وقد بدأت الأسباب الواقعية التاريخية التي قادت إلى المعركة الحاسمة تتجمع إلى بعضها منذ اللحظة التي أبلغ فيها الرسول ﷺ أن قافلة كبيرة لقريش تضم ألف بعير قادمة من الشام صوب مكة يقودها أبو سفيان في ثلاثين أو أربعين تاجرا مكيا «١»، وبمبادرة لا تردد فيها قال لأصحابه: (هذه عير قريش، فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها) «٢» .
ونظرا إلى أن نداء الرسول ﷺ لم يكن أمرا ملزما بل كان ندبا، ونظرا إلى أن أحدا لم يكن يتوقع أن لقاء مسلحا حاسما سيتمخض عن التحدي الجديد هذا، فقد خرج بعض المسلمين بقيادة رسولهم الكريم ﷺ لمهاجمة القافلة، وتخلّف بعضهم الآخر، كما أن هؤلاء خرجوا ولم يأخذوا أهبتهم الكاملة من السلاح والتأهب.. «٣» وما أن سمع أبو سفيان بنبأ تحرك المسلمين لمجابهة قافلته حتى أرسل إلى مكة على جناح السرعة ضمضم بن عمرو الغفاري وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد تعرّض لها في الطريق..
وما إن وصل ضمضم إلى مكة حتى جدع بعيره، وحوّل رحله، وشق قميصه وراح يصرخ: يا معشر قريش!! اللطيمة اللطيمة!! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث!! وسرعان ما استجاب الناس لندائه وهرعوا إلى الكعبة وهم يقولون: أيظن محمد وأصحابه أن
_________________
(١) وقيل سبعين «من قبائل قريش كلها»: الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢١ وعن حجم القافلة انظر: الواقدي ١/ ٢٧- ٢٨ ابن حزم: جوامع ص ١٠٤- ١٠٦ المقدسي ٤/ ١٨٢- ١٨٤ ابن الأثير: الكامل ٢/ ١١٣- ١١٥ ابن كثير ٣/ ٢٤٨ ٢٥٢.
(٢) ابن هشام ص ١٤٨ وانظر: الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢١، ٤٢٧، ابن سعد ٢/ ١/ ٦ الواقدي ١/ ٢٠.
(٣) ابن سعد ٢/ ١/ ٦ الواقدي ١/ ٢٠- ٢١ البلاذري: أنساب ١/ ٢٨٨.
[ ١٤٦ ]
تكون كعير ابن الحضرمي (الذي كان قد قتل في سرية ابن جحش) كلا.. والله ليعلمن ذلك. فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا.. وتجمعت قريش كلها تسعمائة وخمسين مقاتلا تصحبهم مائة فرس ولم يتخلف من أشرافها أحد خلا أبا لهب الذي يبدو أن مرضه وكبره أقعده عن اللحاق بالمستنفرين «١»، واستطاع أبو سفيان خلال ذلك أن يفلت من قبضة المسلمين بإسراعه وتجنبه الطريق الداخلي صوب الساحل. وما أن اطمأن على قافلته حتى أرسل إلى رفاقه في مكة: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم ورجالكم فقد نجّاها الله فارجعوا. إلا أن أبا جهل ابن هشام كان أبعد نظرا منه عندما أصرّ على الخروج والنزول في بدر حيث ان للعرب هناك سوقا يجتمعون له كل عام ثلاثة أيام «ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها» «٢» . فما دامت سرايا المسلمين قد حققت للدولة الجديدة في المدينة طيلة الأشهر السابقة نصرا عسكريا وإعلاميا ونفسيا ضد قريش وثبتت كلمة الإسلام ورايته في أعماق الصحراء فإنه لا بد لقريش أن تردّ بنفس الأسلوب وتعلم العرب الذين ينتمون إليها أن الكلمة كلمتها وأن الصحراء ستظل موطىء أقدامها دون منازع.
وفي الجبهة الآخرى كان الرسول ﷺ قد انطلق بأصحابه البالغ عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا مستخلفا على المدينة (أبا لبابة) ومقيما (عمرو بن أم مكتوم) إماما على الصلاة بالناس، ودفع اللواء الأبيض إلى مصعب بن عمير الداعية الشاب، وأما الرايتان السوداوان فقد حمل علي إحداهما وتدعى العقاب، أما الآخرى فقد حملها بعض الأنصار. ووزع الرسول ﷺ السبعين بعيرا التي كانت بحوزة المسلمين على أصحابه كل ثلاثة يتناوبون واحدا منها، ولم يكن معهم من الخيول سوى اثنتين. وعندما وصلوا قريبا من بدر حيث طريق القوافل بين مكة وبلاد الشام بعث الرسول إلى هناك اثنين من أتباعه ليتحسسا له الأخبار عن قافلة أبي
_________________
(١) ابن هشام ص ١٤٨- ١٥١ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢١- ٤٢٢، ٤٢٧- ٤٣١ ابن سعد ٢/ ١/ ٧ الواقدي ١/ ٢٨- ٣٠ البلاذري: أنساب ١/ ٢٩٠- ٢٩١.
(٢) ابن هشام ص ١٥٥- ١٥٦ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢٤، ٤٣٨ ابن سعد ٢/ ١/ ٧ الواقدي ١/ ٤٣- ٤٥ البلاذري: أنساب ١/ ٢٩٠- ٢٩١.
[ ١٤٧ ]
سفيان التي كانوا يظنون أنها لا زالت في المنطقة، وانطلق هو وأصحابه في أعقابهما «١» وما لبث الرسول ﷺ أن عسكر بأصحابه قريبا من ماء بدر، وعندما حلّ المساء بعث ثلاثة من رجاله المعتمدين هم الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص على رأس جماعة من المسلمين ليستطلعوا جلية الأخبار ويعرفوا شيئا عن مصير القافلة، فاستطاعوا إلقاء القبض على اثنين من سقاة قريش جاؤوا بهما إلى الرسول ﷺ معتقدين أنهما من أتباع أبي سفيان، إلا أنهما أكدا انتماءهما للجيش القرشي الذي يعسكر الآن قريبا من المسلمين تحجبهم التلال والكثبان عنهم، فقال الرسول: أخبراني عن قريش. قالوا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهم: كم القوم؟ قالا: لا ندري. قال:
كم تنحرون كل يوم؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال ﷺ: القوم بين التسعمائة والألف، ثم سألهما: فمن فيها من أشراف قريش؟ فطفقا يستعرضان عددا من قادة قريش فيهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود وغيرهم، وحينذاك أقبل الرسول ﷺ على أصحابه وقال:
هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها «٢»، وقد أدرك الرسول ﷺ أنه رغم ضياع الهدف القريب المتمثل بقافلة أبي سفيان فإن عليه أن يقود أصحابه إلى هدف أبعد: أن تظل كلمتهم تتردد في جنبات الصحراء، وألايتراجع وجودهم العسكري الذي بنته السرايا السابقة صوب المدينة فتكون الهزيمة بعينها في نظر العرب جميعا. ورغم قلة السلاح ونقص الاستعداد فإن الرسول كان يجد أنه لا مناص من التوغل في الصحراء لتحقيق هذا الهدف البعيد وكأنه، بإحساسه الصادق العميق، كان يرى الهدف الذي خرجت قريش من أجله والذي تجاوز منطق الدفاع عن مصالحها التجارية المتمثلة بحماية قافلة أبي سفيان إلى تحدي المسلمين. فإن لم يتصدّ لها الإسلام في أوّل تحد حاسم فإن نكسة خطيرة ستصيب الدعوة والدولة الإسلامية على السواء.
استشار الرسول ﷺ أصحابه وأذاع عليهم تفاصيل ما ورده من أنباء عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقام وأحسن، وقام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: «يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله
_________________
(١) ابن هشام ص ١٥١- ١٥٢ ابن سعد ٢/ ١/ ٦- ٧ الواقدي ١/ ٢٣- ٢٧.
(٢) ابن هشام ص ١٥٤- ١٥٥، ١٥٦- ١٥٧ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢٢- ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٣٦- ٤٣٧ ابن سعد ٢/ ١/ ٨- ٩ الواقدي ١/ ٥٢- ٥٣.
[ ١٤٨ ]
لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى.. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «١»، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى (برك الغماد) (مدينة في الحبشة) لجالدنا معك من دونها حتى تبلغها» . وبهذا عبّر المهاجرون على لسان قادتهم عن رغباتهم العميقة في القتال دون الدعوة، وإطاعة الرسول ﷺ الذي رأى وجوب أخذ رأي الأنصار بعد ذلك سيما وأنهم في بيعتهم له في العقبة لم يلتزموا بقتال خارج مدينتهم، فسألهم الرسول ﷺ: أشيروا علي أيها الناس! فقام سعد بن معاذ فقال: «قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا إنما جئت به هو الحق. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف عنك رجل واحد، فسر على بركة الله» . فسرّ رسول الله ﷺ وقال لأصحابه: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم «٢» . وتقدم بأصحابه حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به، فسأله الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه ثم نبني عليها حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال الرسول ﷺ: لقد أشرت بالرأي، ثم أمر بتنفيذ خطته. وعرض عليه سعد بن معاذ أن يقام له عريش يتولى منه قيادة المعركة، فنفذ الرسول رأيه. وما لبثت السماء أن أمطرت مطرا خفيفا فلبدت أرض الصحراء بما يتيح للمسلمين الحركة السريعة فوقها، وراح الرسول يدعو الله: اللهم هذي قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. وعند ما حلّ الفجر صلّى بالمسلمين وراح ينظمهم صفوفا ويحرضهم على القتال «٣» .
ما لبث الرسول أن أرسل عمّار بن ياسر وابن مسعود ﵄ فأطافا
_________________
(١) سورة المائدة: الآية ٢٤.
(٢) ابن هشام ص ١٥٢- ١٥٣ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٣٤- ٤٣٥ ابن سعد ٢/ ١/ ٨ الواقدي ١/ ٤٨- ٤٩ وانظر البخاري: التجريد ٢/ ٧٦.
(٣) ابن هشام ص ١٥٤- ١٥٥، ١٥٦- ١٥٧ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢٥، ٤٤٠- ٤٤١ الواقدي ١/ ٥٣- ٥٤، ٥٦، ٥٨- ٥٩ البلاذري: أنساب ١/ ٢٩٣ ابن سعد ٢/ ١/ ٩.
[ ١٤٩ ]
بالمشركين ثم رجعا إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله القوم مذعورون فزعون، إن الفرس ليريد أن يصهل فيضرب وجهه مع أن السماء تسحّ عليهم.. وفي معسكر قريش حدث خلاف بين قادتها، وطرح بعضهم، وعلى رأسهم حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة، رأيا بالتخلي عن القتال والعودة إلى مكة بعد ما عرفوا من نزول المسلمين قريبا منهم، إلا أن أبا جهل أصرّ على الحرب واستثار عامر بن الحضرمي بتذكيره بمقتل أخيه عمرو في سرية عبد الله بن جحش فصرخ واعمراه واعمراه الأمر الذي استفز قريشا جميعا ودفعها إلى اتخاذ موقف القتال.
وفي صبيحة الجمعة السابع عشر من رمضان تقدم الأسود بن عبد الأسد المخزومي الذي عرف بشراسة الطبع وسوء الخلق وقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنه أو أموتنّ دونه! فتصدى له حمزة بن عبد المطلب وتمكن من قتله في الحوض نفسه. وبرز عتبة بن ربيعة يحف به أخوه شيبة وابنه الوليد ودعا إلى المبارزة فخرج إليه ثلاثة من فتيان الأنصار فسألهم القرشيون: من أنتم؟ قالوا:
رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم حاجة، ونادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فاستجاب الرسول لهذا التحدي وأمر عبيدة بن الحارث وحمزة وعليا ﵃ أن يتصدوا لهم. وسرعان ما تمكن حمزة من قتل شيبة وفعل علي ذلك بغريمه الوليد، أما عبيدة فقد جرح غريمه وأصابه هو الآخر بجرح مميت فانقضّ علي وحمزة على الفتى القرشي وأجهزا عليه وحملا عبيدة إلى معسكر المسلمين حيث توفي هناك «١» .
استفزت هذه البداية كلا المعسكرين فزحفا نحو بعضهما، وأصدر الرسول أوامره إلى أصحابه ألا يهاجموا حتى يأذن لهم وأن يبعدوا مهاجميهم القرشيين بالنبال، وسوّى صفوفهم، ورجع إلى العريش يصحبه أبو بكر ﵁ وراح يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد) فيرد عليه أبو بكر: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك! وما لبث الرسول ﷺ أن انتبه فجأة وقال والبشر يكسو وجهه: (أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله!! هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع) «٢» .. وانطلق الرسول ﷺ يحضهم على القتال (والذي نفسي بيده لا يقاتلهم
_________________
(١) ابن هشام ص ١٥٨- ١٦٠ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢٥- ٤٢٦، ٤٤٢- ٤٤٦ ابن سعد ٢/ ١/ ١٠- ١١ الواقدي ١/ ٥٢، ٦٢- ٧٠.
(٢) عن دور الملائكة في المعركة انظر: الطبري: تاريخ ٢/ ٤٥٣- ٤٥٤، ٤٦٢، ٤٦٣ والواقدي ١/ ٧٠- ٨٠.
[ ١٥٠ ]
اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلّا أدخله الله الجنة) فقال عمير ابن الحمام وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وقاتل القوم حتى قتل «١» .
وراح الرسول ﷺ يجالد المشركين بنفسه ويتقدم الصفوف حتى أن عليا ﵁ قال فيما بعد: لما أن كان يوم بدر وحضر البأس التقينا برسول الله وكان أشد الناس بأسا وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه «٢»، ثم ما لبث أن أخذ حفنة من الحصباء واستقبل قريشا بها وصاح: شاهت الوجوه، وضربها بوجوههم ونادى أصحابه: شدوا، فحمل المسلمون حملة صادقة تسوقهم إلى أعدائهم موجة من الإيمان العارم ورغبة عميقة في الاستشهاد، وراحوا يحصدون صناديد قريش ويأسرون أبطالها.. وحمل معاذ بن عمرو بن الجموح على أبي جهل وقد لجأ إلى مجموعة كثيفة من الأشجار يحيط به عدد من أتباعه فضربه فقطع ساقه.
ويتحدث معاذ عما تبع ذلك فيقول «ضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت بها حتى طرحتها. ثم مرّ بأبي جهل وهو جريح معوّذ فضربه حتى أصابه بجرح لم يستطع معه حراكا وظل معوّذ يقاتل حتى قتل. ومرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة فوضع رجله على عنقه وقال: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ فأجاب أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا! فاحتزّ عبد الله رأسه «٣» . وما لبثت الهزيمة أن حاقت بالمشركين الذين فرّوا من ساحة القتال لا يلوون على شيء مخلفين وراءهم ما يربو على سبعين قتيلا ومثلهم أسرى «٤» . أما خسائر المسلمين فقد بلغت أربعة عشر شهيدا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، والتمس الرسول ﷺ رأس أبي جهل فجاء بها عبد الله بن مسعود فحمد الله ثم أمر
_________________
(١) ابن هشام ص ١٦٠- ١٦١ الطبري: تاريخ ٢/ ٤٤٦- ٤٤٨ الواقدي ١/ ٦٧، ٧٠- ٧١، ٨١ وانظر البخاري ٢/ ٧٧.
(٢) الطبري: تاريخ ٢/ ٤٢٦.
(٣) الطبري: تاريخ ٢/ ٢٥٤- ٢٥٦ وانظر الواقدي ١/ ٨٦- ٩١.
(٤) الطبري: تاريخ ٢/ ٤٧٤ ابن سعد ٢/ ١/ ١١ الواقدي ١/ ١٣٨- ١٤٤، ١٤٧- ١٥٢ وانظر: المسعودي: التنبيه ص ٢٠٥ اليعقوبي: تاريخ ٢/ ٣٧. أما خسائر المسلمين فقد بلغت أربعة عشر شهيدا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار: الطبري ٢/ ٤٧٧ ابن سعد ٢/ ١/ ١١ الواقدي ١/ ١٠٢، ١٤٥- ١٤٧. وعن قوائم مسلمي بدر انظر ابن كثير: البداية ٢/ ٣١٥- ٣٢٥.
[ ١٥١ ]
أن يطرح قتلى المشركين في قليب قريب.. وسمعه أصحابه في جوف الليل وهو يقول: (يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أميّة بن خلف ويا أبا جهل هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا)؟
فسأله أصحابه: يا رسول الله أتنادي قوما قد جيّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني «١» . بعت الرسول ﷺ عبد الله بن رواحة وزيد بن الحارثة إلى المدينة ليبشروا أهلها بانتصار المسلمين، وأقبل في أعقابهما بعد تسعة عشر يوما من غيابه عنا مستصحبا معه أسرى المشركين بعد أن قسّم الغنائم على المسلمين على السواء. وعند الروحاء قريبا من المدينة لقيه المسلمون الذين لم يخرجوا للقتال يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين،.. وما أن وصل المدينة حتى فرّق الأسارى بين أصحابه وقال: استوصوا بالأسارى خيرا، وما لبثت قريش أن بعثت في فداء أسراهم، ففودي كل أسير بين الألف والأربعة آلاف درهم ومن لم يكن منهم يملك شيئا منّ عليه الرسول ﷺ «٢» .