سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله فقد برّأك الله. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» .. وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب ما علمت مما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا، وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع» «٢» .
[٤]
ظل المنافقون يعملون ضد الإسلام، من داخل صفوفه، منتهزين أية فرصة لتحقيق أهدافهم وللتعبير عن قلقهم وازدواجيتهم، وليس أدل في هذا المجال من حادثة (مسجد الضرار) التي أعقبت عودة المسلمين من تبوك. ويتبدى مغزى الحادثة من الاسم الذي أطلقه القرآن الكريم عليها وعلى أصحابها: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٣» .
ويروي الطبري أن الذين بنوه اثنا عشر رجلا على رأسهم خذام بن خالد، أحد بني عمرو بن عوف، الذي تبرع بإخراج المسجد من داره، ثم جاؤوا إلى الرسول ﷺ وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: «يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا
_________________
(١) سورة النور، الآية: ١١.
(٢) البخاري: التجريد ٢/ ٢- ٦، ابن هشام ص ٢٤٢- ٢٤٩، الطبري: تاريخ ٢/ ٦١١- ٦١٨، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٩٥- ١٩٩، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ١٦٠- ١٦٤، الواقدي: ٢/ ٤٢٦- ٤٣٤.
(٣) سورة التوبة: الآيات ١٠٧- ١١٠.
[ ٣٢٠ ]
فيه»، فأجابهم الرسول ﷺ: «إني على جناح سفر. ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه» . لكنه ما أن فقل عائدا من غزوته تلك، وأصبح على مقربة ساعة من المدينة حتى جاءه الوحي الأمين بحقيقة ما كان يرمي إليه أولئك الرجال المنافقون في بناء مسجدهم ذاك، ودعوتهم الرسول ﷺ لمباركته!! فما لبث ﷺ أن استدعى اثنين من أصحابه وقال لهما: «انطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه»، فخرجا مسرعين حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه حتى تفرق عنه أصحابه «١» .
وقد سئل عاصم بن عدي: لم أرادوا بناءه؟ فقال: كانوا يجتمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم، ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم، فشق ذلك عليهم، وأرادوا مسجدا يكونون فيه، لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم. فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدكم هذا، وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ما أكره قالوا: نحن نبني مسجدا تتحدث فيه عندنا «٢» .
ويروى البلاذري عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا في (قباء) فصلى بهم رسول الله ﷺ فيه، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف فقالوا: لو بنينا أيضا مسجدا وبعثنا إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه كما صلى في مسجد أصحابنا، ولعل أبا عامر- الذي كان قد فرّ من الله ورسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصّر وأقسم أن يحارب الرسول أينما وجد فرصة لذلك- أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلي بنا فيه. فبنوا مسجدا وبعثوا إلى رسول الله يسألونه أن يأتي فيصلي فيه. فلما قام رسول الله لينطلق إليهم، أتاه الوحي بالآية السالفة «٣» .
ويبدو من دراسة هذه الحادثة أن حركة النفاق كانت قد حذقت، خلال سني الدعوة الطويلة، مزيدا من الأساليب لتخريب المجتمع الإسلامي من الداخل، بعد أن أعيتها كل الحيل السابقة. وها هي الآن تسعى في ظاهر الأمر إلى مزيد من الاندماج في المجتمع الإسلامي وإلى اعتماد مؤسساته نفسها كالمسجد الذي هو رمز العبادة الإسلامية وحرمها للوصول إلى أهدافها بضمان أكبر، حيث سيحقق
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٣/ ١١٠- ١١١، الواقدي ٣/ ١٠٤٥- ١٠٤٩، ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ٢١- ٢٢.
(٢) الواقدي: ٣/ ١٠٤٨- ١٠٤٩.
(٣) فتوح البلدان ١/ ١/ ٢، أنساب الأشراف ١/ ٢٨٢- ٢٨٣، وانظر المسهودي: وفاء الوفا ٢/ ١٦- ١٧.
[ ٣٢١ ]