فصل
ومن خصائص محمد - ﷺ - أيضًا تضاعُف الصلاة على من صلى عليه - ﷺ - روى الإمام أحمد ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا» (١)، وروى أحمد من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطّ عنه عشر خطيئات» (٢)، وروى أيضًا من حديث أبيّ بن كعب - ﵁ - قال: قال رجل: يا رسول الله إن جعلت صلاتي كلها عليك، قال: «إذا يكفيك الله (تبارك و) (٣) تعالى ما همك من دنياك وآخرتك» (٤)، ورَوى أيضًا عن عبدالله بن [أبي] (٥) طلحة (٦) عن أبيه (٧) أنّ رسول الله - ﷺ - جاء ذات يوم والسّرور في وجهه فقال: «إنه أتاني الملك فقال: يا
محمد، أما يُرضيك أن ربّك - ﷿ - يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمّتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمّتك (٨) إلا سلّمت عليه عشرًا، قال: بلى» (٩)، ورَوى
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١٤/ ٤٤٤) ح ٨٨٥٤، صحيح مسلم (١/ ٣٠٦)، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، ح ٤٠٨.
(٢) مسند الإمام أحمد (١٩/ ٥٧) ح ١١٩٩٨، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "حديث صحيح، وهذا إسناد حسن".
(٣) "تبارك و" ليس في ب.
(٤) مسند الإمام أحمد (٣٥/ ١٦٦ - ١٦٧) ح ٢١٢٤٢، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "حديث حسن".
(٥) في أ، ب "عبدالله بن طلحة" بدون "أبي"، وما أثبته من مسند الإمام أحمد (٢٦/ ٢٨٣) ح ١٦٣٦٣، وهو الصواب كما سيأتي في الحاشية التالية.
(٦) هو عبدالله بن أبي طلحة واسمه زيد بن سهل الانصاري النجاري المدني،حنكه النبي - ﷺ - لما ولد، يروي عن أبيه وأخيه أنس، قال محمد بن سعد: كان ثقة قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة أربع وثمانين. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٢٣٦).
(٧) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، أبو طلحة الأنصاري الخزرجي النجاري عقبي بدري، وهو مشهور بكنيته، وهو الذي حفر قبر رسول الله - ﷺ - ولحده، وكان يسرد الصوم بعد رسول الله - ﷺ -، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وقال النبي - ﷺ -: «صوت أبي طلحة في الجيش خير فئة»، توفي سنة إحدى وخمسين. انظر: أسد الغابة (٢/ ٣٦١).
(٨) في ب "من أمتك أحد" بتقديم وتأخير، وما أثبته من أهو الوارد في مسند الإمام أحمد.
(٩) مسن الإمام أحمد (٢٦/ ٢٨٣) ح ١٦٣٦٣، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف".
[ ٥١٠ ]
أيضًا عن عبدالله بن عامر بن ربيعة (١) عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلى عليّ صلاةً لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليّ، فليُقل عبدٌ من ذلك (٢) أو ليكثر» (٣)، وروى أيضًا عن عبدالرحمن بن عوف - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ -، فتوجّه نحو صَدَقته فدخل، فاستقبل القبلة فخرّ ساجدًا، فأطال السجود حتّى ظننت [ق ٦٠/و] أنّ الله - ﷿ - قد قبض نفسه، فدنوت منه، ثم جلست فرفع رأسه، فقال: «من هذا؟» قلت: عبدالرحمن، فقال: «ما شأنك»، قلت: يا رسول الله سجدت سجدةً خَشيتُ أن يكون الله - ﷿ - قد قبض نفسك فيها، فقال: «إن جبريل أتاني فبشّرني فقال: إن الله - ﷿ - يقول لك: من صلى عليك (٤) صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرًا» (٥)؛ وروى أيضًا عن أبي طلحة الأنصاري - ﵁ - قال: أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا طيّب النّفس يُرى في وجهه البشر، فقالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس، يُرى في وجهك البشر، فقال: «أجل أتاني آت من ربّي - ﷿ - فقال (٦): من صلّى عليك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وردَّ عليه مثلها» (٧)، وفي رواية أخرى نحوه وقال فيها:
_________________
(١) هو عبدالله بن عامر بن ربيعة العنزي، أبو محمد المدني، ولد في عهد النبي - ﷺ -، قال الواقدي: وكان عبدالله ثقة قليل الحديث، وقال أبو زرعة: مدني أدرك النبي - ﷺ - وهو ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: رأي النبي - ﷺ - لما دخل على أمه وهو صغير، مات سنة ٨٥. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٢٣٧).
(٢) في ب "لذلك"، ما أثبته من أهو الوارد في مسند الإمام أحمد.
(٣) مسند الإمام أحمد (٢٤/ ٤٥١) ح ١٥٦٨٠، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "حديث حسن".
(٤) في ب زيادة "مرة" بعد "عليك" ولم ترد في رواية المسند.
(٥) مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٠١) ح ١٦٦٤، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "حسن لغيره".
(٦) في ب "قال" بدون الفاء، وما أثبته من أهو الوارد في مسند الإمام أحمد.
(٧) مسند الإمام أحمد (٢٦/ ٢٧٢) ح ١٦٣٥٠، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط، عادل المرشد، وآخرون، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "إسناده ضعيف".
[ ٥١١ ]
«أنه ليس أحد من أمّتك يصلي عليك صلاة إلا صلّى الله وملائكته عليه (١) عشرًا» (٢)، وفي رواية عنه أخرى قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - ذات يوم فلم أره قطّ أشدّ فرحًا ولا أطيب نفسًا منه يومئذ فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي، إنّي لم أرك قطّ أشدّ فرحًا و(لا) (٣) أطيب (٤) نفسًا منك اليوم، قال: «يا أبا طلحة وما يمنعني أن لا أكون (٥) كذلك وإنما فارقني جبريل آنفًا فقال: لي يا محمّد إنّ ربك بعثني إليك وهو يقول: إنه ليس أحد من أمتك يصلي عليك صلاة إلا رد الله - ﷿ - مثل (٦) صلاته عليك، وإلا كتب له بها عشر حسنات وحط عنه (٧) عشر سيئات ورفعت له عشر درجات، ولا يكون لصلاته منتهى دون العرش لا تمرّ بملك إلا قال: صلّوا على قائلها كما صلّى على محمد - ﷺ -» (٨)، وفي رواية أخرى قال: دخلت على النبي - ﷺ - وأساريرُ وجهه تبرق فقلت: يا رسول الله ما رأيت أطيب نفسًا ولا أظهر بشرًا منك يومنا هذا فقال (٩): «ومالي لا تطيب نفسي ويَظهر بشري وإنما فارقني جبريل الساعة فقال: يا محمد من صلّى عليك من أمتك صلاة كتب الله (له) (١٠) بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفعه عشر درجات وقال له الملك: مثل ما قال [ق ٦٠/ظ]، قلت (١١): يا جبريل وما ذاك الملك؟
قال: إن الله - ﷿ - وكل بك ملكًا من لَدُن خلقك إلى أن يبعثك لا يصلي عليك أحد إلا
_________________
(١) في ب "عليه وملائكته" بتقديم وتأخير.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٠٠) ح ٤٧٢٣.
(٣) "لا" ليس في ب.
(٤) في ب "أطبت"، وما أثبته من أهو الوارد في الخبر.
(٥) في ب "لكون"، وهو خطأ.
(٦) في ب زيادة "هذا" بعد "مثل".
(٧) في ب "بها".
(٨) أخرجه الخطيب الغدادي في تاريخ بغداد (٨/ ٥٧٠)، وقال: تفرد بروايته أبو الجنيد، قال يحيى بن معين: أبو الجنيد الضرير ليس بثقة.
(٩) في ب "قال" بدون الفاء.
(١٠) "له" ليس في ب.
(١١) في أ "فقلت" بزيادة الفاء، وما أثبته من ب بدون الفاء هو الوارد الرواية كما سيأتي تخريجها.
[ ٥١٢ ]
قال وأنت صلى الله عليك» (١)، وعن أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: "الصّلاة على النبي - ﷺ - أمْحَقُ للخطايا من الماء للنّار، والسلام على النبي - ﷺ - أفضل من عتق الرقاب، وحبّ رسول الله - ﷺ - أفضل من ضرب السيف في سبيل الله" (٢) أو كما قال، وعن عليّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلّى عليّ صلاة صلى الله (عليه) (٣) بها عشر صلوات، واستَبَق ملكاه أيّهما يُبلِغ رُوحي منه السَّلامَ» (٤)، وعن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن لله تعالى ملائكةً سيّاحين في الأرض يبلّغوني عن أمّتي السّلام» (٥)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى عليّ عند قبري وكّل الله بها ملكًا يبلغني، وكُفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له يوم القيامة شهيدًا أو شفيعًا» (٦)، وعن عمار بن ياسر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله أعطى ملكًا من الملائكة أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة لا يصلي عليّ أحد إلا سمّاه باسمه واسم أبيه وقال: يا أحمد صلّى عليك فلان بن فلان وتكفّل لي الربّ - ﷿ - أن أردّ عليه بكل
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٠٠) ح ٤٧٢٤، قال الألباني: "موضوع". ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٥١٢) ح ١٠٣١.
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٨/ ٣٩).
(٣) "عليه" ليس في ب.
(٤) أخرجه أبي خالد الواسطي في المسند المنسوب للإمام زيد بن علي بن الحسين - الموسوم بمسند الإمام زيد، ويسمى: المجموع الفقهي - ص ١٣٧، جمعه: عبدالعزيز بن إسحاق البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت؛ قال الإمام الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١٣/ ١١٦): "واعلم أن هذا المسند -يقصد: مسند الإمام زيد- حاله عندنا كحال مسند الربيع بن حبيب أو أسوأ، فإنه من رواية عمرو بن خالد أبي خالد الواسطي عن الإمام زيد، والواسطي هذا اتفق أئمتنا على أنه كذاب وضاع".
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٦)، كتاب التفسير، ح ٣٥٧٦، وأخرجه بنحوه أحمد (٦/ ١٨٣) ح ٣٦٦٦، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣١)، كتاب العمل والليلة، ح ٩٨١١، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢١٩) ح ١٠٥٢٨، (١٠/ ٢٢٠) ح ١٠٥٥١، ح ١٠٥٥٢؛ قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(٦) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٤٠) ح ١٤٨١، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٤/ ٤٦٨)، بلفظ: «من صلى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا وكل بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته وكنت له شهيدًا وشفيعًا»، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١/ ٣٦٦) ح ٢٠٣: "موضوع بهذا التمام".
[ ٥١٣ ]
صلاة عليه عشرًا» (١) - ﷺ -، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «مامن أحد يسلّم عليَّ (٢) إلا ردّ الله إليّ روحي حتى أردّ ﵇» (٣)، وعن علي بن الحسين ﵄ عن (أبيه - ﵁ - أن) (٤) النبي - ﷺ - قال: «البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يصل عليّ» (٥) - ﷺ -، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - (قال) (٦): «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة (٧)، فإن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم» (٨)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -[ق ٦١/و]: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (٩)، وروى تمام (١٠) في فوائده عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان يوم الخميس بعث الله - ﷿ - ملائكة معهم
صحف من فضة وأقلام من
_________________
(١) أخرجه أبي القاسم بدر بن الهيثم القاضي كما في جمهرة الأجزاء الحديثية، اعتناء وتخريج: محمد زياد عمر تكلة، الطبعة الأولى ١٤٢١، مكتبة العبيكان، الرياض؛ وأخرجه البزار (٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥) ح ١٤٢٥، بلفظ: «إن الله وكل بقبري ملكا أعطاه أسماع الخلائق فلا يصلي علي أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان بن فلان قد صلى عليك».
(٢) في أ، ب "عليه"، وفي هامش أ "الظاهر: عليَّ" وهو اللفظ الوارد في الحديث.
(٣) أخرجه أحمد (١٦/ ٤٧٧) ح ١٠٨١٥، وأبو داود (٢/ ٢١٨)، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، ح ٢٠٤١، قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٣): "حسن".
(٤) مابين القوسين ليس في ب.
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨) ح ١٧٣٦، والنسائي في السنن الكبرى (٧/ ٢٩١) ح ٨٠٤٦، والترمذي (٥/ ٥٥١) ح ٣٥٤٦، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٧٣٤) ح ٢٠١٥، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣/ ١٨٩) ح ٩٠٩.
(٦) "قال" ليس في ب.
(٧) ترة: يعني حسرة وندامة. سنن الترمذي (٥/ ٤٦١).
(٨) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٦١)، باب في القوم يجلسون ولا يذكرون الله، ح ٣٣٨٠، وقال: "هذا حديث حسن"، وقال الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ٣٨٨) ح ٣٣٨٠: "صحيح".
(٩) أخرجه أحمد (١٢/ ٤٢١) ح ٧٥٤١، والترمذي (٥/ ٥٥٠) ح ٣٥٤٥، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وقال الألباني في إرواء الغليل (١/ ٣٦): "صحيح".
(١٠) هو تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر، أبو القاسم البجلي الرازي ثم الدمشقي، من حفاظ الحديث، مغربي الأصل، كان محدث دمشق في عصره، توفي سنة ٤١٤. الأعلام (٣/ ٨٧).
[ ٥١٤ ]
ذهب يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة أكثرَ الناس صلاة على محمّد - ﷺ -» (١)؛ والأحاديث في ذكر الصلاة عليه كثيرة جدًّا، وفيها مصنفات، وفوقِ ذلك صلاة الله تعالى عليه وملائكته وأمرُه للمؤمنين أن يصلوا عليه ويسلموا تسليمًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وسنذكر فصلًا آخر إن (٢) شاء الله تعالى في كيفية الصلاة عليه وغير ذلك.
فصل
ومن خصائصه - ﷺ - رُقيُّهُ إلى فوق سبع سموات، ثم إلى سدرة المنتهى، وفوق ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومنها أنّ الله تعالى قرّبه إليه حتى كان بينه وبينه كقاب قوسين أو أدنى «قال: يا حبيبي محمّد، قلت: لبيك يا ربّ، قال: هل غَمُّك أن جعلتك آخر النّبيّين، قلت: يا ربّ لا، قال: حبيبي هل غَم أمتك أن جعلتهم آخر الأمم، قلت: لا يا رب، قال: أبلغ أمتك عني السلام وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم ولا أفضَحهم عند الأمم» رواه ابن الجوزي في الوفا عن هشيم عن حميد عن أنس - ﵁ - (٣)، ومنها أنه تعرض عليه أعمال أمّته فيحمد الله تعالى على صالحها (٤) ويشفع في سيّئها (٥)، ومنها أنه - ﷺ - كان يرى مِن خلفه كما يَرى قدّامَه (٦)،
_________________
(١) أخرجه تمام بن محمد في الفوائد (٢/ ١٠٦) ح ١٢٦٦، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، الطبعة الأولى ١٤١٢، مكتبة الرشد، الرياض.
(٢) في ب زيادة "في" قبل "إن"، وهو خطأ.
(٣) ذكره في الوفا (١/ ٣٧٧) من غير إسناد، وأخرجه مسندًا من طريق هشيم عن حميد عن أنس في العلل المتناهية (١/ ١٨٢) ح ٢٨١، وقال: "هذا حديث لا يصح".
(٤) في ب "صالحيها".
(٥) عرض الأعمال عليه - ﷺ - في الدنيا، فقد ثبت أن ذلك وقع في حياته، روى مسلم (١/ ٣٩٠)، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، ح ٥٥٣، من طريق أبي ذر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن»؛ وأما عرض الأعمال عليه بعد موته، فلم أقف على الأدلة ما يثبته، سوى ما أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٩٤)، من طريق بكر بن عبد الله المزني، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حياتي خير لكم، تُحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرًا =
[ ٥١٥ ]
ومنها أنه كان يرى في الظلمة كما يرى في الضّوء (١)، ومنها أنه كان إذا مشى في الشمس لم يكن له ظلّ لشدّة نوره وقد سبق ذلك، ومنها تسليم الحجر والشجر عليه (٢)، ومنها نبع الماء من بين أصابعه (٣)، ومنها حِنّة الجذع اليابس إليه (٤)، ومنها أنه أوتي جوامع الكلم (٥) وفواتحه (٦) وخواتمه (٧) واختُصرت له الحكمة اختصارًا (٨)، فكان أفصح
الخلق،
_________________
(١) = لكم، تُعرض علي أعمالكم، فإذا رأيت خيرًا حمدت الله، وإذا رأيت شرًا استغفرت الله لكم «، بل وردت أدلة ترد هذا، فمن ذلك: ما أخرجه البخاري (٩/ ٤٦)، في كتاب الفتن، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: من الآية ٢٥]، ح ٧٠٤٩، من طريق عبدالله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ -: «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك»، فقوله: «لا تدري ما أحدثوا بعدك» يدل على أن أعمال أمته لم تعرض عليه، والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٩١)، في كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة، ح ٤٨، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري»، وأخرجه أحمد (١٤/ ٤٩٦ - ٤٩٧) ح ٨٩٢٦ بلفظ: "أن النبي - ﷺ - قال للناس: «أحسنوا صلاتكم فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي»، وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (٢/ ٤٣٩) ح ٣٥٤.
(٣) أخرج ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٧٣) ح ٢٦٦، وتمام في فوائده (٢/ ١٣٣) ح ١٣٤٥، من حديث عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يرى في الظلمة كما يرى في الضوء"، قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح"، قال الألباني قي سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١/ ٥١٥) ح ٣٤١: "موضوع".
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٧٤.
(٥) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٤٤.
(٦) تقدم تخريجه، ص ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٧) قال النووي: "أي إيجاز اللفظ مع تناوله المعاني الكثيرة جدًا". شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٧٠).
(٨) أي كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها. التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٧٣٢)، زين الدين المناوي، الطبعة الثالثة ١٤٠٨، مكتبة الإمام الشافعي، الرياض.
(٩) قال النووي: "أي كان يختم على المعاني الكثيرة التي تضمنها اللفظ اليسير فلا يخرج منها شيء طالبه ومستنبطه لعذوبة لفظه وجزالته". شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٧٠).
(١٠) أخرج مسلم (١/ ٣٧٢)، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح ٥٢٣، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله - ﷺ -: «نصرت بالرعب على العدو، وأوتيت جوامع الكلم »؛ وأخرج مسلم (٣/ ١٥٨٦)، في كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، ح ٢٠٠١، من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، قال "وكان رسول الله - ﷺ - قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه"؛ أخرج البيهقي في الشعب (٧/ ١٧١) ح ٤٨٣٧، وعبدالرزاق في مصنفه، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية ١٤٠٣، المكتب الإسلامي، بيروت، من طريق أبي =
[ ٥١٦ ]
وأبلغهم، وأعظمهم بيانًا، وقيل له: ما بالك أفصحَنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال (١): «إنّ لغة إسماعيل كانت قدْ نُسيت فأتاني جبريل فعَلّمنيها [ق ٦١/ظ]» (٢)، ومنها أنّ أمّته أكثر الأمم يوم القيامة (٣)، ومنها أنهم يكونون نصف (٤) أهل الجنة (٥)، ومنها أنه أكثر الناس تبعًا يوم القيامة (٦)، ومنها أنه أول الناس خروجًا إذا بُعثوا، وأنه خطيبهم إذا وَفَدُوا، وأنه مبشّرهم إذا يئسوا، لواء الحمد بيده، وهو أكرم الخلق على ربّه - ﷺ - وقد تقدم الحديث في ذلك وهو حديث حسن رواه الترمذيّ؛ ومنها أنه قد وعده رَبُّه أنه سَيُرضِيه من أمّته ولا يَسُوؤه، ومنها شفاعاته في الآخرة فإن له - ﷺ - عدّة شفاعات: الأولى الشفاعة في عموم الخلق ليحاسَبُوا ويُراحُوا من الموقف كما سبق، وشفاعَةٌ في أهل الكبائر من أمّته، وشفاعة لمن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان إلى ما دون ذلك من الشفاعات الخاصّة والمشتركة هو وغيره فيها (٧) كما أشرنا إليه وكما يأتي إن شاء الله تعالى، ومنها أن الجنّة محرمة على الخلق حتى يدخلها هو - ﷺ -، وعلى الأمم حتى
_________________
(١) = قلابة، أن عمر بن الخطاب مر برجل يقرأ كتابًا سمعه ساعة فاستحسنه فقال للرجل: أتكتب من هذا الكتاب قال: نعم، فاشترى أديمًا لنفسه ثم جاء به إليه فنسخه في بطنه وظهره، ثم أتى به النبي - ﷺ - فجعل يقرأه عليه وجعل وجه رسول الله - ﷺ - يتلون فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال: ثكلتك أمك يا بن الخطاب ألا ترى إلى وجه رسول الله - ﷺ - منذ اليوم وأنت تقرأ هذا الكتاب فقال النبي - ﷺ - عند ذلك: «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصارًا، فلا يهلكنكم المتهوكون»، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٦/ ٣٩٢) ح ٢٨٦٤: "ضعيف".
(٢) في ب "فكان"، وهو خطأ.
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٤/ ٤)، من طريق بريدة بن الحصيب - ﵁ -، بلفظ: " قال سمعت عمر يقول: يا رسول الله ما لك أفصحنا وإنك لم تخرج من بين أظهرنا، قال: «إن لغة إسماعيل درست فأتاني بها جبريل فحفظتها»، قال ابن عساكر: "هذا حديث غريب له علة عجيبة"، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١/ ٦٧٩) ح ٤٦٥: "ضعيف".
(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٢٧.
(٥) في هامش أ "ثلثي".
(٦) أخرج البخاري (٨/ ١١٠)، في كتاب الرقاق، باب كيف الحشر، ح ٦٥٢٨، ومسلم (١/ ٢٠٠)، في كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، ح ٢٢١، من طريق عبدالله بن مسعود، بلفظ: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة» واللفظ للبخاري.
(٧) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٢٧.
(٨) تقدم الحديث عن الشفاعة في مطلب الشفاعة، انظر: ص ٢٠٩ - ٢١٢.
[ ٥١٧ ]
تدخلها أمّته (١)، ومنها المقام المحمود (الّذي يغبطه به الأوّلون والآخرون يوم القيامة وجاء في تفسير المقام المحمود) (٢): أنه الشفاعة، وجاء أنه يجلسه ربّه سبحانه معه على العرش وصنف فيه الإمام أبو بكر المروذي (٣) كتابًا وساق ماعنده (في ذلك) (٤) من الأخبار والآثار (٥)، ومنها الوسيلة وهي درجة (٦) في الجنة لا ينبغي أن (تكون) (٧) إلا لعبد من عباد الله وكان - ﷺ - يرجوها (٨) وإذا كانت لا ينبغي إلا لرجل واحد من عباد الله فمن عساه يصلح لها غيره - ﷺ -، ومنها أن الله تعالى جعل سبَّه - ﷺ - ولعْنه لمن ليس لذلك أهلًا زكاةً وأجرًا وعافية ومغفرة وقربة إليه يوم القيامة (٩)، ومنها أن الكذب عليه صلى الله
_________________
(١) أخرج ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ١٢٩)، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، ١٤٠٨، دار الفكر، بيروت، من طريق عمر بن الخطاب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي «وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف: د. سعد الحميد ود. خالد الجريسي، الطبعة الأولى ١٤٢٧، مطابع الحميضي، بلفظ: «إن الجنة حرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي «، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٥/ ٣٥٤) ح ٢٣٢٩: "منكر".
(٢) ما بين القوسين ليس في ب.
(٣) هو أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر المروذي، عالم بالفقه والحديث، كان أجل أصحاب الإمام أحمد، خصيصا بخدمته، يأنس به الإمام ويقول له: كل ما قلت فهو على لساني وأنا قلته! وروى عنه مسائل كثيرة، ووصف بأنه كثير التصانيف، نسبته إلى مرو الروذ من خراسان، ووفاته ببغداد سنة ٢٧٥. الأعلام (١/ ٢٠٥).
(٤) "في ذلك" ليس في ب.
(٥) اسم كتابه (المقام المحمود)، قال أبو بكر الخلال في السنة (١/ ٢١٧)، تحقيق: د. عطية الزهراني، الطبعة الأولى ١٤١٠، دار الراية، الرياض: " قرأ علينا أبو بكر المروذي (كتاب المقام المحمود) مرة واحدة في مسجد الجامع ".
(٦) في ب "الدرجة" بزيادة "أل".
(٧) "تكون" ليس في ب.
(٨) أخرج مسلم (١/ ٢٨٨)، في كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل له الوسيلة، ح ٣٨٤، من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا لي، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباده الله، وأرجوا أن أكون أنا هو ».
(٩) أخرج مسلم (٤/ ٢٠٠٨)، في كتاب الصلة والآداب، باب من لعنه النبي - ﷺ - أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة، ح ٢٦٠١، من طريق أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «اللهم إني أتخذ عندك لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته شتمته، لعنته، جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة».
[ ٥١٨ ]