الأنساب كلها منقطعةٌ إلا نسبه وأُوجِبَ على المصلي أن يجيبه إذا دعاه وأبيح له الحكم لنفسه وقبول الشهادة ممن شهد له بقوله لقضيّة خزيمة (١).
فصل
واختص بأن جمع فيه معاني وصفات لم تجتمع في غيره من جمال صورته، وتناسب أعضائه في حسنها وصحّتها واعتدال أشكالها، ونظافة جسمه، ونزاهته [ق ٦٥/و] عن الأدناس والأقذار، ووفور عقله، وذكائه، ودقّة فطنته، وقوّة حواسّه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، ومعاملته للخليقة على اختلاف طبقاتهم (٢) وتباين غَرَائزهم بما يلائم أحوالهم، وتدبير بواطنهم وظواهرهم بما يُصلح شؤونهم، وسياسة الخاصة والعامّة بما فيه انتظام حال دينهم ودنياهم، يُعاملهم في كل ذلك ببدائع سيرته، وسعة حلمه، وكثرة تواضعه، وجودة شمائله، وهذه أمور مبسوطة في أمهات الكتب المصنّفة في شمائله وبيان فضله وفضائله.
فصل
ومن خصائصه الكبار ما قدّمنا الإشارة إليه في ليلة الإسراء به - ﷺ - قولُه ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: من الآية ١] فمن مقدمات الإسراء ما أخرجه البخاري
_________________
(١) لما وقعت قضية الأعرابي مع رسول الله - ﷺ -، وشهد خزيمة بن ثابت - ﵁ - لرسول الله - ﷺ -، جعل النبي - ﷺ - شهادته له بالدرع بشهادة رجلين، وحكم بها، مع أن الله تعالى فرض علينا في الحقوق المالية وما في حكمها شهادة الرجلين من الرجال أو عن كل رجل امرأتان، فقبل النبي - ﷺ - شهادة رجل واحد؛ لكنها في قضية معينة، وهي قضية خزيمة بن ثابت وقال له: «بم تشهد؟ فقال: بتصديقِك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ، شهادة خزيمة بشهادة رجلين». سنن أبي داود (٣/ ٣٠٨)، في كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، ح ٣٦٠٧، قال الألباني: "صحيح".
(٢) في ب ونسخة بهامش أ "طبائعهم".
[ ٥٣٢ ]
ومسلم في صحيحيهما (١) من حديث مالك بن صعصعة قال: قال النبي - ﷺ -: (بينا) (٢) أنا عند البيت - أو قال: في الحطيم (٣) (٤) - بين النائم (٥) واليقظان (٦) جاءني ثلاثة نفر وذلك قبل أن يوحى إليّ فقال أوّلهم: أيّهم هو، قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكان تلك الليلة، فلم يَرَهم حتى أتوه ليلةً أخرى فيما يرى قلبُه وتنام عينُه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء ﵈ تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلّموه حتى احتملوه، فوضَعوه عند زمزم، فتولّاه منهم جبريل، فشقّ من نحره إلى اللبّة، وقال قتادة: فشق من النحر إلى مراق (٧) البطن (٨) فاستخرج قلبي (٩)، زاد مسلم: فشق عن قلبي فاستخرج القلب فاستخرج منه علقه فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله (١٠)، قال البخاري: بماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب
ممتلئ إيمانًا وحكمة، فحشى به صدْرَه ولغاديده -يعني: عروق حلقه- ثم أطبقه (١١) ثم اُتِيتُ بدابة فوق الحمار ودون البغل أبيض يضع حافرة عند منتهى طرفه فحملت عليه (١٢)،
_________________
(١) الخبر مجموعًا من أحاديث شتى كما سيأتي تخريجهم.
(٢) "بينا" ليس في ب.
(٣) في ب "الحطين".
(٤) أخرج الرواية البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٥) في ب زيادة "النائم" ثانية، وهو خطأ.
(٦) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٩)، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ح ٣٢٠٧؛ ومسلم (١/ ١٤٩)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٤.
(٧) مراق البطن -بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف-: هو ما سفل من البطن ورق من جلده وأصله مراقق وسميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد.
(٨) في ب "النّطن"، وهو خطأ ظاهر.
(٩) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٩)، بنحوه في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ح ٣٢٠٧، ومسلم (١/ ١٥١)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٤.
(١٠) أخرجه مسلم (١/ ١٤٧)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٢.
(١١) أخرجه البخاري (٩/ ١٤٩)، كتاب التوحيد، باب قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١٦٤]، ح ٧٥١٧.
(١٢) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧؛ ومسلم وسيأتي تخريجه في في الحاشية التالية.
[ ٥٣٣ ]
زاد مسلم قال: «فركبته حتى أتيت باب المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء - قال: - ثم دخلت المسجد وصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل [ق ٦٥/ظ] بإناء من خمرٍ وإناء من لبن فأخذت اللبن فقال جبريل: أخذت الفطرة (١)، قال البخاري: فانطلق بي جبريل حتى أتى السّماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ونعم المجيء جاء ففتح (٢)، فلما علونا السّماء إذا (٣) رجل عن يمينه أسودة، وعن شماله أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم فسلّم عليه، فسلّمت عليه فردّ علي السّلام وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، وأهل الشمال منهم أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى -قال: - ثم عَرج بي (جبريل) (٤) حتى أتى (٥) السّماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا، قال: جبريل، قيل: ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد أرسل (إليه) (٦)، قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء ففُتح لنا (٧)، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما ثم قالا مرحبًا بالأخ الصّالح والنبي الصالح (٨)، زاد مسلم:
_________________
(١) الزيادة أخرجها مسلم (١/ ١٤٥)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات.
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٣) في ب "فإذا".
(٤) "جبريل" ليس في ب.
(٥) في ب "ثم عرج بي إلى".
(٦) "إليه" ليس في ب.
(٧) أخرجه البخاري (٤/ ١٣٥)، بنحوه في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ذكر إدريس - ﵇ -، ح ٣٣٤٢، ومسلم (١/ ١٤٨)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٣.
(٨) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٣)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢]، ح ٣٤٣٠.
[ ٥٣٤ ]
فَنعتَ عيسى فإذا هو ربعة أحمَرُ كأنه خرج من ديماس - يعني: حمامًا - (١)، فإذا أقربُ من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود (٢)، قال البخاري: ثم صعد بي إلى السّماء الثالثة فاستفتح فقيل: من هذا، قال: جبريل، قيل: ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه، قال: نعم، قال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء ففتح لنا، فلمّا خلصت فإذا يوسف (٣)، زاد مسلم: وإذا هو قد أعطي شطرَ الحسن (٤)، قال البخاري: «هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فردّ السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل (٥): من هذا، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا أنا بإدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فردّ ثم قال (٦): مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل (٧): من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن
معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصلت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، فقال مرحبًا بالأخ الصالح والنّبيّ [ق ٦٦/و] الصّالح، ثم صعد حتى أتى السّماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلمّا خلصت فإذا موسى (٨)، زاد مسلم: رجل ضرب جعد رجل الرّأس كأنّه من رجال
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٥٤)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٨.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ١٥٣)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٨.
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ١٤٥)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٢.
(٥) في ب "فقيل".
(٦) في ب "فقال".
(٧) في ب "فقيل".
(٨) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
[ ٥٣٥ ]
شنوءة (١) (٢)، قال البخاري: فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فرَدّ السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنّبيّ الصالح، فلمّا (٣) جاوزت بكى، قيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنّ غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمّته أكثر ممن يدخلها من أمّتي، ثم صَعد بي إلى السّماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم (٤)، زاد مسلم: أقربُ من رأيتُ به شبهًا صاحبكم -يعني: نفسه- (٥)، قال البخاري: قال: هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح (٦)، وفي حديث أنسٍ: إبراهيمُ في السماء السادسة وموسى في (السماء) (٧) السابعة بفضل كلام الله ثم عَلا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله تعالى، فقال موسى: لم أظُنّ أن يُرفَع عليّ أحدٌ، قال النبي - ﷺ -: ثم رُفِعَتْ لي سدرة المنتهى (٨)، زاد مسلم: فلمّا غشيها من أمر الله ما غشى تغيّرتْ حتى لا يستطيع أحدٌ أن ينعتها من حسنها (٩)، قال البخاري: «فإذا نبقها مثل قلال هجر، وَإذا ورقها مثْل آذان الفِيَلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ماهذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان:
_________________
(١) شنوءة -بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة، وقيل: بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو، وشنوءة هو عبد الله بن كعب بن مالك بن نضر بن الأزد وسمي شنوءة لشنآن كان بينه وبين قومه. فتح الباري (٤/ ٩٢).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ١٥٦)، في كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، ح ١٧٢.
(٣) في ب زيادة "ثم" بعد "فلما".
(٤) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ١٥٦)، في كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، ح ١٧٢.
(٦) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٧) "السماء" ليس في ب.
(٨) أخرجه البخاري (٩/ ١٤٩)، في كتاب التوحيد، باب قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١٦٤]، ح ٧٥١٧.
(٩) أخرجه مسلم (١/ ١٤٥)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٢.
[ ٥٣٦ ]
فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات (١)، ثم رُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل - ﵇ - فقال: هذا البيت المعمور يُصَلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يَعُودوا إليه آخر ما عليهم (٢)، ثم أُتِيت بإناء من خمْرٍ، وإناء من لَبَنٍ، وإناء من عَسَلٍ، فأخذت اللّبن، فقال: هذه الفطرة أنت عليها وأُمَّتُكَ ولو أخذْتَ الخمْر لغوَتْ أُمَّتُك (٣)، زاد البخاري: إناء العَسَل (٤) وأنه - ﷺ - أُعطي هذه الأواني الثلاثة بعد أن صَعد إلى سدرة المنتهى، وقد تقدم لمسلم: أنه أُعطي الخمر واللبن [ق ٦٦/ظ] وهو في بيت المقدس قبل أن يُعرَج به إلى السّماء (٥)، فالله أعلم أيّ ذلك كان ولعلّه من قول الراوي قَدّم وأخّر، قلت: ولو قيل: إن الواقعة ثنتان وأنه أُعطي ذلك في بيت المقدس مرّة وعند البيت المعمور أخرى لا سيّما ورواية البخاريّ فيها زيادة: «إناء العسل» والله أعلم، قال البخاريّ: ودَنا الجبّار فقربني حتّى كان قابَ قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أحوى (٦)، قال ابن عباس: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسْمَعُ
فيه صريف الأقلام (٧)، زاد غيره: وانقطع عنّي زَجَلُ المسبِّحِين وخُيّل إليّ أنّه مات مَن تحت العرش ورأيتُني كالقنديل المعلّق في الهواء (٨)؛ ثمّ فُرضتْ عليّ الصلاة خمسين صلاةً كلّ يوم وليلة، فرجَعتُ فمررت على موسى، فقال: بم أُمِرتَ؟ فقلت: بخمسين صلاةً كلّ يوم وليلة، قال: فإن أمّتك لا تستطيع خمسين صلاةً كلّ يوم وليلةٍ، وإنّي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٩)، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ح ٣٢٠٧.
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٥٤)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٨.
(٤) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٥) أخرجه مسلم (١/ ١٤٥)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٢.
(٦) أخرجه البخاري (٩/ ١٤٩)، بنحوه في كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١٦٤]، ح ٧٥١٧.
(٧) أخرجه البخاري (٤/ ١٣٥)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ذكر إدريس - ﵇ -، ح ٣٣٤٢، ومسلم (١/ ١٤٨)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٣.
(٨) ذكرها بنحوها عبدالرحمن الصفوري في نزهة المجالس ومنتخب النفائس (٢/ ١١٥)، ١٢٨٣، المطبعة الكاستلية، مصر.
[ ٥٣٧ ]
والله قد جرَّبتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، (فارجع إلى ربّك فسله التخفيف لأمّتك) (١) فرجَعتُ فوضع عني عشرًا، فرَجعت إلى موسى فقال مثلَه، فرجَعْتُ فوَضع عنّي عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فأُمرت بعشر صلوات كلّ يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال: بما أُمِرتَ، فقلت: بعشر صلوات فقال مثله، فرجعت فأُمِرتُ بخمس صلواتٍ، فرجعتُ إلى موسى فقال: بما أُمِرتَ؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم وليلة، قال: إن أمّتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وليلة، وإنّي قد جرّبت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة (٢) على أدنى منها فضيّعوها وترَكوا وأمّتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأسماعًا وأبصارًا فارجع فليخفّف عنك ربّك، كل ذلك يلتفت النّبيّ - ﷺ - إلى جبريل ليشير (٣) عليه فلا يَكره ذلك جبريل، فرفعه جبريل عند الخامسة فقال: يا ربّ إن أمّتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفّف عنهم، فقال الجبّار: يا محمّد، قال: لبيك وسعديك، قال: لا يبدّل القول لديّ، كما فرضته عليك في أُمِّ [ق ٦٧/و] الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في
أم الكتاب، وهي خمس عليك (٤)، زاد مسلم: قال: يا محمّد إنها خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هَمَّ بحسنة فلم (٥) يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرًا، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كُتِبَت سيّئةً واحدةً (٦)، قال البخاري: فرجع إلى موسى فقال: كيف فَعلت؟ قال: خَفَّف عنّا، أعطانا بكُلّ حسنة عشْرَ أمْثالها، فقال: موسى - ﵇ -: قد والله راودتُ
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ب.
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٣) في ب "أشير" وهو خطأ.
(٤) أخرجه البخاري (٩/ ١٤٩)، بنحوه في كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١٦٤]، ح ٧٥١٧.
(٥) في ب "ولم".
(٦) أخرجه مسلم (١/ ١٤٥)، في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، ح ١٦٢.
[ ٥٣٨ ]
بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربّك فليخفّف عنك (١)، قال: قد سألت ربّي حتّى استحييت، ولكنّي أرضى وأسلّم، فلمّا جاوزت ناداني منادٍ: أمضيتُ فريضتي، وخفّفت عن عبادي فاهبط بسم الله (٢)، قال مسلم: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي وإذا عيسى قائم يصلي وإذا إبراهيم قائم يصلي فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: (يا) (٣) محمّد هذا مالك خَازن النار فسلم عليه فالتَفَتُّ إليه فبدأني بالسلام (٤)، وفي رواية: ثم أخذ جبريل بيدي فأهبطني إلى الأرض فأراني عجائب الأرضين ومكامنها وما خلق الله تعالى فيها ثم ردّني (إلى مكة) (٥) قبل طلوع الفجر، فلما أصبحت حدّثتُ قريشًا بما رأيتُ بعيني فكذّبوا ثم قال بعضهم اتركوه حتى نسأله عن آية فإنّ لنا رُكبانًا بالشام فتسأله عنها فقالوا: أخبرنا يا محمّد عن عِيرنا فهي أهمّ إلينا هل لقيتَ منها من شيء، قال: نعم مررت
على عير بني فلان وهي في الرّوحاء (٦) وقد أضَلُّوا بَعِيرًا لهم وهم في طلبه وفي رحلهم قدح من ماء فأخذته وقد عطشت فشربته ثم وضعْته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا، فقال: هذه آية، قال: (و) (٧) مررت بعِيرِ بني فلانٍ وفلانٌ وفلانٌ راكبان على قَعُودٍ لهما بذي مَرٍّ فنفَر بكرهما منّي فرَمى بفلان فانكسرت يده فسَلوه عن ذلك، فقال: هذه آية، فقالوا: أخبرنا عن عِيرِنا متى تجيء؟، فقال: مررت بها في التنعيم، قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ فمُثّلتْ له بمكانها بعدتها وأحمالها وهيئتها ومن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٤٩)، بنحوه في كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١٦٤]، ح ٧٥١٧.
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٥٢)، بنحوه في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ح ٣٨٨٧.
(٣) "يا" ليس في ب.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ١٥٦)، بنحوه في كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، ح ١٧٢.
(٥) "إلى مكة" ليس في ب.
(٦) قرية صغيرة على مسافة ٧٣ كيلًا من المدينة على طريق مكة، ظلت محطة للجمال، فلما جاءت السيارات تأخرت وقل نزلها، والموجود بها اليوم مقهيان، وليس بها زرع، وسميت الروحاء لانفتاحها ورواحها، وأول من سماها بالروحاء هو تُبَّع لما رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة فنزل بالروحاء وأقام بها وأراح فسماها بذلك. انظر: معجم معالم الحجاز (٤/ ٧١٨ - ٧١٩)، المعالم الأثيرة ص ١٣١.
(٧) "و" ليس في ب.
[ ٥٣٩ ]
فيها [ق ٦٧/ظ]، فقالوا له: صفها لنا، فقال لهم: صفتها كذا وعدتها كذا وفيها فلان يقود جملًا أورق عليه غرارتان محيطتان يَطْلُعُ عليكم عند طلوع الشمس، قالوا: هذه آية وتبادروا الخروج نحو الثنيّة وهم يقولون: والله لقد قصّ محمّد شيئًا وبَيَّنَه حتى أتوا كَداء (١) (٢) فجلسوا عليه ينظرون (٣) إلى الشمس إذ (٤) قال قائل منهم: هذه واللهِ الشمسُ قد طلعت وقال قائل منهم: هذه واللهِ الإبلُ قد طلعت يَقدمُها بَعِيرٌ أورق عليه غرارتان محيطتان فيها فلان وفلان كما قال لهم رسول الله - ﷺ - (ثم) (٥) امتحنوا بعد ذلك ما قيل لهم عن عير بني فلان فوجدوا ذلك كما أخبرهم فما آمنوا ولا أفلحوا (٦)، وقد كان أبو بكر الصّدّيق - ﵁ - قد سافر إلى بيت المقدس وعرف ما فيه مع من (٧) عرف ذلك فذهبوا إليه وقالوا له: إن صاحبك يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة ورجع (٨)، قال: أو قال ذلك، قالوا: نعم، قال: فأشهد إن قال ذلك فقد صدق، قالوا: أتصدّقه في أنه ذهَب إلى بيت المقدس في ليلة ثم رجع، قال: نعم أُصدّقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء غدوًا وعشيًا فسمّي بذلك الصديق (٩)، ثم ذهب أبو بكر معهم إليه، فقالوا له: أخبرنا ما كان عن يمينك حين دخلته وما كان عن يسارك وما استقبلك فأخبرهم بذلك، فقال أبو بكر الصّدّيق: صَدَقْتَ؛ وفي صحيح مسلم قال: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم
_________________
(١) في ب "كذا".
(٢) كداء -بالفتح والمد-: "هي التي دخل فيها المسلمون يوم الفتح. قال حسان: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء وهو ما يعرف اليوم «ريع الحجون»، يدخل طريقه بين مقبرتي المعلاة، ويفضي من الجهة الأخرى، إلى حيّ العتيبة وجرول. انظر: المعالم الأثيرة ص ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) في ب "ينتظرون".
(٤) في ب "فإذا".
(٥) "ثم" ليس في ب.
(٦) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٦٤.
(٧) في ب "ما فيه ممن".
(٨) في ب "المقدس ورجع أفي ليلة".
(٩) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٤٦) ح ٦٥٢.
[ ٥٤٠ ]
أُثبتها، فكربت كربةً ما كُرِبتُ مثلها (١) قط - قال: - فرفعه الله تعالى إليّ انظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» (٢)، وحديثُ الإسراء مخرَّج في الصحاح وغيرها بطرق وعبارات متنوعة، وفيه من المعجزات والأمور التي اختصّ بها محمد - ﷺ - دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما تكلّ الألسنة عن وصفه وشرحه، وقد رواه الإمام أبو إسحاق الثّعلبي في تفسيره وساق طرقه ولخّص المتن تلخيصًا حسنًا أدخل حديث بعض الرواة في بعض قال: "قالوا: قال رسول الله - ﷺ -[ق ٦٨/و]: لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم واليقظان، جاءني جبريل - ﵇ - فقال: يا محمد قم فقمت، فإذا جبريل ومعه ميكائيل ﵉، فقال جبريل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم لكيما أطهرَ قلبَه وأشرَح صدره - قال: - فشق بطني فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدري ونزع ما كان (فيه) (٣) من غلّ وملأه علمًا وحلمًا وإيمانًا وختم بين كتفيَّ بخاتم النبوة، ثم أخذ جبريل بيدي حتى انتهى بي إلى سقاية زمزم، فقال لملك: ائتني بتور (٤)
من ماء زمزم ومن ماء الكوثر، فقال: توضّأ، فتوضّأت، ثم قال لي: انطلق يا محمد، قلت: إلى أين؟ قال: إلى ربك وإلى رب كل شيء، فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا أنا بالبراق دابّة فوق الحمار ودون البغل خدّه كخدّ الإنسان وذَنَبُه كَذنب البعير وعُرفه (٥) كعرف الفرس وقوائمُه كقوائم الإبل وأظلافه كأظلاف البقر صدره كأنه ياقوتة (٦) حمراء وظهره كأنّه درّة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في فخذيه يَمرُّ مثل البرق خطوه منتهى طَرْفه فقال لي: اركب، وهي دابّة إبراهيم ﵊ التي كان يزور عليها البيت الحرام - قال: - فلما وضعت يدي عليه تشامسَ واستصعَب علي، فقال جبريل: مَه يا براق، فقال البراق: يا جبريل مسّ صُفرًا، فقال جبريل: يا محمد هل مسست صفرًا، قال: لا
_________________
(١) في ب "ما كربتها".
(٢) صحيح مسلم (١/ ١٥٦)، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، ح ١٧٢.
(٣) "فيه" ليس في ب.
(٤) التور: إناء معروف تذكره العرب تشرب فيه. لسان العرب (٤/ ٩٦).
(٥) في ب "وعرف" بدون الهاء.
(٦) في ب "ياقوت" بدون التاء المربوطة.
[ ٥٤١ ]
والله إلا (١) أني مررت يومًا على يساف ونائلة فمسحت يدي على رؤوسهما وقلت: إن قومًا يعبدونكما من دون الله لفي ضلال [مبين] (٢)، فقال جبريل: يا براق أما تستحيي فوالله ما ركبك منذ كنت قط نبيّ أكرم على الله - ﷿ - من محمد - قال: - فارتعش البراق وانصبّ عرقًا حياء مني، ثم خفض لي حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت عليه فامرّ بي جبريل - ﵇ - نحو المسجد الأقصى يخطُو البراقُ مدَّ البصر وجبريل - ﵇ - إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته، فبينا أنا في مسيري إذ أتاني نداء عن يميني فقال: يا محمد على رسلك اسألك يقولها ثلاثًا فلم أثْوِ عليه فجازوته [ق ٦٨/ظ]، ثم أتاني نداء عَنْ يساري فقال: يا محمد على رسلك أسألك يقولها ثلاثًا فلم أثو عليه ثم مضيت حتى جاوزته، فإذا أنا بامرأة عجوز رفعتْ لي عليها من كل زينة وبهجة تقول (٣): يا محمد إليّ، فلم التفت إليها، فلما جاوزتها قلت: يا جبريل من هذا الذي ناداني عن يميني؟ قال: داعية اليهود والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت أمتك من بعدك، والذي ناداك عن يسارك داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبته لتنصرت أمّتك من بعدك، وأما التي رفعت لك بهجتها وزينتها فهي الدنيا لو لوَيتَ عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، ثم أُتِيتُ بإناءين: أحدهما لبن والآخر خمر، فقيل لي: اشرب أيّهما شئت، فأخذت اللبن فشربته، فقال جبريل: أصبت الفطرة أنت وأمّتك، أما إنك لو أخذت الخمر لغوت أمتك من بعدك - قال: - ثم سار رسول الله - ﷺ - وسار جبريل معه فأتى على قوم يزرَعُون ويحصدون في يوم واحد، كلّما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي - ﷺ - لجبريل: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تُضاعَف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين، (قال) (٤): ثم أتى على قوم تُرضَخُ رؤوسُهم بالصخر كلّما رضخت عادت كما كانت لا يُفتر عنهم من ذلك شيئًا، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين تثاقل رؤوسُهم عن الصّلاة المكتوبة، ثم
_________________
(١) في ب "قال: والله لا"، وما أثبته من أهو الصواب.
(٢) "مبين" زيادة من ب.
(٣) في ب "فقال لي"، وهو خطأ.
(٤) "قال" ليس في ب.
[ ٥٤٢ ]
أتى على قوم أقْبَالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما يسرح الأنعامُ إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ فقال (١): هؤلاء الذين لا يؤدّون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلاّم للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم في قِدرٍ نضيجٌ طيبٌ ولحم آخر خبيثٌ، فجعلوا يأكلون الخبيث ويَدَعون النّضيج الطيب، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة حلالًا طيبًا فيأتي امرأةً خبيثةً ويبيت معها حتى يصبح، والمرأة تقوم من [ق ٦٩/و] عند زوجها حلالًا طيّبًا فتأتي الرجلَ الخبيث فتبيت معه حتى تصبح، ثم أتى على خشبة في الطريق لا يمُرُّ بها ثوب إلا شقته ولا شيء آخر إلا فتّته، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا مَثَلُ أُمّتك (٢) يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ الآية [الأعراف: ٨٦] ثم أتى على رجل قد جَمَع حُزمةً عظيمةً لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، قال (٣): ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك عليه أماناتُ الناس لا يقدر على أدائها وهو يَزيدُ عليها، ثم أتى على قوم تُقرَضُ ألسِنَتُهم وشفاههم بمقاريض
من حديد، كلّما قُرِضَتْ عادَتْ كما كانت، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ثم أتى على جُحْرٍ صغير يخرج منه ثور عظيم فجعَل الثور يريد أن يرجع من حَيثُ خرج فلا (٤) يستطيع، قال: ما هذا؟ قال: هذا الرجل من أمّتك يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردّها، قال: ثم أتى على وادٍ فوجدَ ريحًا باردةً طيّبةً وصوتًا، قال: ما هذه الريح الطّيّبة وما هذا الصوت؟ قال (٥): هذا صوت الجنة، تقول: ربّ ائتني بما وعدتني فقد كثر غُرَفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري (٦) ولؤلؤي ومرجاني وفضّتي وأكوابي وصحافي وأباريقي
_________________
(١) في أ "قال" بدون الفاء.
(٢) في ب "هذه أمتك"، وما أثبته من أهو الوارد في تفسير الثعلبي (٦/ ٥٧).
(٣) في ب "فقال" بزيادة الفاء.
(٤) في ب "لا" بدون الفاء.
(٥) في ب "فقال" بزيادة الفاء.
(٦) في ب "عنبري".
[ ٥٤٣ ]
وفواكهي وعسلي ولَبَني وخمري ومائي، فآتني بما وعدتني، فقال: لكِ كلّ مؤمن ومؤمنةٍ من آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أندادًا ومن خشيَني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكّل عليّ كفيته، إنّي أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، قد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيتُ - قال: - ثم أتى على وادٍ فسمع صوتًا منكرًا ووجد ريحًا منتنه، فقال: ماهذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: ربّ ائتِني بما وعدتني فقد كَثرَتْ سلاسلي وأغلالي وسعيري وضريعي وحَمِيني وغساقي وعذابي، وقد بَعُد قعري واشتدّ حرّي [ق ٦٩/ظ] فآتني ما وعدتني، قال: لكَ كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكلّ خبيث وخبيثةٍ وكل جبّار لايؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت؛ ثم سار ومعه جبريل، فقال له جبريل: انزل فصَلِّ، قال: فنزلت وصلّيت، فقال: أتدري أين صليتَ؟، صليت (١) بطيبة وإليه المُهَاجَرُ إن شاء الله، ثم قال: انزل فصل، (قال: فنزلت فصليت) (٢)، قال: أتدري أين صليتَ؟ صلّيتَ بطور سيناء حيث كلّم الله موسى، ثم قال: انزل فصل، فنزلت فصليت، قال: أتدري أين صليت؟ صليتَ ببيت لحم حيث وُلد عيسى، قال: ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس فلما انتهينا إليه إذا أنا بملائكة قد نزلوا من السماء
يتلقونني بالبشارة والكرامة من عند رب العزة يقولون لي: السلام عليك يا أول (و) (٣) يا آخر (و) (٤) يا حاشر، قلت: يا جبريل ما تحيّتهم إياي؟ قال: إنك أول من تنشَقُ عنه الأرض وعن أمتك، وأول شافع وأول مشفع، وأنك آخر الأنبياء، وأن الحشر بك وبأمتك -يعني: حشر القيامة-، ثم جاوزناهم حتى انتهينا إلى باب المسجد، فأنزلني جبريل وربط البراق بالحلقة التي كانت يربط بها الأنبياء ﵈ بخطام من حرير الجنة، فلما دخلت الباب إذا أنا بالأنبياء والمرسلين. وفي حديث أبي العالية: أرواح الأنبياء الذين بعثهم الله قبلي من لَدُن إدريس ونوح إلى
_________________
(١) في ب زيادة "قال" قبل "صليت".
(٢) مابين القوسين ليس في ب.
(٣) "و" ليس في ب.
(٤) "و" ليس في ب.
[ ٥٤٤ ]
عيسى قد جمعهم الله - ﷿ -، فسلموا عليّ وحيّوني بمثل تحيّة الملائكة، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: إخوتك الأنبياءُ [و] (١) زَعمت قريش أنّ لله شريكًا، واليهود والنصارى أن لله تعالى ولدًا، سل هؤلاء المرسلين هل كان لله شريك؟ فذلك قوله (٢) - ﷿ - ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٤٥] فأقرّوا بالربوبية لله - ﷿ -، ثم جمعهم والملائكة صُفوفًا فقدّمني وأمرني أن أصلي بهم، فصليت بهم ركعتين، ثم إن الأنبياء أثنَوا على ربّهم، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا وأعطاني ملكًا عظيمًا وجعلني [ق ٧٠/و] أُمة قانتًا يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليّ بردًا وسلامًا، ثم إن موسى ﵊ أثنى على ربّه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كلمني تكليمًا وجعل هلاك فرعون على يدي ونجّى بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمّتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون؛ ثم إنّ داود - ﵇ - أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا وعلّمني الزبور وألَانَ (لي) (٣) الحديد وسخّر لي الجبال يسبّحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب، ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخّر لي الرياح وسخر لي جنود الشياطين يعملون لي ما شئت من
محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلًا وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي مُلكًا طيبًا ليس عليّ فيه حساب؛ ثم إن عيسى - ﵇ - أثنى على ربه سبحانه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي جعلني كلمة منه وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ورفعني وطهرني وأعاذني وأمّي من الشيطان ولم يكن للشيطان علينا سبيل؛ ثم إن محمّدًا - ﷺ - قال: كلكم قد أثنى على ربّه وإنّي مُثن على ربّي فقال:
_________________
(١) "و" زيادة من ب.
(٢) في ب "قول الله".
(٣) "لي" ليس في ب.
[ ٥٤٥ ]
الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافةً للناس (١) بشيرًا ونذيرًا وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كلّ شيء وجعل أمّتي خير أمّة أخرجت للناس وجعل أمّتي أمّة وسطًا وجعل أمّتي هم الأولون والآخرون وشرح لي صدري ووضع عنّي وزري ورفع لي ذكْري وجعلني فاتحًا وخاتمًا، فقال إبراهيم - ﵇ -: بهذا فَضَلَكُم محمّد؛ ثم أتى بآنيةٍ ثلاثة مغطاة أفواهها: إناء فيه ماء، فقال له: اشرب فشرب منه يسيرًا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل له: اشرب فشرب منه حتى روي، ثم دُفع إليه إناء آخر [ق ٧٠/ظ] فيه (خمر) (٢)، فقيل له: اشرب، فقال: لا أُريده قد رَويتُ، فقال له جبريل: قد أصبتَ أما إنها سَتُحرَّمُ على أمّتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمّتك إلا قليل (٣)، ولو رويت من الماء لَغَرِقتَ وغَرِقت أمّتك، ثم أخذ جبريل بيدي فانطلق بي إلى الصخرة فصعد عليها فإذا معراج إلى السّماء لم أرَ مثله حسنًا وجمالًا لم ينظر الناظرون إلى شيء قط أحسن منه، ومنه تعرج الملائكة، أصله على صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق بالسّماء إحدى عارضتيه ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء درجة من ذهب ودرجة من زمرد مكلّل بالدرّ والياقوت وهو المعراج الذي يَبدُو منه ملك الموت لقبض الأرواح إذا رأيتم ميّتكم
شخص بصره فتنقطع عنه المعرفة إذا عاينه لِحُسنه (٤)، فاحتملني جبريل حتى وضعني على جناحه ثم ارتفع بي إلى السّماء الدنيا من ذلك المعراج، فقرع الباب، فقيل: مَن (ذا) (٥)؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: (أقد) (٦) بعث محمّد؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به حيَّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ففتح الباب فدخلنا (٧)، قال: ثم مررت بملك نصف جسده مما يلي رأسَه نار والنصف الآخر ثلج وما بينهما رَتْقٌ فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج
_________________
(١) في ب "الناس"، وهو خطأ.
(٢) "خمر" ليس في ب.
(٣) في ب "قليلًا".
(٤) في ب "بحسنه".
(٥) "ذا" ليس في ب.
(٦) "أقد" ليس في ب.
(٧) في ب "قدخلنا"، وهو خطأ.
[ ٥٤٦ ]
يطفئ النّار وهو قائم ينادي بصوت له حسن رفيع يقول: اللهمّ مُؤلِّفَ بَيْن الثلج والنار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: ملك من الملائكة يقال له حَبِيب وكله الله - ﷿ - بأكناف السموات وأطراف الأرضين ما أنصَحَه لأهل الأرض (هذا) (١) قوله منذ خلق، قال: ثم مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جُمِعَ له الدنيا بين ركبتيه وفي يديه لوح مكتوب من نور ينظر فيه لا يلتفت يمينًا وشمالًا ينظر فيه كهيئة الحزين، فقلت: من هذا يا جبريل؟ وما مررت بملك أنا أشدّ خوفًا منه منى من هذا، قال: وما يمنعك كلنا بمنزلتك هذا ملك الموت دائبٌ في قبض الأرواح وهو من أشد الملائكة [ق ٧١/و] عملًا وأدأبهِم، قلت: يا جبريل كل من مات ينظر [فيه] (٢) إلى هذا؟ قال: نعم، قلت: كفى بالموت طامةً، فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا جبريل ادنني من ملك الموت أُسَلِّم عليه وأسأله، فأدناني منه فسلمت عليه فأومئ إلي، فقال له جبريل: هذا محمد نبيّ الرحمة ورسول العرب فرحّب بي وحيّاني وأحسن بشارتي وإكرامي، وقال: أبشر يا محمد فإني أرى الخير كله في أمتك، فقلت: الحمد لله المنّان بالنعم، ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ (قال) (٣): مكتوب فيه آجال الخلائق، قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك الأرواح في لوح آخر قد أعلمت عليها، وكذلك أصنع بكل ذي روح إذا قبضتُ روحَه حَلَّقتُ [عليها] (٤)، فقلت: يا ملك الموت سبحان الله كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت في مكانك هذا لا تبرح؟ قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتيَّ وجميع الخلائق بين عينيّ ويداي تبلغان المشرق والمغرب وخلفهما، فإذا نفدَ أجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني فإذا نظر (٥) أعواني من الملائكة أني نظرت إليه عرفوا أنه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع روحه فإذا بلغ الروحُ الحلقومَ علمتُ ذلك ولا يخفى عليَّ شيء من أمري، (مَددت يدي إليه فقبضتُه فلا يَلِي
_________________
(١) "هذا" ليس في ب.
(٢) "فيه" زيادة من ب.
(٣) "قال" ليس في ب.
(٤) مابين المعقوفتين طمس في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٥) في ب "نظرت".
[ ٥٤٧ ]
قبضَه غيري، فذلك أمري) (١) وأمر ذوي الأرواح من عباد الله، قال: فأبكاني حديثُه وأنا عنده، ثم جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقًا مثله عابس كالح الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب، فلما نظرت إليه رُعبت منه (٢) جدًّا، فقلت (٣): يا جبريل من هذا؟ فإنّي (٤) رُعبت [منه رعبًا] (٥) شديدًا قال: فلا تعجب أن تُرعَب منه كلُّنا بمنزلتك في الرُّعب منه، هذا مالك خازن جهنم لم يتبسَّم قط ولم يزل منذ ولّاه الله جهنَّم يزداد كلَّ يوم غضبًا وغيظًا على أعداء الله تعالى وأهل معصيته [لينتقم منهم] (٦)، (قلت) (٧): ادنني منه، فأدناني منه فسلم عليه جبريل فلم يرفع رأسه فقال جبريل: يا ملك هذا محمّد رسول [العرب] (٨) [ق ٧١/ظ] فنظر إليَّ
وحيّاني وبشّرني بالخير، فقلت: مُذ كَم أنت وَاقِدٌ على جهنم؟ فقال: منذ خُلقتُ حتى الآن وكذلك حتى تقوم الساعة، قلت: يا جبريل مُره فليُرني طريقًا من النار فأمره ففعَل فخرج منه لهبٌ ساطع أسوَد معه دخان كدر مُظلم امتلأ منه الآفاق فرأيت هولًا عظيمًا وأمرًا فظيعًا أعجز عن صفته لكم فغشي عليَّ وكاد يذهب نفسي، فضمّني جبريل إليه وأمره أن يَرُدّ النارَ فردّها، فجاوزناها فمررنا بملائكة كثيرة لا يحصِي عدتَهم إلا اللهُ - ﷿ - الملك الواحد منهم له وجوه بين كتفيه ووجوه في صدره في كل وَجهٍ أفواهٌ وَألسن، فهو يحمد الله ويسبّحه بتلك الألسن، ورأيت من أجسامهم وخِلَقهم وعبادتهم أمرًا عظيمًا، ثم جاوزنا فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خليقة (٩) الناس عن يمينه باب تخرج منه ريح طيّبة وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة إذا نظر إلى الباب الذي عن
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في ب.
(٢) في ب "فيه"، وهو خطأ.
(٣) في أ "قلت" بدون الفاء.
(٤) في ب "فإنه".
(٥) مابين المعقوفتين طمس في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٦) مابين المعقوفتين طمس في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٧) "قلت" ليس في ب.
(٨) مابين المعقوفتين طمس في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٩) في ب "خليتة".
[ ٥٤٨ ]
يمينه ضحك واستبشر وإذا نظر إلى الباب (الذي) (١) عن شماله بكى وحزن، فقلت: يا جبريل من هذا وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم وهذا الباب عن يمينه باب الجنة إذا نظر إلى من يدخل من ذريّته الجنة ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم إذا نظر إلى من يدخل من ذريّته جهنم بكى وحزن، قال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه، قال: نعم، قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فدخلنا فإذا بشابين، فقلت: يا جبريل من هذان [الشابّان؟ قال:] (٢) عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة، قال: ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قيل (٣): ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إلى محمد (٤)، قال: نعم، قالوا: حيّاه الله من أخٍ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل قد فُضّل على الناس بالحسن كما فضل القمر ليلة البدر على سائر [ق ٧٢/و] الكواكب
، قلت: مَن هذا يا جبريل، قال: هذا أخوك يوسف، قال: ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، قالوا: مَن هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل محمد؟ قال: نعم، قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل فقلت: من هذا يا جبريل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانًا عليًّا وهو مسند ظهره (٥) إلى دواوين الخلائق التي فيها أمورهم، قال: ثم صعد بي إلى السّماء الخامسة فاستفتح قالوا: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل محمّد، قال: نعم، قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: ثم دخلنا فإذا برجل جالس وحوله قوم يَقُصُّ عليهم، قلت: يا جبريل من هذا؟ ومن هؤلاء الذين حوله؟ قال:
_________________
(١) "الذي" ليس في ب.
(٢) مابين المعقوفتين طمس في الأصل، وما ذكرته من ب.
(٣) في أ "قال".
(٤) في ب "إليه".
(٥) في ب " وهو مسنده".
[ ٥٤٩ ]
هذا هارون المُحَبّبُ في قومه وهؤلاء الذين حوله بنو إسرائيل، قال: ثم صعدنا إلى السماء السادسة فاستفتح، فقالوا: مَن هذا؟ قال: جبريل (١)، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد أرسل محمد؟ قال: نعم، قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثم دخلنا فإذا برجل جالس فجاوزناه فبكى الرجل فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا موسى، قلت: فما له يبكي؟ قال: قال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا برجل من بني آدم [و] (٢) قد خَلَفني في دنياه وأنا في آخرتي فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كلّ نبيّ أمّته، قال: ثم صعد بي إلى السّماء السابعة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، فقيل (٣): ومن معك؟ قال: محمد، قالوا (٤): وقد أرسل محمد؟ قال: نعم، قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثم دخلنا فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنّة وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء فقام الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهرًا فاغتسلوا فيه
فخرجوا وقد خلص ألوانهم [ق ٧٢/ظ] وصارت مثل ألوان أصحابهم فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقلت: يا جبريل من هذا الأشمط ومن هؤلاء وما هذه الأنهار؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط (٥) على (الأرض) (٦)، وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيّئًا فتابوا فتاب الله عليهم، وأمّا الأنهار الثلاثة: فأدناها رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث سقاهم ربّهم شرابًا طهورًا، قال: وإذا إبراهيم مستندٌ إلى بيت فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم، قال: فأتى بي جبريل حتى انتهينا إلى سدرة المنتهى فإذا أنا بشجرة لها
_________________
(١) في أ "هذا جبريل".
(٢) "و" زيادة من ب.
(٣) في ب "قيل" بدون الفاء.
(٤) في ب "قيل".
(٥) في ب "أشمط"، والشمط: الشيب. النهاية في غريب الأثر (٢/ ١٢١٩).
(٦) "الأرض" ليس في ب.
[ ٥٥٠ ]
أوراق الواحدة منها مغطيَة للدنيا بما فيها وإذا نبقها مثل قلال هجر يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فسألت عنها جبريل فقال: أما الباطنان: ففي الجنة، وأما الظاهران: فالنّيل والفرات، ويخرج أيضًا من أصلها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من خمر لذّة للشاربين وأنهار من عسل مصفّى وهي (١) على حد السماء السابعة مما يلي الجنة وعروقها (٢) وأغصانها تحت الكرسيّ، قال رسول الله - ﷺ -: انتهيت إلى سدرة المنتهى وأنا أعرف أنّها سدرة [المنتهى] (٣) أعرف ورقها وثمرها فغشيها من نور الله تعالى ما غشيها (٤)، [وغيشتها] (٥) الملائكة كأنّهم جراد من ذهب من خشية الله، فلمّا غشيها ما غشيها (٦) تحولت حتى ما يستطيع أحد ينعَتُها، قال: وفيها ملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله - ﷿ -، ومقام جبريل في وسطها فلما انتهيت إليها قال لي جبريل: تقدم، فقلت: يا جبريل تقدم، قال: بل تقدم يا محمد فإنك أكرم على الله منّي، فتقدمت وجبريل على أثري حتى انتهى بي إلى حجاب (٧) فراش الذهب فحرك [الحجاب] (٨)، فقيل: من ذا؟ قال: أنا جبريل ومعي محمد، قال الملك: الله أكبر فأخرج يدَه من تحت الحجاب فاحتملني وتخلف جبريل، فقلت له: إلى أين؟ قال: يا محمد وما منّا إلا له مقام معلوم، إن هذا منتهى الخلائق وإنما أّذن لي في الدنو من الحجاب لاحترامك و[ق ٧٣/و] إجلالك، قال: فانطلق بي الملك في أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ فحرك الحجاب، فقال الملك من وراء الحجاب: مَن هذا؟ قال: أنا صاحب فراش الذهب وهذا محمد رسول العرب معي، فقال الملك: الله أكبر فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني حتى وضعني بين يديه فلم أزل (٩) كذلك (١٠) من
_________________
(١) في ب "وهو".
(٢) في ب "وأعروقها".
(٣) "سدرة" زيادة من ب.
(٤) في ب "أما غشي".
(٥) ما أثبته من تفسير الثعلبي (٦/ ٦٣).
(٦) في ب " ما غشي".
(٧) في ب "الحجاب".
(٨) ما أثبته من تفسير الثعلبي (٦/ ٦٣).
(٩) في ب "يزل".
(١٠) في ب زيادة "حتى" بعد "كذلك"، وهو خطأ.
[ ٥٥١ ]
حجاب إلى حجاب حتى جاوزوا بي سبعين حجابًا غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام وما بين الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام، ثم دلّى لي رَفرَفٌ أخضر يغلب ضوءه ضوءَ الشمس فالتمع بصري ووُضِعتُ على ذلك الرفرف (ثم) (١) احتملني حتى وَصَل بي إلى العرش، فلما رأيت العرشَ اتضع أمْرُ كل شيء عند العرش، فقرّبني الله - ﷿ - إلى سَنَدِ العرش وتدلّى قطرة من العرش فوقعت على لساني، فما ذاق الذائقون شيئًا أحلى منها، فأنبأني الله - ﷿ - بها نبأ الأولين والآخرين وأطلق الله لساني بعد ما كَلَّ (من) (٢) هيبة الرحمن، فقلت: التحيات لله والصلوات [و] (٣) الطيبات، فقال الله جل ثناؤه: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال الله - ﷿ -: يا محمد هل تعلم فيم اختصم (٤) الملأ الأعلى؟ فقلت: أنت أعلم يا رب بذلك وبكل شيء وأنت علام الغيوب، قال: اختلفوا في
الدرجات والحسنات، فهل تدري يا محمد ما الدرجات وما الحسنات؟ قلت: أنت أعلم يا رب، قال: الدرجات إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلوات والحسنات إفشام السلام وإطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام ثم قال لي: يا محمد آمن الرسول، قلت: نعم أي ربّ، قال: ومَن، قلت: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله كما فرّقَتِ اليهود والنصارى، فقال: ماذا قالوا، قلت: قالوا: سمعنا قولك وأطعنا أمرَك، قال: صدقت فسَل تُعط، قال: فقلت: غفرانك ربنا وإليك المصير، قال: قد غفرت لك ولأمتك، سل تعط، قلت: ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا، قال: قد رفعت [ق ٧٣/ظ] الخطأَ والنسيان عنك وعن أمّتك وما استكرهوا عليه، قلت: ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملتَه على الذين من قبلنا -يعني: اليهود- قال: لك ذلك ولأمّتك،
_________________
(١) "ثم" ليس في ب.
(٢) "من" ليس في ب.
(٣) "و" زيادة من ب.
(٤) في ب "يختصم".
[ ٥٥٢ ]
قلت: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، قال: قد فعلت ذلك بك وبأمّتك، [ثم] (١) قلت: ربّنا اعف عنّا من الخسف واغفر لنا من القذف وارحمنا من المسخ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، قال: قد فعلت ذلك بك وبأمّتك، ثم قيل لي: سل، فقلت: يا ربّ اتّخذت إبراهيم خليلًا، وكلّمت موسى تكليمًا، ورفعت إدريس مكانًا عليًّا، وآتيتَ سليمان مُلكًا عظيمًا، وآتيت داود زبورًا، فما لي يا ربّ؟ فقال لي ربّي - ﷿ -: (يا محمد) (٢) اتخذتك حبيبًا كما اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلّمتك كما كلّمت موسى (تكليمًا) (٣)، وأعطيتك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة وكانا من كنوز عرشي ولم أعطها نبيًّا قبلك، وأرسلتك إلى أهل الأرض جميعًا أبيضهم وأسودهم (٤) (و) (٥) إنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبيًّا قبلك، وجعلت الأرض كلّها برّها وبحرها طهورًا (٦) (وَ) (٧) مسجدًا لك ولِأُمّتك، وأطعمتُ أمّتك الفيءَ ولم أطعمه أُمّة قبلهم، ونصرتك بالرعب على عدوّك مسيرة شهر، وأنزلت عليك سيّد الكتب كلها ومهيمنًا عليها قرآنًا قرقناه، ورفعت لك ذكْرك حتى تُذكَر كلّما ذُكِرْتُ من شرائع ديني، وأعطيتك مكان التوراة المثاني ومكان الإنجيل المئين ومكان الزبور الخواتيم وفضلتك بالمفصّل، وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك، وجعلت أمّتك خير أُمّةٍ أُخرجت للناس وجعلتهم أمّة وسطًا وجعلتهم الأوّلين وهم الآخرون فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ثم أفضى (إليّ) (٨) بعدها أمورًا لم يؤذن لي أن أخبركم بها، ثم فُرِضت عليّ وعلى أمّتي في كل يوم وليلة خمسون صلاةً فلما عهد إليّ بعهده وتركني عنده ما شاء
_________________
(١) "ثم" زيادة من ب.
(٢) "يا محمد" ليس في ب.
(٣) "تكليمًا" ليس في ب.
(٤) في أ "أسودهم وأبيضهم" بتقديم وتأخير، وما أثبته من ب ونسخة بهامش أوهو الوارد في تفسير الثعلبي (٦/ ٦٤).
(٥) "و" ليس في ب.
(٦) في ب "طورًا".
(٧) "و" ليس في ب.
(٨) "إلي" ليس في ب.
[ ٥٥٣ ]
قال (لي) (١): ارجع إلى قومك (٢) فبلّغهم عنّي، فحَمَلني الرفرفُ (الأخضرُ) (٣) الذي كنت (عليه) (٤) يخفضني ويرفعني حتّى أهوى بي إلى السدرة المنتهى فإذا أنا بجبريل أُبصره خلفي بقلبي كما أبصره (بعيني) (٥) أمامي، فقال لي جبريل: أبشِر يا محمّد فإنّك خير خلق الله وصفوته من النّبيّين [ق ٧٤/و] حيّاك الله بما لم يُحَيّ به أحدًا من خلقه لا ملكًا مقرّبًا ولا نبيًّا مرسَلًا ولقد بلّغك مكانًا لم يَصِل إليه أحد من أهل السموات والأرض فهنّأك (٦) الله كرامته وما حَباك (به) (٧) من المنزلة الأثيرة والكرامة الفائقة فخذ ذلك بشكْر (٨) فإن الله (منعم) (٩) يحبّ الشاكرين،
فحمدتُ الله تعالى على ذلك، ثم قال لي جبريل: انطلق يا محمد إلى الجنة حتى أُريك ما لك فيها فتزداد بذلك في الدنيا زهادة إلى زهادتك وفي الآخرة رغبة إلى رغبتك فسرنا نهوي منفضّين أسرع من السّهم والرّيح حتى وصلنا (١٠) بإذن الله تعالى إلى الجنة فهدَأت نفسي وثاب إليّ فؤادي وأنشأتُ اسأل جبريل عما كنتُ رأيت في عليّين (١١) من البحور والنار والنور وغيرها، فقال: سبحان الله تلك سرادقات عرش (١٢) رب العزة التي أحاطت بعرشه فهي سترة للخلائق من نور الحجب ونور العرش، لولا ذلك لأحرق نورُ العرش ونور الحجب مَن تحت العرش من خلق الله وما لم تره أكثر وأعجب، قلت: سبحان الله العظيم ما أكثر عجائب خلقه، قلت: ومَن الملائكة الذين رأيتهم في تلك البحور الصفوف بعد الصفوف كأنهم بنيان
_________________
(١) "لي" ليس في ب.
(٢) في ب "أمتك".
(٣) "الأخضر" ليس في ب.
(٤) "عليه" ليس في ب.
(٥) "بعيني" ليس في ب.
(٦) في ب "فهيأك".
(٧) "به" ليس في ب.
(٨) في ب "يشكر"، وهو خطأ.
(٩) "منعم" ليس في ب.
(١٠) في ب "دخلنا".
(١١) في ب "العليين".
(١٢) في ب "عرشه" بزيادة الهاء.
[ ٥٥٤ ]
مرصوص؟ قال: يا رسول الله هم الروحانيون الذين يقول الله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: من الآية ٣٨] (و) (١) منهم الروح الأعظم ثم إسرافيل بعد ذلك، قلت: يا جبريل فمن الصف الواحد الذين في البحر الأعلى فوق الصفوف كلها قد أحاطوا بالعرش؟ قال: هم الكروبيون أشراف الملائكة وعظماؤهم وما يجترئ أحد من الملائكة أن ينظر إلى ملك من الكروبيين وهم أعظم شأنًا من أن أطيق (٢) صفتهم لك (٣) وكفى بما رأيت منهم، ثم طاف بي جبريل في الجنة بإذن الله تعالى فما تَرَكَ فيها مكانًا إلا رأيته وأخبرني عنه فرأيت القصور من الدرّ والياقوت والزبرجد ورأيت الأشجار من الذهب الأحمر، قضبانهن اللؤلؤ، عروقهن الفضة راسخة في المسك، فَلَأنا أعرف بكل درجة وقصر وبيت وغرفة وخيمة وثمر في الجنة مِني بما في مسجدي هذا، ورأيت نهرًا يخرج من أصله (ماء) (٤) [ق ٧٤/ظ] أشد
بياضًا من اللبن وأحلى (٥) من العسل (٦) على رضراض (٧) دُرٍّ وياقوت ومسك أذفر، فقال جبريلُ: هذا الكوثر الذي أعطاك الله - ﷿ - وهُوَ التسنيم يخرج من تحت العرش إلى دُورهم وقصُورهم (٨) وبيُوتهم وغُرَفهم يَمزُجُون بها أشربتهم من العَسَل واللّبن والخمر وذلك قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] ثم انطلقَ بي يطوف في الجنة حتى انتهينا إلى شجرة لم أر في الجنة مثلها فلما وقفتُ تحتها رفعتُ رأسي فإذا أنا لا أرى شيئًا من خلق ربي - ﷿ - غيرها لعظمها وتفرق أغْصَانها ووجدتُ فيها ريحًا طيبةً لم أشمّ في الجنة ريحًا أطيبَ منها فقلّبتُ بَصري فيها فإذا ورقها حُلَلٌ طرائف من ثياب الجنة من بين أبيض وأحمر وأصفر وأخضر
_________________
(١) "و" ليس في ب.
(٢) في ب "أطنق"، وهو خطأ ظاهر.
(٣) في ب "كل"، وهو خطأ ظاهر.
(٤) "ماء" ليس في ب.
(٥) في أ "وأحل"، وهو خطأ.
(٦) في أ "العسلى".
(٧) الرضراض: الحصى الصغار. النهاية (٢/ ٥٥٧).
(٨) في ب "دور قصورهم".
[ ٥٥٥ ]
وثمار أمثال القلال العظام من كل ثمرة خلق الله سبحانه [- ﷿ -] (١) في السموات والأرضين من ألوان شتى وطُعُم شتى وريح شتى، فعجبت من تلك الشجرة وما رأيت من حسنها، قلت: يا جبريل ما هذه الشجرة؟ قال: هذه التي ذكر الله - ﷿ - ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: من الآية ٢٩] ولكثير من أمتكَ ورهطك في ظلها حسن مقيل ونعيم طويل، ورأيت في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سَمعت ولا خطر على قلب بشرٍ كل ذلك مفروغٌ عنه مُعَدّ وإنما تُنتَظَر (٢) به صاحبه من أولياء الله - ﷿ - فتعاظمني الذي رأيتُ وقلت: لمثل هذا فليعمل العاملون، ثم عرض عليَّ النارَ حتى نظرت إلى أغلالها وسلاسلها (٣) وحياتها وعقاربها وغساقها ويحمومها، فنظرتُ فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، ثم انطلقت فإذا أنا بنفرٍ لهم بُطُونٌ كأنها البيوت [ق ٧٥/و] وهم على سابلة آل فرعون فإذا مرَّ بهم آل فرعونَ ثارُوا فيسيل
بأحدهم بطنه فيقع فيتوطأهم آل فرعون بأرجلهم وهم يُعرَضون على النار غُدوًا وعشيًا، قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكَلَةُ الربا فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشّيطان من المسّ، ثم انطلقت فإذا أنا بنساء معلقاتٍ بِثُدِيّهن مُنَكِّسَاتٍ أرجُلهُن قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هُن اللاتي يزنينَ ويَقتُلن أوْلادهنّ، ثم أخرجني من الجنة فمررنا بالسموات منحدرين من سماء إلى سماء حتى أتيت على موسى فقال لي: ماذا فرض الله عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، فقال موسى: أنا أعلم بالناس منك وإني بَلَوت بني إسرائيل وعاجلتهم أشدَّ المعاجلة وإن أمّتك أضعفُ الأمم فارجع إلى ربك فسله (٤) التخفيف لأمتك فإن أمتك لن (٥) تُطيق ذلك، قال: فرجَعتُ إلى ربي، وفي بعض الأخبار: فرجعت فأتيت
_________________
(١) " - ﷿ - " زيادة من ب.
(٢) في ب "تنتظم".
(٣) في ب "وسلاسالها".
(٤) في ب "فسأله".
(٥) في ب "لما".
[ ٥٥٦ ]
[إلى] (١) سدرة المنتهى فَخَررتُ ساجدًا، قلت: يا رب فرضتَ عليَّ وعلى أمتي خمسين صَلاة ولن أستطيع أن أقوم بها أنا ولا أمتي فَخفَّفَ عني عشرًا، فرجعتُ إلى موسى فسألني، فقلت: خفف عني عشرًا، قال: ارجع إلى ربك فسله (٢) التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم (وإني) (٣) قد لقيت من بني إسرائيل شدةً، قال: فرجعت فرده إلى ثلاثين، قال: فما زلت بين ربّي وبين موسى حتى جعلها خمس صلوات، فأتيت موسى فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقلت: إني قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييت وما أنا براجع إليه، قال: فنوديتُ: إني يوم خلقتُ السمواتِ والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة ولا يُبدّل القول لديَّ، فخمْسَةٌ بخمسين فقم بها أنت وأمتك، إني قد أمضيتُ فريضتي وخففتُ عن عبادي وأجزي بالحسنة (٤) عشر أمثالها لكل صلاة عشر صَلوات، قال: فرضي محمد كل الرضى فكان موسى من أشدهم عليه حين [ق ٧٥/ظ] مرَّ به وخَيْرِهم لَهُ حين رَجَع إليه؛ ثم انصرفتُ مع صاحبي وأخي جبريل لا يفوتني ولا أفوتُه حتى انصرفَ بي إلى مضجعي وكانَ كل ذلك في ليلة واحدة من لياليكم هذه فأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيَدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وإليَّ مفاتيح الجنة يوم القيامة ولا فخر، وأنا مقبوض عن قريب بعد الذي رأيت من آيات ربي الكبرى ما رأيت وقد أحببت اللحوقَ بربي - ﷿ - ولقاء من رأيت من إخواني وما رأيت من ثواب الله - ﷿ - لأوليائه وما عند الله خير وأبقى، قالوا: فلما رجع رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به فكان بذي طوى قال: يا جبريل إن قومي لا يصدّقونني (٥)، قال: يُصَدّقك أبو بكر وهو الصديق؛ قال ابن عباس وعائشة ﵄: قال رسول الله - ﷺ -: «لما كانت ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فُظِعْتُ بأمري وعرفت أنّ الناس مُكَذِّبِيَّ» قال: فقعد رسول الله - ﷺ - مُعتزلًا حزينًا فمرَّ به أبو جهل عَدُوّ اللهِ فأتاهُ فجلس إليه كالمستهزِئ:
_________________
(١) "إلى" زيادة من ب.
(٢) في ب "فسأل".
(٣) "وإني" ليس في ب.
(٤) في ب "بالأمثلة".
(٥) في ب "لا يصدقوني".
[ ٥٥٧ ]
هل استفدتَ من شيء؟ قال: نعم، إني أسري بي [الليلة، قال لي: أين؟] (١)، قال: إلى [بيت المقدس قال] (٢): ثم أصبحت [بين ظهرانينا، قال: نعم] (٣)، قال: أتُحَدِّثُ قومَكَ ما حدثتني، قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، قال: فانتفَضت المجالس فجاءوا حتى جلسُوا إليهما، قال: حدث قومك ما حدثتني (٤)، قال: نعم، إني أسري بي الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا، قال: نعم، قال: فمن بين مُصَفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب وارتد ناس (٥) ممن كان كان آمن به وصَدّقه، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه (٦) أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قد قال (ذلك) (٧)؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد (٨) صَدَق، قالوا: وتصدقه أنه
ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ ! [ق ٧٦/و] قال: نعم إنّي لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غَدْوة أو رَوْحة، فلذلك سُمّي أبو بكر الصديق؛ قال: وفي القوم من قد سافر هناك ومن قد أتى المسجد، فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ قال: نعم، قال: فذهبت أنعت، فما زلت أنعتُ حتى التبسَ عليَّ، قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دُون دار عَقِيل فنَعتُّ المسجد وأنا أنظر إليه، فقال (٩) القوم: أما النَّعتُ (فواللهِ) (١٠) لقد أصاب، ثم قالوا: يا محمد فأخبرنا (١١) عن عيرنا فهي أهم إلينا من قولك، هل
_________________
(١) مابين المعقوفتين لم يظهر في تصوير نسخة الأصل التي بين يدي، وما ذكرته من ب.
(٢) مابين المعقوفتين لم يظهر في تصوير نسخة الأصل التي بين يدي، وما ذكرته من ب.
(٣) مابين المعقوفتين لم يظهر في تصوير نسخة الأصل التي بين يدي، وما ذكرته من ب.
(٤) في أ "ما حدثني".
(٥) في ب "الناس".
(٦) في ب "أنه يزعم" بتقديم وتأخير.
(٧) "ذلك" ليس في ب.
(٨) في ب "لئن"، وهو خطأ ظاهر.
(٩) في ب "قال" بدون الفاء.
(١٠) "فوالله" ليس في ب.
(١١) في ب "أخبرنا" بدون الفاء.
[ ٥٥٨ ]
لقيتَ منها شيئًا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان وهم بالروحاء وقد أضلوا بعيرًا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته فشربته (١) ثم وضعته كما كان فسَلوهم (٢) هل وجدوا الماء في القدح حين رجعُوا إليه، قالوا: هذه آية، قال: ومَرَرت بعير بَنِي فلانٍ وفلانٌ وفلانٌ راكبان قَعُودًا لهما بذي مَرّ، فَنفَر بكرُهما مِنّي فرمى بفلان فانكسرت يدُه فسلوهما عن ذلك، قالوا: وهذه آية، قالوا: [و] (٣) أخبرنا عن عيرنا نحن؟ قال: مررتُ بها بالتنعيم، قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ قال: كنت في شغل عن ذلك، قال: ثم مُثِّلَتْ له مكانه بالجزوّرة بِعدّتها وأحمالها وهيئتها ومَن فيها، فقال: نعم هيئتُها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمُها جمل أورق عليه غرارتان مُحيطتان تَطْلع (٤) عليكم عند طلوع الشمس، قالوا: وهذه آية، ثم خرجوا (٥) يشدّون نحو الثنيّة وهم يقولون: والله لقد قَصَّ محمد شيئًا وبيّنه حتى أتوا كَداء (٦) فجلسوا عليه فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذّبُونه، إذ قال قائل منهم: والله هذه الشمس قد طلعت، وقال الآخر: وهذه والله الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم، فلم يؤمنوا ولم يُفلحوا وقالوا: ما سمعنا بمثل هذا قط إن هذا إلا سِحرٌ مبين" (٧).
_________________
(١) في ب "فشربت" بدون الهاء.
(٢) في ب "فسألوهم".
(٣) "و" زيادة من ب.
(٤) في ب "مطلع".
(٥) في ب زيادة "من" بعد "خرجوا"، وهو خطأ.
(٦) تقدم التعليق عليه، انظر: ص ٥٤٠.
(٧) تفسير الثعلبي (٦/ ٥٦ - ٦٨).
[ ٥٥٩ ]