وَحدث ﷺ ذَات لَيْلَة نِسَاءَهُ حَدِيثا فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُم كَانَ الحَدِيث حَدِيث خرافة فَقَالَ (أَتَدْرُونَ مَا خرافة إِن خرافة كَانَ رجلا من عذرة أسرته الْجِنّ فِي الْجَاهِلِيَّة فَمَكثَ فيهم دهرا ثمَّ ردُّوهُ إِلَى الْأنس فَكَانَ يحدث النَّاس بِمَا رأى فيهم من الْأَعَاجِيب فَقَالَ النَّاس حَدِيث خرافة
وَكَانَ ﷺ إِذا دخل منزله جزأ دُخُوله ثَلَاثَة أَجزَاء جُزْء لله وجزء لنَفسِهِ وجزء لأَهله ثمَّ جزأ جزءه بَينه وَبَين النَّاس فَيرد ذَلِك بالخاصة على الْعَامَّة وَكَانَ من سيرته فِي جُزْء الْأمة إِيثَار أهل الْفضل بِإِذْنِهِ وقسمه على قدر فَضلهمْ فِي الدّين فَمنهمْ ذُو الْحَاجة وَمِنْهُم ذُو الحاجتين وَمِنْهُم ذُو الْحَوَائِج فيتشاغل بهم ويشغلهم فِيمَا يصلحهم ويخبرهم بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُم وَيَقُول (ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وأبلغوني حَاجَة من لَا يَسْتَطِيع إبلاغها فَإِنَّهُ من أبلغ سُلْطَانا حَاجَة من لَا يَسْتَطِيع إبلاغها ثَبت الله قَدَمَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة لَا يذكر عِنْده إِلَّا ذَلِك) ويدخلون رَوَّادًا وَلَا يتفرقون إِلَّا عَن ذواق يخرجُون أَدِلَّة يَعْنِي على الْخَيْر
وَكَانَ ﷺ يؤلف أَصْحَابه وَلَا ينفرهُمْ وَيكرم كل كريم قوم ويوليه عَلَيْهِم وَالَّذِي يَلِيهِ من النَّاس خيارهم أفضلهم عِنْده وأعمهم نصيحة وأعظمهم عِنْده منزلَة
[ ٨٩ ]
أحْسنهم مواساة ومؤازرة وَلَا يجلس وَلَا يقوم إِلَّا على ذكر وَإِذا انْتهى إِلَى قوم جلس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس وَيَأْمُر بذلك وَيُعْطى كل جُلَسَائِهِ نصِيبه لَا يحْسب جليسه أَن أحدا أكْرم عَلَيْهِ مِنْهُ مِمَّن جالسه وَإِذا جلس إِلَيْهِ أحد لم يقم حَتَّى يقوم الَّذِي جلس إِلَيْهِ إِلَّا أَن يستعجله أَمر أَمر فيستأذن وَلَا يُقَابل أحدا بِمَا يكره وَلَا ضرب خَادِمًا قطّ وَلَا امْرَأَة وَلَا أحدا إِلَّا فِي جِهَاد ويصل ذَا رَحمَه من غير أَن يؤثره على من هُوَ أفضل مِنْهُ وَلَا يجزى السَّيئَة بِمِثْلِهَا بل يعفوا ويصفح وَكَانَ يعود المرضى وَيُحب الْمَسَاكِين ويجالسهم وَيشْهد جنائزهم وَلَا يحقر فَقِيرا لفقره وَلَا يهاب ملكا لملكه يعظم النِّعْمَة وَإِن دقَّتْ لَا يذم مِنْهَا شَيْئا ويحفظ جَاره وَيكرم
[ ٩٠ ]
ضَيفه ويبسط رِدَاءَهُ لَهُ كَرَامَة وجاءته ظئره الَّتِي أَرْضَعَتْه يَوْمًا فَبسط رِدَاءَهُ لَهَا وَقَالَ مرْحَبًا بأمي وأجلسها عَلَيْهِ
وَكَانَ أَكثر النَّاس تبسما وَأَحْسَنهمْ بشرا مَعَ أَنه كَانَ متواصل الأحزان دَائِم الفكرة لَا يمْضِي لَهُ وَقت فِي غير عمل لله أَو فِيمَا لَا بُد لَهُ أَو لأَهله مِنْهُ وَمَا خير فِي شَيْء قطّ إِلَّا اخْتَار أيسرهما إِلَّا أَن تكون فِيهِ قطيعة رحم فَيكون أبعد النَّاس مِنْهُ
وَكَانَ يخصف نَعله ويرقع ثَوْبه ويخدم فِي مهنة أَهله وَيقطع اللَّحْم مَعَهُنَّ ويركب الْفرس والبغل وَالْحمار ويردف خَلفه عَبده أَو غَيره وَيمْسَح وَجه فرسه بِطرف كمه وبطرف رِدَائه
وَكَانَ يتَوَكَّأ على العصى وَقَالَ (التوكأ على الْعَصَا من أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء) ورعى الْغنم وَقَالَ (مَا من نَبِي إِلَّا وَقد رعاها) وعق ﷺ نَفسه بعد مَا جَاءَتْهُ
[ ٩١ ]
النُّبُوَّة وَكَانَ لَا يدع الْعَقِيقَة عَن الْمَوْلُود من أَهله وَيَأْمُر بحلق رَأسه يَوْم السَّابِع وَأَن يتَصَدَّق عَنهُ بزنة شعره فضَّة
وَكَانَ يحب الفأل وَيكرهُ الطَّيرَة وَيَقُول (مَا منا إِلَّا من يجد فِي نَفسه وَلَكِن الله يذهبه بالتوكل)
وَكَانَ إِذا جَاءَهُ مَا يحب قَالَ (الْحَمد لله رب الْعَالمين) وَإِذا جَاءَهُ مَا يكره قَالَ (الْحَمد لله على كل حَال) وَإِذا رفع الطَّعَام بَين يَدَيْهِ قَالَ (الْحَمد لله الَّذِي أطعمنَا وَسَقَانَا وأوانا وَجَعَلنَا مُسلمين) وروى فِيهِ (الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ غير مُودع وَلَا مُسْتَغْنى عَنهُ رَبنَا) وَإِذا عطس خفض صَوته واستتر بِيَدِهِ أَو بِثَوْبِهِ ويحمد الله
وَكَانَ ﷺ أَكثر جُلُوسه مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَإِذا جلس فِي الْمجْلس احتبى بِيَدِهِ وَكَانَ يكثر الذّكر ويقل اللَّغْو ويطيل الصَّلَاة وَيقصر الْخطْبَة ويستغفر
[ ٩٢ ]
فِي الْمجْلس الْوَاحِد مائَة مرّة وَكَانَ ينَام أول اللَّيْل ثمَّ يقوم من السحر ثمَّ يُوتر ثمَّ يَأْتِي فرَاشه فَإِذا سمع الْأَذَان وثب فَإِن كَانَ جنبا أَفَاضَ عَلَيْهِ وَإِلَّا تَوَضَّأ وَخرج إِلَى الصَّلَاة وَكَانَ يُصَلِّي فِي سبحته قَائِما وَرُبمَا صلى قَاعِدا قَالَت عَائِشَة ﵂ لم يمت ﷺ حَتَّى كَانَ أَكثر صلَاته جَالِسا
وَكَانَ يسمع لجوفه أزيز كأزيز الْمرجل من الْبكاء وَهُوَ فِي الصَّلَاة وَكَانَ يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وعاشوراء وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة وَأكْثر صِيَامه فِي شعْبَان
وَكَانَ ﷺ تنام عَيناهُ وَلَا ينَام قلبه انتظارا للوحي وَإِذا ينَام نفخ وَلَا يغط غطيطا وَإِذا رأى مناما مَا يروعه قَالَ (هُوَ الله لَا شريك لَهُ) وَإِذا أَخذ
[ ٩٣ ]
مضجعه وضع كَفه الْيُمْنَى تَحت خَدّه وَقَالَ (رب قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك)
وَكَانَ يَقُول (اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَمُوت وَأَحْيَا) وَإِذا اسْتَيْقَظَ قَالَ (الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَانًا بعد مَا أماتنا وَإِلَيْهِ النشور)
وَكَانَ ﷺ إِذا تكلم بَين كَلَامه حَتَّى يحفظه من جلس إِلَيْهِ وَيُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لتعقل عَنهُ ويخزن لِسَانه لَا يتَكَلَّم فِي غير حَاجَة وَيتَكَلَّم بجوامع الْكَلم فضل لَا فضول وَلَا تَقْصِير
وَكَانَ يتَمَثَّل ببيتي من الشّعْر ويتمثل بقوله ويأتيك بالأخبار من لم تزَود وَبِغير ذَلِك ﷺ
وَكَانَ ﷺ جلّ ضحكه التبسم وَرُبمَا ضحك من شَيْء متعجب حَتَّى تبدوا نَوَاجِذه من غير قهقهة
وَمَا عَابَ ﷺ طَعَاما قطّ إِن اشتهاه أكله وَإِن لم يشتهيه تَركه
وَكَانَ ﷺ لَا
[ ٩٤ ]
يَأْكُل متكأ وَلَا على خوان وَلَا يمْتَنع من مُبَاح يَأْكُل الْهَدِيَّة ويكافئ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة وَلَا يتأنق فِي مأكل يَأْكُل مَا وجد إِن وجد تَمرا أكله وَإِن وجد لَبَنًا اكْتفى بِهِ وَلم يَأْكُل خبْزًا مرققا حَتَّى مَاتَ ﷺ (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ خرج رَسُول الله ﷺ من الدُّنْيَا وَلم يشْبع من خبز الشّعير) من الدُّنْيَا وَلم يشْبع من خبز الشّعير
وَكَانَ يَأْتِي على آل مُحَمَّد ﷺ الشَّهْر والشهران لَا يُوقد فِي بَيت من بيوته نَار وَكَانَ قوتهم التَّمْر وَالْمَاء وَكَانَ يعصب على بَطْنه الْحجر وَقد أَتَاهُ الله مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض فَأبى أَن يقبلهَا وَاخْتَارَ الْآخِرَة عَلَيْهَا
وَكَانَ يَأْتِي عَائِشَة ﵂ فَيَقُول أعندك غذَاء فَتَقول لَا فَيَقُول إِنِّي صَائِم فَأَتَاهَا يَوْمًا فَقَالَت يَا رَسُول الله أهدي لنا هَدِيَّة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَت حيس قَالَ أما إِنِّي أَصبَحت صَائِما قَالَت ثمَّ
[ ٩٥ ]
أكل وَأكل ﷺ الْخبز بالخل وَقَالَ (نعم الادام الْخلّ) وَأكل لحم الدَّجَاج وَلحم الحباري
وَكَانَ يحب الدبا ويأكله وَيُعْجِبهُ الذِّرَاع من الشاه وَقَالَ (إِن أطيب اللَّحْم لحم الظّهْر) وَقَالَ (كلوا الزَّيْت وادهنوا بِهِ فَإِنَّهُ من شَجَرَة مباركة) وَكَانَ يُعجبهُ الثفل يَعْنِي مَا بَقِي من الطَّعَام وَكَانَ يَأْكُل بأصابعه الثَّلَاث ويلعقهن وَعَن سلمى زَوْجَة أبي رَافع أَن الْحسن وَابْن
[ ٩٦ ]
عَبَّاس وَابْن جَعْفَر وأتوها فَقَالُوا لَهَا اصنعي لنا طَعَاما مِمَّا كَانَ يعجب رَسُول الله ﷺ وَيحسن أكله فَقَالَت يَا بني لَا تشتهيه الْيَوْم قَالَ بلَى اصنعيه لنا قَالَ فَقَامَتْ فطبخت شَعِيرًا وَجَعَلته فِي خضر وصبت عَلَيْهِ شَيْئا من زَيْت ودقت الفلفل والتوابل وقربته إِلَيْهِم وَقَالَت هَذَا مِمَّا كَانَ يعجب رَسُول الله ﷺ وَيحسن أكله
وَأكل ﷺ خبز الشّعير بِالتَّمْرِ وَقَالَ (هَذَا أَدَم هَذَا) وَأكل ﷺ الْبِطِّيخ بالرطب والقثاء بالرطب وَالتَّمْر بالزبد
وَكَانَ يحب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يشرب قَاعِدا وَرُبمَا شرب قَائِما ويتنفس ثَلَاثًا وَإِذا فضل مِنْهُ فضلَة وَأَرَادَ أَن يسقيها بَدَأَ بِمن عَن يَمِينه وَشرب ﷺ لَبَنًا وَقَالَ (من أطْعمهُ الله لَبَنًا فَلْيقل اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيهِ وزدنا مِنْهُ) وَقَالَ ﷺ (لَيْسَ يُجزئ مَكَان الطَّعَام وَالشرَاب بِغَيْر اللَّبن)
[ ٩٧ ]
وَكَانَ ﷺ يلبس الصُّوف وينتعل المخصوف وَلَا يتأنق فِي ملبس يلبس مَا وجده مرّة شملة وَمرَّة برد صبرَة وَمرَّة جُبَّة صوف وَكَانَ يلبس السبتية وَيتَوَضَّأ فِيهَا
وَكَانَ لنعليه قبالان وَأول من عقد عقدا وَاحِدًا عُثْمَان ﵁ وَكَانَ أحب اللبَاس إِلَيْهِ الْحبرَة وَهِي من برود الْيمن فِيهَا حمرَة وَبَيَاض وَكَانَ أحب الثِّيَاب إِلَيْهِ الْقَمِيص
وَكَانَ إِذا استجد ثوبا سَمَّاهُ باسمه عِمَامَة أَو قَمِيصًا اَوْ رِدَاء يَقُول (اللَّهُمَّ لَك الْحَمد كَمَا ألبستنيه أَسأَلك خَيره وَخير مَا صنع لَهُ وَأَعُوذ بك من شَره وَمن شَرّ مَا صنع لَهُ)
[ ٩٨ ]
وَكَانَ يُعجبهُ الثِّيَاب الْخضر وَكَانَت قَمِيصه مشدودة الأزار وَكَانَ يلبس كسَاء الصُّوف وَحده فَيصَلي فِيهِ وَرُبمَا لبس الأزار الْوَاحِد لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره يعْقد طَرفَيْهِ بَين كَتفيهِ فَيصَلي فِيهِ
وَكَانَ يلبس القلانس تَحت العمائم ويلبسها دون العمائم ويلبس العمائم دونهَا ويلبس القلانس ذَات الآذان فِي الجرب وَرُبمَا نزع قلنسوته وَجعلهَا سترا بَين يَدَيْهِ وَصلى بهَا وَرُبمَا مَشى بِلَا قلنسوة وَلَا عِمَامَة وَلَا رِدَاء رَاجِلا يعود المرضى كَذَلِك فِي أقْصَى الْمَدِينَة
وَكَانَ يعتم ويسدل طرفِي عمَامَته بَين كَتفيهِ وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ عممني رَسُول الله ﷺ بعمامته وسدل طرفها على مَنْكِبي وَقَالَ إِن الْعِمَامَة حاجز بَين الْمُسلمين
[ ٩٩ ]
وَالْمُشْرِكين وَكَانَ يلبس يَوْم الْجُمُعَة برده الْأَحْمَر ويعتم وَكَانَ يلبس خَاتمًا من فضَّة فصه مِنْهُ نقشه مُحَمَّد رَسُول الله فِي خِنْصره الْأَيْمن وَرُبمَا لبسه فِي الْأَيْسَر وَيجْعَل فصه مِمَّا يَلِي بَاطِن كَفه
وَكَانَ ﷺ يحب الطّيب وَيكرهُ الرّيح الكريهة وَكَانَ يَقُول (إِن الله جعل لذتي فِي النِّسَاء وَجعل قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة) وَكَانَ يتطيب بالغالية والمسك حَتَّى يرى وبيصه فِي مفارقه ويتبخر بِالْعودِ ويطرح مَعَه الكافور وَكَانَ يعرف فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة بِطيب رِيحه
وَكَانَ ﷺ يكتحل بالأثمد فِي كل لَيْلَة ثَلَاثًا فِي كل عين
وَرُبمَا اكتحل ثَلَاثًا فِي الْيَمين واثنتين فِي الْيَسَار وَرُبمَا اكتحل وَهُوَ صَائِم
[ ١٠٠ ]
وَكَانَ يَقُول ﷺ (عَلَيْكُم بالأثمد فَإِنَّهُ يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر) وَكَانَ يكثر دهن رَأسه ولحيته وَكَانَ يترجل غبا وَكَانَ يحب التَّيَمُّن فِي ترجله وتنعله وَطهُوره وَفِي شَأْنه كُله وَكَانَ ينظر فِي الْمرْآة وَرُبمَا نظر فِي المَاء فِي ركوة فِي حجرَة عَائِشَة ﵂ وَسوى لحيته