من ذلك ما صح وثبت عنه أنه قال: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» (١) وأنه قال: «أنا أول شافعٍ وأول مشفع» (٢)، وأنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة (٣)، وأنه أول من يأتي المحشر، وأنه قال: «آدم ومن دونه تحت
_________________
(١) = كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول - ﷺ - وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز وكانت حجر أزواج النبي - ﷺ - شرقي المسجد وقبليه فأمره أن يشتريها من ملاكها ورثة أزواج النبي - ﷺ - فاشتراها وأدخلها في المسجد فزاد في قبلي المسجد وشرقيه ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد وإلا فهي قبل ذلك كانت خارجة عن المسجد في حياة النبي - ﷺ - وبعد موته ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين ولو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه فأين هذا من هذا والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله فإن الله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه - ﷺ - ومحبته وطاعته وموالاته فهذه الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه وإن أريد أن نتوسل إليه بما تحب ذاته وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح فهذا باطل عقلًا وشرعًا، أما عقلًا: فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبًا له ما يوجب كون حاجتي تقضي بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضي به حاجتي فإن كان منه دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة لي فيها إذا لم يحصل لي السبب الذي أمرت به فيها ولهذا لو توسل به من كفر به مع محبته له لم ينفعه والمؤمن به ينفعه الإيمان به وهو أعظم الوسائل فتبين أن الوسيلة بين العباد وبين ربهم - ﷿ - الإيمان بالرسل وطاعتهم ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا، وأما الشرع فيقال العبادات كلها مبناها على الإتباع لا على الابتداع فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله فليس لأحد أن يصلى إلى قبره ويقول هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» " وليراجع أيضًا مطلب: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية، فقرة: التوسل الممنوع.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٧.
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٨٢)، بنحوه في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق، ح ٢٢٧٨.
(٤) أخرجه البخاري (٣/ ١٢١)، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، ح ٢٤١٢.
[ ٥٧٥ ]
لوائي يوم القيامة» (١)، وأنه أكرم بني آدم على ربه (٢)، وأنه صاحب المقام المحمُود (٣)، وأن لواء الحمد بيده يوم القيامة يقوم على يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره (٤)، ومن ذلك: أن اسمه مكتوب على العرش مع اسمِ ربّه ﵎ لا إله إلا الله محمد رسول الله (٥) [- ﷺ -] (٦)، ومن ذلك: الشفاعة العامة العُظمى التي يتخلف
عنها إبراهيم الخليل وموسى الكليم فمن دونهما من الأنبياء ويُحْجِمُونَ عنها وكلٌ يقول: نفسي نفسي، وذلك ما روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة قال: أن رسول الله - ﷺ - أتى بلحم فرُفعَ إليه الذِراع وكانت تعجبه فنهسَ منها نهسة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرونَ لِمَ ذاك؟ يجمع الله - ﷿ - الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمسُ، فيبلغ الناسَ من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعضٍ: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم - ﷿ -؟ فيقول بعضُ الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدمُ أنت أبو البشر، خلقك الله تعالى بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك - ﷿ -، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا - ﵇ -[ق ٨٢/ظ] فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله - ﷿ - عبدًا شكورًا، فاشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا (٧) ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٢٧.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص ٣٤٧.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ٥٠٦؛ وانظر القول في تفسيرها: ص ٥١٨.
(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٦) ح ٣٦١١، قال الألباني في ضعيف سنن الترمذي (١/ ٤٨٢) ح ٧٤٢: "ضعيف".
(٥) ذكره ابن تيمية في منهاج السنة (٧/ ١٣٧)، وقال: "إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث". منهاج السنة (٧/ ١٣٩).
(٦) " - ﷺ - " زيادة من ب.
(٧) في ب "إلى"، وهو خطأ ظاهر.
[ ٥٧٦ ]
ربّي قد غضب اليوم غضبًا [شديدًا] (١) لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم - ﵇ -، فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى ما نحن عليه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم - ﵇ -: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى - ﵇ -، فيقولون: يا موسى أنت رسول الله تعالى، اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك ألا (٢) ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟
فيقول لهم موسى: إن رَبّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمتُهُ ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك - ﷿ -، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمّد - ﷺ -، فيأتوني (٣)، فيقولون: يا محمّد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى [ق ٨٣/و] ربك - ﷿ -، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي - ﷿ -، ثم يفتح الله تعالى علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبل، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، سَل تعطه، اشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي يا رب، أمتي أمتي يا رب، أمتي أمتي يا رب، أمتي أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب،
_________________
(١) "شديدًا" زيادة من ب.
(٢) في ب "إلى"، وهو خطأ ظاهر.
(٣) في ب "فيأتون" بدون الياء.
[ ٥٧٧ ]
ثم قال: والذي نفسُ محمد بيده لما بين المصراعيْن (١) من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر (٢) أو كما بين مكة وبصرى (٣)» (٤)، وفي رواية أخرى: «حتى يأتوني فإذا جاءوني انطلقت حتى آتي الفحْصَ فأخِرّ قدام العرش لربي ساجدًا ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحدٍ قبلي حتى يبعث الله إليّ ملكًا فيأخذ بعضدي فيرفعني» فقال أبو هريرة: قلت يا رسول الله وما الفحص، قال: «قدام العرش» (٥)، «فيقول (لي) (٦) إذا رفعني الملك: ما شأنك يا محمد وهو أعلم، فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فأقض بينهم، فيقول الله تعالى: قد شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم - قال رسول الله - ﷺ -: - فأرجع فأقف مع الناس» (٧)، وفي رواية أخرى: «فيقول عيسى بن مريم - ﷺ -: عليكم بمحمد - ﷺ - فيأتوني ولي عند الله ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق حتى آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح لي فأُحيَّا ويُرَحّبُ بي، فإذا دخلت ونظرت إلى ربي - ﷿ - على عرشه خررت له ساجدًا فأسجد ما شاء الله أن أسجد ويأذن لي في محامده وتمجيده وحسن الثناء عليه ما لم يأذن به (٨) لأحد من خلقه حتى يقول: ارفع رأسك (يا محمد) (٩) اشفع تشفع وسل
_________________
(١) المصراعان -بكسر الميم-: جانبا الباب. شرح النووي على مسلم (٣/ ٦٩).
(٢) هجر -بفتح الهاء والجيم-: قال محمد بن محمد حسن شراب: "عند ياقوت: هجر: مدينة، وهي قاعدة البحرين .. أقول: وليست من البحرين المعروفة الآن سياسيًا، في داخل الخليج العربي، ولكن البحرين كانت تطلق على المنطقة الشرقية من السعودية وقاعدتها هجر: وهي الأحساء". المعالم الأثيرة ص ٢٩٣.
(٣) بُصرى -فبضم الباء-: كانت كبرى مدن حوران، وهي معروفة اليوم في أراضي الجمهورية السورية، وبها آثار. انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ٦٩)، المعالم الأثيرة ص ٤٩.
(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٨٤)، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، ح ٤٧١٢؛ ومسلم (١/ ١٨٤)، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ح ١٩٤؛ والترمذي (٤/ ٦٢٢) ح ٢٤٣٤.
(٥) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٧٩١): "هكذا فُسّر في الحديث ولعله من الفحص: البسط والكشف".
(٦) "لي" ليس في ب.
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٨) في ب "ربي".
(٩) "يا محمد" ليس في ب.
[ ٥٧٨ ]
تعطه - قال: - فأرفع رأسي فإذا نظرت إلى ربّي خررت (١) له ساجدًا قال: فأفعل مثل ما فعلت في السجدة الأولى ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد اشفع تشفع وسل تعطه (٢) [ق ٨٣/ظ]، فأفعل ذلك ثلاث مرات، فيقول: ما شأنك يا محمد، وهو أعلم، فأقول: أي رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة، فيقول: قد شفعتك قد أذنت لهم في دخول الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بمنازلكم وأزواجكم منكم في الجنة إذا دخلتموها ثم أشفع فأقول (٣): أي رب فمن وقع في النار من أمتي، فيقول: اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه من النار، فيخرج أولئك حتى لا يبقى أحد ثم يأذن في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد ولا مؤمن
إلا اللعّان فإنه لا يكتب شهيدًا ولا يؤذن له في الشفاعة» (٤)، فهؤلاء أكابر الأنبياء الذين هم أولو العزم من الرسل نَكَلُوا عن الشفاعة واعتَذَروا وكل يقول: نفسي، ومحمد - ﷺ - انتدب لها وقام ذلك المقام وقال: أنا لها وشفع وشُفعَ.
فإن قيل: عذر من لم يقم بها منهم ما ذكر من ذنبه ومحمد عرف أن أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قلنا (٥): ليس العلة في تأخّرهم ذلك وإنما هو لأن محمدًا - ﷺ - كان مختصًا بها، ألا ترى أن عيسى - ﵇ - لما نُدب إليها امتنع ولم يذكر لنفسه ذنبًا، فدل ذلك على عظم منزلة محمد - ﷺ - واختصاصه وحده بالشفاعة، ومن كبار خصائصه - ﷺ - ما قاله عبدالله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جاء نبيكم - ﷺ - فيقعد بين يدي الله - ﷿ - على كرسيّه (٦)، وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: من الآية ٧٩] قال: يُقعده على العرش، قال أبو بكر
_________________
(١) في ب "فخررت" بزيادة الفاء.
(٢) في أ "تعط" بدون الهاء.
(٣) في ب "فيقول".
(٤) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٨٤) ح ١٠، تحقيق: د. عبدالغفور البلوشي، الطبعة الأولى ١٤١٢، مكتبة الإيمان، المدينة.
(٥) في ب "قلت".
(٦) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٢١١).
[ ٥٧٩ ]
محمد بن الحسين الآجريّ (١): حديث مجاهد في فضيلة النبي - ﷺ - تفسيره لهذه الآية أنه يقعده على العرش تلقاها الشيوخ من أهل العلم والنقل بحديث رسول الله - ﷺ - وقبلوها أحسن قبول ولم ينكروها (٢)، وصنف في ذلك الإمام أبو بكر (أحمد) (٣) بن محمد بن الحجاج المروذي (٤) ﵀ كتابًا (٥) سمعناه [ق ٨٤/و] ببغداد على بعض شيوخنا ذكر فيه ما وقع إليه من الأحاديث المتضمنة لذلك، ومنها ما رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أولهم خروجًا (من الأرض) (٦) إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وَافدوا وأنا خطيبُهم إذا أنصَتوا وأنا مُستَشفَعُهم (٧)، إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا، الكرامَةُ والمنائحُ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف عليّ خدّام كأنهنّ بَيْضٌ مكنون أو (٨) لؤلؤٌ منثور» (٩)، ومنها في حديث ابن عباس قال فيه: ثم يقال (١٠): «يا محمد استَبِقْ إلى الجنة بأمّتك فأستفتح الباب فيقال: من أنت، فأقول: أنا محمد بن عبدالله، فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتح لأحد قبلك فإن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك» (١١) وذكر أبو الربيع السِبُتِي سليمان بن سَبُعٍ (١٢) في كتابه
_________________
(١) هو محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري، فقيه شافعي محدث، نسبته إلى آجر من قرى بغداد، ولد فيها، وحدث ببغداد، قبل سنة ٣٣٠ ثم انتقل إلى مكة، وتوفي فيها سنة ٣٦٠. انظر: الأعلام (٦/ ٩٧).
(٢) انظر: الشريعة للأجري (٤/ ١٦١٢ - ١٦١٣).
(٣) "أحمد" ليس في ب.
(٤) تقدم ترجمته، انظر: ص ٥١٨.
(٥) واسمه: (المقام المحمود) وقد تقدم التعليق عليه، انظر: ص ٥١٨.
(٦) "من الأرض" ليس في ب.
(٧) في ب "مشفعهم".
(٨) في ب "و".
(٩) تقدم تخريجه، انظر: ص ٥٠٤.
(١٠) في ب "يقول".
(١١) ذكره الدليمي في الفردوس بمأثور الخطاب (١/ ٣٣)، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول، ١٤٠٦، دار الكتب العلمية، بيروت.
(١٢) هو أبو الربيع سليمان بن سبع -بإسكان الباء وضمها- العجميسي أو العجيسي، ويلقب بالخطيب، ولد بسبتة، وبها نشأ وتعلم، ولم أقف على من ترجم له ترجمة مستوفية فذكر ولادته ووفاته وشيوخه وتلاميذه، ويشير ابن الأبار في كتابه التكملة - وهو يتحدث عن ترجمة أبي عبد الله محمد بن حسين بن عطية، المعروف بابن الغازي- =
[ ٥٨٠ ]
خصائص محمد - ﷺ - (١) قال: ورد حديثُ الشفاعة من طرق كثيرة، وفي كل طريق منها فائدة لم يتضمنها الطريق الأخرى، وهي مشتملة على أزيد من ثلاثين فضيلة، وذكر منها: المقام المحمود، ولواء الحمد بيده، تحته آدم فمن دونه، وأنه (٢) أول من يؤذن له في الكلام فيتكلم - يعني: قوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: من الآية ٣٨] وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]- وهو أول شفيع فيَشفَع، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يكسى من حُلل الجنة، وأول من يركب البراق، وأول من يقرع باب الجنة فيفتح له، و(٣) أول من ينظر إلى رب العالمين، واختصاصه بالسجود لرب العزة أمام العرش وبديع ما يفتح الله عليه من تحميد ربه في سجوده والثناء عليه بما لم يفتحه على أحد قبله ولا بعده، وقد تقدم أشياء من ذلك، ومنها قول الله سبحانه: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع مرة بعد مرة في تكرار الشفاعة، ومنها: أن الأنبياء يؤتون
_________________
(١) = إلى أنه روى عن جده لأمه سليمان بن سبع الخطيب، كما أخذ عن جماعة من شيوخ الأندلس والعدوة وأنه توفي في بضع وتسعين وخمسمائة. ويمكن أن نستخلص من هذا النص ما يلي: أن ابن سبع عمر طويلًا حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، فهو قد عاش النصف الأخير من المائة الخامسة للهجرة، وأوائل السادسة، وإذا كان حفيده وتلميذه ابن الغازي قد ولد في حدود أوائل المائة السادسة، وتوفي في بضع وتسعين منها، أو على الأصح سنة ٥٩١، فلا يجوز أن يسمع من جده ابن سبع إلا بعد أن تصل سنه ١٦ على الأقل، فإذا أضفنا إلى ذلك ما يذكره ابن سبع نفسه في مقدمة كتابه (شفاء الصدور) من أنه قضى في جمعه قرابة ثلاثين سنة أو تزيد، والشأن أن لا يتصدى العلماء للتأليف، إلا بعد أن تصل أعمارهم نحو الأربعين؛ فيجوز لنا أن نزعم بأن ابن سبع، ولد في حدود ٤٤٠ هـ، وتوفي في نحو ٥٢٠ هـ، وقد عاش نيفًا وثمانين سنة؛ ويذكر الأنصاري في اختصار الأخبار أنه دفن في الربض الأسفل من سبتة - بصحن جامع التبانين - حيث تقام الجمعة، وربما كان خطيبًا هناك. انظر: أقدم عالم مغربي وصلنا تراثه: أبو الربيع سليمان ابن سبع السبتي -١ -، سعيد أحمد عراب، مجلة دعوة الحق - العدد ٢٠٠، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية.
(٢) اسم كتابه (شفاء الصدور في أعلام نبوة الرسول وخصائصه). انظر: المصدر السابق.
(٣) في ب "ولأنه".
(٤) في ب "في"، وهو خطأ.
[ ٥٨١ ]
فيُسألون (١) أن يشفع لهم إلى ربهم ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم في المحشر فيجاب إلى ذلك، وقد تبرَّأ منها كل نبي وأحال بها على غيره حتى تصل إليه [ق ٨٤/ظ] فيقول: «أنا لها» (٢)، ومنها: شفاعته فيمن لا حساب عليه كما في الحديث يقول له: «يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ثم هم شركاء الناس فيما سوى ذلك» (٣)، ومنها: شفاعته فيمن أدخل النار مرة بعد مرة، ثم يشفع فيمن عرفت صورته، ثم فيمن كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان، ومثقال ثلثي دينار، ومثقال نصف دينار، ومثقال (٤) ثلث دينار، وقيراط (٥) ودانق (٦)
وشعيرة وحبة وخردلة وبعوضة وذرة وأدنى أدنى (أدنى) (٧) حبة خردل من الإيمان إلى غير ذلك، وكل ذلك يُجاب ويشفّع فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة، فجملة الشفاعة خمسة مقامات: المقام الأول: في أهل الموقف لفصل القضاء وهي الشفاعة العظمى وهي من خصائصه - ﷺ -، والمقام الثاني: في من يدخل الجنة بغير حساب وهي من خصائصه أيضًا - ﷺ -، [و] (٨) المقام الثالث: فيمن يخرج من النّار وابتداؤها له - ﷺ - فإنه أول شافع وأول مشفع كما سَبَق، المقام الرابع: فيمن يدخل الجنة واختصاصه منها أنه لا يدخل
_________________
(١) في ب "يأتونه فيسألونه" بزيادة الهاء، وهو خطأ.
(٢) تقدم تخريجه، انظر: ص ٤٠٦.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: ٥٧٧ - ٥٧٨.
(٤) في ب "مقدار".
(٥) القيراط: جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عُشْره في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جُزءًا من أربعة وعشرين، ونظرًا إلى أن أكثر أهل العلم يعتبرون القيراط نصف عشر الدينار فجرى الأخذ بذلك، وذكر الدكتور محمد الخاروف في تحقيقه لكتاب ابن رفعه أن وزن الدينار = ٤،٢٥ جرامًا، فيكون وزن القيراط = ٠،٢١٢٥ جرام من الذهب. انظر: النهاية (٤/ ٦٤)، مجلة البحوث الإسلامية - العدد ٥٩، ص ١٩٢، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.
(٦) الدانق -بفتح النون وكسرها- معرَّب من الأوزان، وهو سدس الدينار والدرهم، ويكون وزنه في المقادير المعاصرة =٠،٧٠٨ جرامًا من الذهب. انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٢٠١)، لسان العرب (١٠/ ١٠٥)، مجلة البحوث الإسلامية -العدد ٣٩، ص ٢٨٠، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.
(٧) "أدنى" الثالث ليس في ب.
(٨) "و" زيادة من ب.
[ ٥٨٢ ]