٤٧٩ ]
المنام فاندقّ صدره ثم هزّه فعاد كما كان عبره بهزيمة أصحابه ثم يُنصرون بعد ذلك فكان كذلك (١)، ومن الشواهد على علمه بالتعبير العلم التامّ الكامل [ق ٤٩/ظ] ما قصّه
عبدالله بن سلام - ﵁ - (عليه) (٢)، فقال له أبو بكر الصديق - ﵁ - بأبي أنت دعني فأعبُرَها، فقال: «اعبُرْها» فتكلم عليها أبو بكر - ﵁ - ثم قال: والله لتُخبرنّي يا رسولَ الله أصبتُ أم أخطأتُ، فقال: «أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضًا»، فقال: والله لتخبرنّي ما الذي أصبتُ وما الذي أخطأتُ، فقال: «لاتقسم» (٣)؛ ولولا وفور علمه لما انتقَد على أبي بكر هذا الانتقاد، وقد كان في أمّة محمّد - ﷺ - مَن يَعْبُرُ الرؤيا من السلف والخلف أمور عجيبة وأحوال غريبة ليس هذا مكان شرحها لكثرتها.
فأما قوله لصاحبي (٤) السجن: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا (٥) ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: من الآية ٣٧]، فهذا لمحمّد - ﷺ - وأمثالُه بل لغيره من الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم، على أن محمّدًا - ﷺ - قد أُعطي من هذا الباب النّصيب الأوفى، فإنّه - ﷺ - أخبر قريشًا بما فعلت الأرضة بكتابهم الذي كتبوا بينه وبينهم وأنّها قد لَحِسَتْ ما فيه من الجور وأبقت ما فيه من العدل والصلاح (٦)، وأخبر عمَّه العبّاسَ - ﵁ - بما كان دَفع إلى زوجته حين خرج من مكّة ولم يعلم به أحد إلا الله (٧)،
_________________
(١) أخرج البخاري (٥/ ١٠٢)، في كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد، ح ٤٠٨١، ومسلم (٤/ ١٧٧٩)، في كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي - ﷺ -، ح ٢٢٧٢، من طريق أبي موسى - ﵁ -، بلفظ: "أُرى عن النبي - ﷺ - قال: «رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد» واللفظ للبخاري.
(٢) "عليه" ليس في ب.
(٣) أخرجه البخاري (٩/ ٤٣)، كتاب التعبير، باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، ح ٧٠٤٦، ومسلم (٤/ ١٧٧٧)، كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا، ح ٢٢٦٩، من طريق عبدالله بن عباس ﵄.
(٤) في ب "لصاحب".
(٥) في ب "يأتكما".
(٦) أخرج أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥) ح ٢٠٥، من طريق عروة بن الزبير؛ وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل (٢/ ٣١٣ - ٣١٤).
(٧) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤١٩.
[ ٤٨٠ ]
وأخبر ممّا (١) سيكون قبل كونه بأمور عظيمة منها: إخبارُه بغلب الروم وأنهم سيغلبون في بضع سنين، ومنها ظهور كذّاب ومبير (٢)، وأمور يطول ذكرها وقع بعضها والباقي سيقع لا محالة، (كالدّجال) (٣)، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ﵊، وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك، وقد تقدّم من ذلك جملة، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى أشياء أخر في أماكنها.
وأمّا عقل يوسف ﵊، وحلْمه، وصبره على الأذى، وما لقي أوّلًا من إخوتِه، ثم آخرًا لمّا وُجد الصّاع في رحل (٤) أخيه قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: من الآية ٧٧]، ولمّا قدموا المرّة الأولى فعرفهم وهم له منكرون، وهو حينئذ على خزائن الملْك، فلم [ق ٥٠/و] يَهِجْهُ ما فعلوا به، ولم تحرّكه القدرة عليهم على الانتقام منهم، بل قال: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٥٩]، ثم لمّا عَرفوه حين قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: من الآية ٩٠]، قالوا له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١]، فقال هو: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٩٢]؛ وهذا غاية في الحِلْم، فإنه عفا عنهم من قبل أن يَسألوه العفو، وأبوهم يعقوب ﵊ لمّا قالوا له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا [ذُنُوبَنَا] (٥)﴾ [يوسف: من الآية ٩٧]، قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: من الآية ٩٨]، قلنا هذه صفات حسنة، وأخلاق جميلة، وطباع كريمة، ولمحمّد - ﷺ - في ذلك عجائب لا يدرك مداها، ولا يبلغ منتهاها، من ذلك: أن اليهود
_________________
(١) في ب "بما".
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٢٥.
(٣) "كالدجال" ليس في ب.
(٤) في ب "رحال".
(٥) "ذنوبنا" زيادة من ب.
[ ٤٨١ ]
سحروه وأخبره جبريل - ﵇ - بالسّحر وبمن سحرَه ولم يعاقبه (١) مع ما كان مستحقًّا
للعقوبة مع مخالفته لدينه وغدره وخيانته لله ﷾ ولرسوله - ﷺ -، وكذلك اليهوديّة التي جعلت السُمّ في طعامه فإنه عفا عنهما ولم يعاقبهما (٢)، وهذا أعظم من عفو يوسف ﵊ (عن إخوته) (٣)، فإنّ القرابة والرّحم قلّ أن تسمح النّفس بالعقوبة لهم، ولا سيما مع طول المُدَد وتقادُم العهد، فإن جمرة الغضب إذا طال الزمان تَطفئ، وبَوادرَ الانتقام تسكن حينئذ وتخفى، وأمّا حلم (٤) محمد - ﷺ - عن قومه وما بالغوا معه في الأذى قولًا وفعلًا ولمّا مكّنه (٥) الله تعالى منهم يوم الفتح قال: «من دخل بيته فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ونحو ذلك (٦)، مع شدّة ما أسلفوه من العداوة،
_________________
(١) أخرج البيهقي في الدلائل (٧/ ٩٢)، من طريق عائشة ﵂، بلفظ: " فقيل: يا رسول الله، لو قتلت اليهودي. فقال رسول الله ﷺ: «قد عافاني الله ﷿، وما وراءه من عذاب الله أشد»، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٢٦٠) ح ٢٧٦١: "وهذا إسناد ضعيف جدًا"؛ وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٩٦)، تحقيق: إحسان عباس، الطبعة الأولى ١٩٦٨ م، دار صادر، بيروت:: أن لبيد بن الأعصم سحر النبي - ﷺ - حتى التبس بصره وعاده أصحابه، ثم إن جبريل وميكائيل أخبراه، فأخذه النبي - ﷺ - فاعترف فاستخرج السحر من الجب من تحت البئر، ثم نزعه فحله، فكُشف عن رسول الله - ﷺ -، وعفا عنه"، وأخرج ابن سعد في موضع آخر من الطبقات الكبرى (٢/ ١٩٩) عن عكرمة: "أن رسول الله - ﷺ - عفا عنه" وقال: "قال عكرمة: ثم كان يراه بعد عفوه فيعرض عنه، قال محمد بن عمر -الواقدي-: وهذا أثبت عندنا ممن روي أنه قتله".
(٢) قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٧٩): "اختلف الآثار والعلماء هل قتلها النبي - ﷺ - أم لا، فوقع فى صحيح مسلم أنهم قالوا: ألا نقتلها، قال «لا»،ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبى سلمة: أنه - ﷺ - قتلها، وفى رواية ابن عباس أنه - ﷺ - دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور وكان أكل منها فمات بها فقتلوها، وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله - ﷺ - قتلها، قال القاضي: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولًا حين اطلع على سمها وقيل له اقتلها فقال «لا»، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصًا، فيصح قولهم: لم يقتلها أى فى الحال، ويصح قولهم: قتلها أي بعد ذلك، والله أعلم".
(٣) "عن إخوته" ليس في ب.
(٤) في ب "حكم".
(٥) في ب "أمكنه" بزيادة الهمزة.
(٦) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٠٧)، كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة، ح ١٧٨٠، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
[ ٤٨٢ ]
وما أبدوه في حقّه من الأذى، قابلهم بهذا الحلم (١) الوافر، والإحسان العظيم، على تقارب العهد، والجرح طري ولم يندمل، حتى قالت الأنصار - ﵃ -: أما الرجل فأدركته الرأفَة بقومه والرغبة في قريته (٢)، على أن له من العقل والحلم والأفضال مما أشرنا إليه،
وما سنذكر منه ما (٣) ييسّر اللهُ تعالى بعونه ومشيئته على من آذاه، وسبَّه، وقصد مضرّتَه، بل وقتله من الكفار والمنافقين واليهود وغيرهم فضلًا عن الذين آذوه من قومه وأهله وبني عمّه ما تضيق عن حصره مجلّدات (٤) كثيرة، فعفوه عن الأجانب من المشركين واليهود وغيرهم [ق ٥٠/ظ] أعظم من عفوه عن أهله، وإن كان أذاهم مُمِضًّا مُرْمِضًا كما قال طَرفَة (٥):
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً (٦) على المرء من وقع الحسام المهنَّد
وكما جرى في قصّة غَوْرَث (٧) الذي جاء والنبي - ﷺ - نائم فاخترَط سيفه فانتبَه النبي - ﷺ - وغَورَث قائم على رأسه بالسيف صلتًا فقال له: مَن يمنعك منّي؟، فقال: «الله»، فألقى السيف من يده فلم يؤاخذه ولم يعاقبه (٨)، وكما ذكرنا من قصّة الساحر لبيد بن الأعصم اليهودي، واليهوديّة التي جعلت السمّ في طعامه ليأكله فيموت (٩)، وكالأعرابي الذي جاءه من خلْفه فجبذه بردائه حتّى أثّرت حاشية الرّداء في عنقه وقال أعطني من
_________________
(١) في ب "حكم".
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٠٧)، كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة، ح ١٧٨٠، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: "أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته".
(٣) في ب "مما".
(٤) في ب "مجارات".
(٥) طرفة بن العبد بن سفيان بن مالك البكري الوائلي. انظر: شرح المعلقات التسع ص ٣٨، منسوب لأبي عمرو الشيباني، تحقيق: عبدالمجيد همو، الطبعة الأولى ١٤٢٢، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
(٦) أشد مضاضة: أي أشد حرقة. شرح المعلقات التسع ص ٧٣.
(٧) غورث بن الحارث، ويحتمل أن يكون هو دعثور بن الحارث الغطفاني، فيكون أحد الاسمين لقب. انظر: الإصابة (٢/ ٣٨٧)، (٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
(٨) أخرج القصة مسلم (٤/ ١٧٨٦)، في كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس، ح ٢٢٨١، من طريق جابر بن عبدالله - ﵁ -، وجاء التصريح باسمه وعفو النبي - ﷺ - عنه في الدلائل للبيهقي (٣/ ٤٥٦) ح ١٢٧٢، وفي المعجم الأوسط للطبراني (٩/ ٥٢) ح ٩١١١٢.
(٩) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤١١ - ٤١٢.
[ ٤٨٣ ]
مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك وأمر له بعطاء (١)، وأشباه هذا مما يطول عَدُّهُ
وقد قدمنا قصّته (٢) مع أبي جهل حين أراد كيده والذي وضع الفرث والسّلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك.
وأما عصمة الله تعالى وتقدّس ليوسف ﵊ من امرأة العزيز، فإن الله تعالى رزق محمّدًا - ﷺ - العصمة الكاملة، والنعمة الشاملة، ولم يبتله بما ابتلى به يوسف ﵊ حتى ضجّ إلى الله تعالى فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٣٣]، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]، فأما محمد - ﷺ - فإن الله تعالى (مع) (٣) ما أعطاه من القوّة على الجماع حتى إنه كان يدور على نسائه ﵅ في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قيل لأنس: وهل كان يطيق ذلك، قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوة ثلاثين يعني ثلاثين امرأة، ويروي أنه تسّع لتسع نسوة (٤)، وقد كان يقبّل النساء وهو صائم فقيل له في ذلك، فقال: «أنا أملككم لإرْبه (٥)» (٦) والمراد بالإرب العضو، ويروى لأرَبه والمعنى لحاجته إلى النكاح (٧)، ومِلكُ الإرب والأربة التي
_________________
(١) أخرج البخاري بنحوه (٨/ ٢٤)، في كتاب الأدب، باب التبسم والضحك، ح ٦٠٨٨، ومسلم (٢/ ٧٣٠)، في كتاب الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة، ح ١٠٥٧، من طريق أنس بن مالك - ﵁ -، بلفظ "كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ - وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت إلى صفحة عنق رسول الله - ﷺ -، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - ﷺ - فضحك ثم أمر له بعطاء" واللفظ لمسلم.
(٢) في ب "قصة".
(٣) "مع" ليس في ب.
(٤) أخرج الروايتين عن أنس - ﵁ - البخاري (١/ ٦٢)، في كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد، ح ٢٦٨.
(٥) في ب "بأرَبه" بفتح الهمزة.
(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٣٠)، في كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم، ح ١٩٢٧، ومسلم (٢/ ٧٧٧) في كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، ح ١١٠٦، من طريق عائشة ﵂، بلفظ: "كان النبي - ﷺ - يقبل ويُباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه" واللفظ للبخاري.
(٧) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٧١): "أكثر المحدِّثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء وله تأويلان: أَحدهما أنه الحاجه يقال فيها الأرَبُ والإِرْبُ والإِرْبَةُ والمَأْرَبَةُ، والثاني: أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة".
[ ٤٨٤ ]
[ق ٥١/و] أعطيها محمّد - ﷺ - أعظم من (ملك) (١) حالة يوسف ﵊ (لهما) (٢) وأكمل، وأبلغ من ذلك أن الله تعالى عَصَم آباءَهُ من لدن عبدالله بن (عبد) (٣)
المطّلب إلى آدم ﵊ مِن السّفاح، فما التقى لمحمد - ﷺ - أبوان على سِفاح من سفاح الجاهلية (٤) ولا عَهْرٍ من عَهْرها حتى ولد طيبًا طاهرًا منزّهًا من كل عيبٍ وريب فقد عصمه الله تعالى وهو في ظهر أبيه أن يشتمل عليه فرجان من حرام كما في حديث الخثعميّة والمُرِيَّة لمّا مرّ أبوه عليهما ونور النبوّة بين عينيه فكل منهما قد دَعته إلى نفسها وبذلت له مائة من الإبل على أن يقع عليها فصانه الله تعالى وحفظه من أن يُلم أبوه بحرام إكرامًا له - ﷺ - (٥)، مع أنّ في أمّته من رُزق من الكرامة ماهي شبيهة بهذه
_________________
(١) "ملك" ليس في ب.
(٢) "لهما" ليس في ب.
(٣) "عبد" ليس في ب.
(٤) أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٤٠٢)، وأبو نعيم في الدلائل (١/ ٥٧) ح ١٤، من طريق علي بن أبي طالب - ﵁ -، بلفظ: "أن النبي - ﷺ - قال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء»، قال الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٦/-٣٢٩ - ٣٣٤) ح ١٩١٤، الطبعة الثانية ١٤٠٥، المكتبة الإسلامي، بيروت، في تخريجه حديث: «ولدت من نكاح لا سفاح» روي من حديث علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعائشة وأبي هريرة وخلاصته أن الحديث من قسم الحسن لغيره".
(٥) قال ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٩٥ - ٩٧)، في ذكر المرأة التي عرضت نفسها على عبدالله بن عبدالمطلب: " وقد أختلف علينا فيها فمنهم من يقول: كانت قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي أخت ورقة بن نوفل، ومنهم من يقول: كانت فاطمة بنت مر الخثعمية، -قال: - أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال حدثني محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن عروة قال وحدثنا عبيد الله بن محمد بن صفوان عن أبيه وحدثنا إسحاق بن عبيد الله عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم قالوا جميعًا هي قتيلة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل وكانت تنظر وتعتاف فمر بها عبد الله بن عبد المطلب فدعته يستبضع منها ولزمت طرف ثوبه فأبى وقال حتى آتيك وخرج سريعًا حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها فحملت برسول الله - ﷺ - ثم رجع عبد الله بن عبد المطلب إلى المرأة فوجدها تنظره فقال: هل لك في الذي عرضت علي فقالت: لا مررت وفي وجهك نور ساطع ثم رجعت وليس فيه ذلك النور، وقال بعضهم: قالت مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس ورجعت وليس هي في وجهك؛ -قال: - أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن بن عباس أن المرأة التي عرضت على عبد الله بن عبد المطلب ما عرضت امرأة من بني أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل؛ -قال: =
[ ٤٨٥ ]
وقد روي عن أبي بكر الزقاق (١) أنه قال: جاورت بمكة عشر سنين فكنت أشتهي اللبن، فغلبتني نفسي يومًا فخرجت إلى عُسْفان (٢)، واستضفت حيًّا من أحياء العرب فنظرت بعيني اليمنى إلى جارية حسناء لم أر أحسن منها فأخذت بقلبي فقلت: يا جارية قد أخذ كلّك بكلي فما فيّ لغيرك مطمع، فقالت: تقبَح بك الدعاوى العالية وأنت في أسر شهوة لو كنت صادقًا قد ذهبت عنك شهوة اللبن، قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت (بها) (٣) إليها، فقالت لي مِثلُكَ من نظر لله، فرَجعت إلى مكّة فطفت أسبوعًا ثم نمت فرأيت في منامي يوسفَ الصّدّيق - ﵇ - فقلت: يا نبي الله أقرّ الله عينك بسلامتك مِنْ إزليخا (٤) فقال لي: يا مبارك وأنت أقرّ الله (عينك) (٥) بسلامتك من العسفانيّة ثم تلى
_________________
(١) = وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي الفياض الخثعمي قال: مر عبد الله بن عبد المطلب بامراة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه وكانت قد قرأت الكتب وكان شباب قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقال يافتى من أنت فأخبرها قالت هل لك أن تقع علي وأعطيك مائة من الإبل فنظر إليها وقال: أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه، ثم مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب فكان معها ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرا كما رآه منها أولًا فذهبت مثلًا وقالت أي شيء صنعت بعدي قال وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب قالت: إني والله لست بصاحبة ريبة ولكني رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك في، وأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله "، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (١/ ١٣٠) ح ٧٢: من طريق عامر بن سعد عن أبيه سعد، بلفظ " أقبل عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - ﷺ -، وكان في بناء له، وعليه أثر الطين والغبار، فمر بامرأة من خثعم، فقال عامر بن سعد، عن أبيه في حديثه: فمر بليلى العدوية، فلما رأته، ورأت ما بين عينيه دعته إلى نفسها، وقالت له: إن وقعت بي فلك مائة من الإبل، فقال لها عبد الله بن عبد المطلب: حتى أغسل عني هذا الطين الذي علي، وأرجع إليك، فدخل عبد الله بن عبد المطلب على آمنة بنت وهب، فوقع بها، فحملت برسول الله - ﷺ - الطيب المبارك، ثم رجع إلى الخثعمية، وقال عامر: إلى ليلى العدوية، فقال: هل لك فيما قلت؟ قالت: لا يا عبد الله، قال: ولم؟ قالت: لأنك مررت بي، وبين عينيك نور، ثم رجعت إلي، وقد انتزعته آمنة بنت وهب منك، فحملت آمنة برسول الله - ﷺ - ".
(٢) في ب "الدقاق" بالدال المهملة وهو تصحيف من الزقاق، واسم أبي بكر: هو أحمد بن نصر، أبو بكر الزقاق الكبير، نسبة إلى بيع الزق وعمله، توفي سنة ٢٩١. انظر: طبقات الأولياء ص ٩١، لابن الملقن، تحقيق: نور الدين شريبه، الطبعة الثانية ١٤١٥، مكتبة الخانجي، القاهرة.
(٣) عسفان -بضم العين وسكون السين-: بلد من مسافة ثمانين كيلًا من مكة شمالًا على طريق المدينة. المعالم الأثيرة ص ١٩١ - ١٩٢.
(٤) "بها" ليس في ب.
(٥) أكثر المفسرين يذكرون اسم امرأة العزيز: (زليخا) بدون الهمزة، وممن وقفت عليه يذكر اسمها (إزليخا) بالهمزة: ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير (٤/ ١٩٨)، الطبعة الثالثة ذ ٤٠٤، المكتب الإسلامي، بيروت؛ ومقاتل بن سليمان في تفسيره (٢/ ١٤٥)، تحقيق: أحمد فريد، الطبعة الأولى ١٤٢٤، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٦) "عينك" ليس في ب.
[ ٤٨٦ ]
- ﵇ -: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَصِحتُ من طيب تلاوته، ورخامة
صوته، فانتبهت وإذا عيني المقلوعة صحيحة كما كانت (١)؛ على أنّ في بني إسرائيل من جرى له قريبًا من هذا وليس هذا من خصائص يوسف - ﵇ - وذلك ما ذكره ابن الجوزي في عيون حكاياته قال أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أخبرنا المبارك بن عبدالجبار قال أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أخبرنا أبو الحسن عبدالله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن حرب قال حدثني عبدالله بن محمد قال حدثني أبو عبدالله البلخي: أن شابًّا كان [ق ٥١/ظ] في بني إسرائيل لم يُرَ شابّ قطّ أحسن منه، وكان يبيع القِفَافَ (٢)، وبينا هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك (٣) بني إسرائيل فلمّا رأته رجعت مبادرة، فقالت لابنة الملك: يا فلانة، إني رأيت بالباب شابًا يبيع القفاف لم أر شابًا قطّ أحسن منه، فقالت: أدخليه فخرجت إليه، فقالت: يا فتى أدخل نشتري منك، فدخل، فأغلقت الباب دونه، ثم قامت فاستقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها، فقال لها: استتري عافاك الله، فقالت: إنّا لم ندعك لهذا إنما دعوناك لكذا -تعني: المراودة عن نفسه-، فقال لها: اتّق الله، قالت: إنّك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليّ تكابِرني عن نفسي، فأبى، ووعظها، فأبت، فقال: ضعوا لي وَضوءًا، فقالت: أعليّ، تعال يا جارية ضعي له وَضوءًا فوق الجوسق (٤) وهو مكان لا يستطيع أن يفرّ، ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعًا، فلمّا صار في أعلى الجوسق قال: اللهمّ
_________________
(١) ذكره السفاريني في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ص ٧٠، تحقيق: محمد الخالدي، الطبعة الثانية ١٤٢٣، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وعزاه للأزرقي في تاريخ مكة، ولم أقف عليه في نسختي المطبوعة من كتاب الأزرقي.
(٢) القُفَّة: شبه زبيل صغير من خوص يُجتني الرطب وتضع النساء فيه غزلهن. النهاية (٤/ ١٤٣).
(٣) في ب "الملوك" بزيادة أل، وهو خطأ.
(٤) الجوسق: القصر الصغير. المعجم الوسيط (١/ ١٤٧).
[ ٤٨٧ ]
إني دُعيتُ إلى معصيتك [وإني] (١) أختار أن أصبِر نفسي فألقِيها في هذا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قال: بسم الله وألقى نفسه من (٢) أعلى الجوسق، -قال: - فأهبط
الله تعالى إليه ملكًا، فأخذ بضَبْعَيْه فوقع قائمًا على رجليه فلمّا صار في الأرض قال: اللهم إن شئت رزقتني رزقًا تغنيني عن بيع هذه القفاف، فأرسل الله إليه جرادًا من ذهبٍ فأخذ منه حتّى ملأ ثوبه ثم قال: (اللهم) (٣) إن كان هذا رزقًا رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه، وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي به، قال: فنودي أن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءًا لِصبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق، فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة، قال: فرفع (٤)؛ وعفّة محمد - ﷺ - أعظم من عفة يوسف ﵊، ومحمد - ﷺ - أملك لأربه وإربه عن جميع الخلائق.
وأما قول يوسف ﵊ للملك: ﴿اجْعَلْنِي (٥) عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٥٥]، وولاية الملك له ذلك، وحسن تصرفه في سني الجدب، وما أعده لها في سني الخِصب؛ قلنا: هذا ما لا ريب فيه ولا شك يعتريه وحال محمد - ﷺ - في مثل ذلك أجمل، وفضله أكمل [ق ٥٢/و]، فإن يوسف ﵊ قال للمَلِك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: من الآية ٥٥] يعني: أرض مصر، فإن ذلك المَلك لم يكن يملك غيرها، وإن كانت حالة يوسف - ﵇ - من النبوّة وتبليغ الرسالة وإظهار الشريعة أكبر من تدبير مملكة مصر والتصرف في خزائنها، فإن محمدًا - ﷺ - عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض وأن تجرى له بطحاء مكة ذهبًا فأباها
_________________
(١) مابين المعقوفتين طمس في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٢) في ب "في"، وهو خطأ.
(٣) "اللهم" ليس في ب.
(٤) وجدته في نسختي المطبوعة من عيون الحكايات بغير إسناد، انظر عيون الحكايات لابن الجوزي: ص ١٤٢ - ١٤٣، تحقيق: عبدالعزيز سيد هاشم الغزولي، الطبعة الثانية ١٤٢٩، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وقد ذكره ابن الجوزي أيضًا في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، وفي كتابه ذم الهوى ص ٢٤٩ - ٢٥٠، تحقيق: خالد عبداللطيف السبع العلمي، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الكتاب العربي، بيروت.
(٥) في ب زيادة "اللهم" قبل "اجعلني"، وهو خطأ.
[ ٤٨٨ ]
وقد قدّمنا هذا المعنى؛ ثم إنّ تدبير محمد - ﷺ - في الجدب كان أصلح وأنفع للخلق (١)، ومحمّد - ﷺ - كان إذا أجدب قومُه دعا اللهَ (٢) تعالى فأنزل الغيث فعمّ البلدان
[وأحياها] (٣)، وأحيا أهلها (٤)، وتصرّفوا هم في معائشهم على مقتضى (٥) مصالحهم واختيارهم من غير حجْرٍ، ولا تقتير، ولا تضييق، وكانوا إذا أملقوا أو قلّت الأزواد سفرًا وحضرًا دعا بما بقي مَعَهم منها ثم دعا فيه بالبركة ثم أمرهم فأكلوا وتزوّدوا كما ذكرنا فيما مضى، وكذلك في الماء إذا أعوزهم كما سبق ذكْره، فهذا التدبير أكمل من تدبير يوسف ﵊، وهذا التصرّف أنفع من تصرّف يوسف ﵊، وهذا النفع أعمّ من نفع تدبير (٦) يوسف ﵊، لكن كان ليوسف ﵊ في ذلك مزيّة أخرى: وهو أنّ الله تعالى جَبَره (٧) وطيّب قلبَه بعد أن كان (في) (٨) قيد الاسترقاق، بأن أعطاه هذا التدبير الحسن، حتى ملّكه رقاب أهل مصر بأجمعهم، فإنه لما فوّض إليه تدبير الخزائن وأمور الناس فعل ما علّمه الله تعالى من جمع الطعام في سنبله في السّبْع السّنين المُخْصِبَة، وحفظه حتى دخلت السنون المُجدِبة فنفد ما عند الناس من الحبوب وسَلِم ماعنده، فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم في السَّنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى [ق ٥٢/ظ] لم يبق عبْد ولا أمة في يد أحد، وباعهم في السَّنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم، وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق
_________________
(١) في ب "الخلق"، وهو خطأ.
(٢) في ب زيادة "إلى" قبل لفظ "الله"، وهو خطأ.
(٣) "وأحياها" زيادة من ب.
(٤) في ب "أهلوها".
(٥) في ب "بمقتضى".
(٦) في ب "يد".
(٧) في ب "خيّره".
(٨) "في" ليس في ب.
[ ٤٨٩ ]
بمصر حرّ ولا حرّة إلا صار قِنًّا (١) له، فتعجب الناس من ذلك (٢)، فكان ذلك جبرًا لقلبه الذي انكسر حال استرقاقه، وتطييبًا لنفسه حين ملّكه
رقاب جميع أهل مصر، وهي عطيّة سنيّة، ومنّة من الله تعالى عظيمة، والذي أُعطي محمد - ﷺ - من هذا الجنس أعظم وهو ما تمالَأ (٣) عليه المشركون من أن لا يبايعوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يناكحوهم، حتى يُسلّموا إليهم رسولَ الله - ﷺ -، ففعلوا ذلك، فلمّا فعلوهُ وكتبوا الكتاب وتعاقدوا فيه على ذلك وجعلوا الكتاب في جوف الكعبة توكيدًا للأمر انحاز بنو هاشم وبنو (٤) المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبِه، وخرج منهم أبو لهَب وظاهرَ المشركين فأقاموا على ذلك (ثلاث) (٥) سنين وقطعوا الميرَة والمادّة عنهم، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغوا الجهد، ثم إنّ الله تعالى غضب لمحمّد - ﷺ - وسلّط الأرضة على صحيفتهم التي كتبوا فأكلت ما كان فيها من جور وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله تعالى واطّلع نبيّه - ﷺ - على ما كان من ذلك فذكرَه رسول الله - ﷺ - لعمّه أبي طالب فقال أبو طالب: أحَقٌ ما تخبرني به يا ابن أخي، قال: «نعم واللهِ» فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال: والله ما كذَبني قط، قالوا: فما ترى، قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم وتخرجوا إلى قريش فتذكروا ذلك لهم مِن قبل أن يبلغهم الخبر فخرجوا حتى دخلوا المسجد فقال أبو طالب: إنا قد جئنا في أمرٍ فأجيبوا (٦) فيه، قالوا: مرحبًا بكم وأهلًا، قال: إنّ ابن أخي قد أخبرني ولم يَكْذِبْني قطُّ أنّ الله تعالى سلّط على صحيفتكم الأرضة فَلَحِسَتْ كلّ ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها ما ذُكِرَ بهِ الله تعالى فإن كان ابن أخي [ق ٥٣/و] صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه (٧) إن شئتم، قالوا: قد أنصفتنا (٨) فأرسلوا إلى
_________________
(١) القن: الذي مُلك هو وأبواه. النهاية في غريب الأثر (٤/ ١٩١).
(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٥/ ٢٣٤)، الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢١٩).
(٣) في ب "وهو بمالأ"، وهو خطأ ظاهر.
(٤) في أ "وبنوا" بزيادة الألف، وهو خطأ.
(٥) "ثلاث" ليس في ب.
(٦) في ب "وأحسوا".
(٧) في ب "استحيتموه" بياء واحدة.
(٨) في ب "أنصفنا"بدون التاء.
[ ٤٩٠ ]
الصحيفة فلمّا فتحوها إذا هي كما قال رسول الله - ﷺ -، فسُقط في أيدي القوم ثم نكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب هل تبيّن لكم أنكم أولى بالظّلم والقطيعة، فلم يراجعه أحد منهم، ثم انصرفوا (١)، وقد كان اجتماعهم على كتابة الصحيفة وتمالؤهُم بخَيْف (٢) بني كنانة وهو المكان المعروف بالمُحَصّب (٣)، فلمّا أظهر الله تعالى محمدًا - ﷺ - على قومه ونصره عليهم، بعد أن أخرج مِن مكّة وبذلوا الأجعال والأموال لمن أتاهم به، فسلّمه الله تعالى منهم فلما كان يوم الفتح -فتح مكة- سلّطه الله تعالى عليهم، فقتل من قتل، واستبقى من استبقى، وعفا عمّن (٤) عفا، وملّكه الله تعالى أرضهم وديارهم، وأكسبه أموالهم وأولادهم، ثمّ لمّا حجّ قال لأصحابه يوم النحر وهو بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» يعني بذلك: المحَصَّب (٥)، فأراه الله تعالى نفسه والخلق طوع أمره (٦) وتحت حكمه، وأزمّة أمور العالم بيده في المكان، وكذلك لمّا منعوه في عُمرة الحديبية أن يَدخل مكة ورجع هو وأصحابه سلّطه الله تعالى عليهم يوم الفتح، ومكّنهم من رقابهم، ودخلها عليهم عنوة، وطاف حول الكعبة وجعل يشير إلى الأصنام التي حولها فتتساقط (٧) وهو يقول: «﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: من الآية ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: من الآية ٤٩]» (٨)، فكان ما أعطاه أعظم مما أعطى يوسف عليه
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٨٠.
(٢) خَيْف -بفتح الأول وياء مثناة ساكنة-: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء. المعالم الأثيرة ص ١١٠.
(٣) في ب "بالحصب"، والمحصب -بالضم ثم الفتح وصاد مهملة مشددة-: هو موضع فيما بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، ويعرف اليوم بمجر الكبش، وهو مما يلي العقبة الكبرى من جهة مكة إلى منفرج الجبلين. المعالم الأثيرة ص ٢٤٠.
(٤) في ب "من".
(٥) أخرجه البخاري (٢/ ١٤٨)، كتاب الحج، باب نزول النبي - ﷺ - مكة، ح ١٥٩٠، ومسلم (٢/ ٩٥٢)، كتاب الحج، باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر، ح ١٣١٤، من طريق أبي هريرة - ﵁ -.
(٦) في ب "أميره".
(٧) في ب "فتساقط" بتاء واحدة.
(٨) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٢.
[ ٤٩١ ]
الصلاة والسلام من ملك مصر، وتسلّطه على المشركين أكمل من تسلط يوسف على أهل مصر، وقد كان محمد - ﷺ - تأتيه الأموال
العظيمة من الفتوح فيقسمها بين الناس فما يقوم وقد بقي عنده منها شيء، ولمّا غنم أموال هوازن وسَبى ذراريهم أمَتُّوا إليه بالرضاع فيهم فقال: «ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لله ولكم»، فقالت الأنصار: ما (كان) (١) لنا فالله ولرسوله - ﷺ -، فردّ عليهم جميع سبيهم (٢)، فذُكر أنّ الذي أطلقه لهم قُوّم بخمس مائة ألف ألف درهم، وكان عطاؤه - ﷺ - عطاء من لا يخاف الفقر [ق ٥٣/ظ] ولا يخشى الفاقة (٣)، كان يَقسم فيعطي الرجل المائةَ من الإبل والمائةَ من الغنم وأعطى مرّة غنمًا بين جبلين (٤)، حتى استغنى أصحابه، وتموّلوا حتّى صاروا أغنياء، ومنهم من صار ملكًا كمعاوية، وأمراء كغيره مما هو مشهور في كتب سيرهم وأخبارهم، فكان حال الخلق في أيام محمد - ﷺ - أحسن وأطيب من حال الناس في زمان يوسف ﵊، وكان عتق محمد - ﷺ - لهوازن ومنّه عليهم بذلك بعد تملّكهم أعظم من تملّك يوسف ﵊ أهل مصر، ولا ريب أنّ المعتق بعد التملّك أعظم درجة من المتملّك بغير عتق.
فإن قيل: إن يوسف ﵊ لمّا رادوته امرأة العزيز عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت: هيت لك، (قال) (٥): معاذ الله، فاستعصم - ﵇ - عن إجابتها إلى ما أرادت فهدّدتْه بالسجن دعا ربَّه سبحانه فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
_________________
(١) "كان" ليس في ب.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٣٩٤) ح ٦٦١، تحقيق: محمد شكور، الطبعة الأولى ١٤٠٥، المكتب الإسلامي، بيروت، وفي المعجم الأوسط (٥/ ٤٥) ح ٤٦٣٠، وفي المعجم الكبير (٥/ ٢٦٩ -) ح ٥٣١٠، من طريق زهير بن صرد الجشمي، وأخرجه مطولًا: الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٧٠) ح ٥٣١١، وأحمد (١١/ ٦١٢ - ٦١٣) ح ٧٠٣٧، والنسائي (٦/ ٢٦٢)، كتاب الهبة، ح ٣٦٨٨، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٤)، من طريق عبدالله بن عمرو - ﵁ -، قال الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٥٧٠: "حسن".
(٣) أخرج مسلم (٤/ ١٨٠٦)، في كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال لا وكثرة عطائه، ح ٢٣١٢، من حديث أنس - ﵁ -، بلفظ: "ما سئل رسول الله - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة".
(٤) تقدم في الحديث السابق.
(٥) "قال" ليس في ب.
[ ٤٩٢ ]
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: من الآية ٣٣ - ٣٤]، ولا شكّ أنه لو دعا بالسلامة من السجن أيضًا لسلّمه الله تعالى منه، ولكن كان في ضمن سجْنه (١) حِكَمٌ أظهرها الله سبحانه من براءة ساحته حتى أقرّت المرأة بأنها (هي التي) (٢) راودته عن نفسه وأنه من الصادقين، وغير ذلك من الحكم التي لبسطها مكان آخر؛ قلنا: قد استجاب الله تعالى دعاء من هو دون يوسف ﵊ في النبوّة، بل قد استجاب لكثير (٣) من صالحي عباده، وما أوتِيَهُ محمّد - ﷺ - من ذلك مشهور معروف من إجابة (٤) دعائه ونجاته من كيد مَن أراده بسوء، كما دعا على الملأ من قريش الذين قتلهم الله تعالى على يديه يوم بدر (٥) وكثير من أمثال ذلك مما يطول الكتاب جدًّا بذكره.
فإن قيل: إن يوسف ﵊ قاسى مرارة الفرقة وامتُحِن بالغربة عن أبيه وأهله ووطنه، قيل: الذي قاسى محمد - ﷺ - من فراق بلدهِ الحرام والمشاعر العظام ووطنه ومسقط رأسه أعظم من ذلك، فقد أُلجئ إلى مفارقة حَرَم الله الآمن، فخرج متلفتًا إلى البيت وقال [ق ٥٤/و] وهو حزين مستعبر: «والله إنّي لأعلم أنك أحبّ البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منكِ ما خرجت» (٦)، ولما ورد المدينة كانت وبيئةً فوُعك أصحابُه - ﵃ - فقال: «اللهم العن فلانًا (و) (٧) فلانًا كما أخرجونا من مكة» (٨)،
وأراهُ الله
_________________
(١) في ب "السجن".
(٢) "هي التي" ليس في ب.
(٣) في ب "أكثر".
(٤) في ب "إجابته".
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٣٣.
(٦) أخرجه الترمذي (٥/ ٧٢٢)، أبواب المناقب، باب في فضل مكة، ح ٣٩٢٥، من طريق عبدالله بن عدي - ﵁ -، بلفظ: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥١٧).
(٧) "و" ليس في ب.
(٨) أخرجه البخاري (٣/ ٢٣)، كتاب فضائل المدينة، باب كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة، ح ١٨٨٩، من طريق عائشة ﵂، بلفظ: «اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء »
[ ٤٩٣ ]