٩٨ - ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي دَلَائِلِ النُبُوَّةِ حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ ثَنَا أَبِي ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ لَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمْ عُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ المَخْزُومِي وَعَمْرو ابْن العَاصِ السَّهْمِيَّ وَأَمَرُوهُمَا أَنْ يُسْرِعَا السَّيْرَ حَتَي يَسْبِقَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَفَعَلَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَقَالَا لَهُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَأَفْسَدَ فِينَا قَدْ تَنَاوَلَكَ لِيُفْسِدَ عَلَيْكَ مُلْكَكَ وَدِينَكَ وَأَهْلَ سُلْطَانِكَ وَنَحْنُ لَكَ نَاصِحُونَ وَأَنْتَ لَنَا غَايَةُ صِدْقٍ تَأْتِي إِلَى عَشِيرَتِنَا الْمَعْرُوفَ وَيَأْمَنُ تَاجِرُنَا عِنْدَكَ فَبَعَثَنَا قَوْمُنَا إِلَيْكَ لِنُنْذِرَكَ فَسَادَ مُلْكِكَ وَهَؤُلَاءِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِينَا وَنُخْبِرُكَ بِمَا نَعْرِفُ مِنْ خِلَافِهِمُ الْحَقَّ إِنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى إِلَهَكَ وَلَا يَسْجُدُونَ لَكَ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْكَ فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا فَلْنَكْفِكَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ وَعَمْرٌو وَعُمَارَةُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ وَجَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَلَمَّا رَأُوا الرَّجُلَيْنِ قَدْ سَبَقَا وَدَخَلَا صَاحَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ يَسْتَأْذِنُ حِزْبُ اللَّهِ فَسَمِعَهَا النَّجَاشِيُّ فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَعَمْرٌو وَعُمَارَةُ عِنْدَ النَّجَاشِّي قَالَ النَّجَاشِيُّ أَيُّكُمْ صَاحَ عِنْدَ الْبَابِ قَالَ جَعْفَرٌ أَنَا هُوَ فَأَمَرَهُ فَعَادَ لَهَا فَلَمَّا دخلُوا على النَّجَاشِيّ سَلَّمُوا تَسْلِيمَ أَهْلِ الْإِيَمَانِ وَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ فَقَالَ عَمْرٌو وَعُمَارَةُ أَلَمْ نُبَيَّنْ لَكَ خَبَرَ الْقَوْمِ وَالَّذِي يُرَادُ بِكَ فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَخْبِرُونِي أَيُّهَا الرَّهْطُ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا شَأْنُكُمْ وَلِمَ جِئْتُمُونِي وَلَسْتُمْ بِتُجَّارٍ وَلَا سُؤَّالٍ وَمَا نَبِيُّكُمْ هَذَا الَّذِي خَرَجَ وَأَخْبِرُونِي مَالَكُمْ لَمْ تُحَيُّونِي كَمَا يُحَيِّينِي مَنْ جَاءَنِي مِنْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ وَأَخْبِرُونِي مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵇ فَقَامَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَ خَطِيبَ الْقَوْمِ فَقَالَ إِنَّمَا كَلَامِي ثَلَاثُ كَلِمَات إِن صَدَقْتُ فَصَدِّقْنِي وَإِنْ كَذَبْتُ فَكَذِّبْنِي وَمُرْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِنْ يَتَكَلَّمْ وَلْيَصْمُتِ الْآخْرُ فَقَالَ عَمْرٌو أَنَا أَتَكَلَّمُ قَبْلَهُ قَالَ النَّجَاشِيُّ أَنْتَ يَا جَعْفَرُ فَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ فَقَالَ جَعْفَرٌ إِنَّمَا كَلَامِي ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ سَلْ هَذَا الرَّجُلَ عَبِيدٌ نَحْنُ أَبَقْنَا مِنْ أَرْبَابِنَا فَارْدُدْنَا إِلَى أَرْبَابِنَا فَقَالَ النَّجَاشِيُّ عَبِيدٌ هُمْ يَا عَمْرُو فَقَالَ عَمْرٌو بَلْ أَحْرَارٌ كِرَامٌ فَقَالَ جَعْفَرٌ سَلْ
[ ١٠٠ ]
هَذَا الرَّجُلَ أَهَرَقْنَا دَمًا بَغَيْرِ حَقِّهِ فَادْفَعْنَا إِلَى أَهْلِ الدَّمِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ أَهَرَاقُوا دَمًا بِغَيْرِ حَقه فَقَالَ عَمْرٌو لَا وَلَا قَطْرَةً وَاحِدَةً مِنْ دَمٍ قَالَ جَعْفَرٌ سَلْ هَذَا الرَّجُلَ آخَذْنَا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَعِنْدَنَا قَضَاءٌ وَاحْتِسَابٌ قَالَ النَّجَاشِيُّ يَا عَمْرُو إِنْ كَانَ عَلَى هَؤُلَاءِ قِنْطَارٌ مِنْ ذَهَبٍ فَهُوَ عَلَيَّ فَقَالَ عَمْرٌو وَلَا قِيرَاطٌ قَالَ النَّجَاشِيُّ فَمَا تَطْلُبُونَهُمْ بِهِ قَالَ عَمْرٌو كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدِ وَأَمْرٍ وَاحِدٍ فَتَرَكُوهُ وَلَزِمْنَاهُ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ مَا هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ فَتَرَكْتُمُوهُ وَتَبِعْتُمْ غَيْرَهُ فَقَالَ جَعْفَرٌ أَمَّا الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ فَدِينُ الشَّيْطَانِ وَأَمْرُ الشَّيْطَانِ كُنَّا نَكْفُرُ بِاللَّهِ وَنَعْبُدُ الْحِجَارَةَ وَأَمَّا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ فَدِينُ اللَّهِ ﷿ نُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا كَمَا بَعَثَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا فَأَتَانَا بِالصِّدْقِ وَالْبِرِّ وَنَهَانَا عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَّنَا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ عَادَانَا قَوْمُنَا وَأَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيَّ الصَادِقَ ﷺ وَرَدَّنَا فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَفَرَرْنَا إِلَيْكَ بِدِينِنَا وَدِمَائِنَا وَلَوْ أَقَرَّنَا قَوْمُنَا لَاسْتَقْرَرْنَا فَذَلِكَ خَبَرُنَا وَأَمْرُنَا
وَأَمَّا شَأْنُ التَّحِيَّةِ فَقَدْ حَيَّيْنَاكَ بِتَحِيَّةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي يُحَيِّي بِهِ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضِ خَبَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ فَحَيَّيْنَاكَ بِالسَّلَامِ
وَأَمَّا السُجُودُ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ ﷿ وَأَنْ نَعْدِلَكَ بِاللَّهِ
وَأَمَّا شَأْنُ عِيسَى ﵇ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ أَنَّهُ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مَنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَوَلَدَتْهُ مَرْيَمُ الصِّدِّيقَةُ الْعَذْرَاءُ الْبَتُولُ الْحَصَانُ ﵍ وَهُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ فَهَذَا شَأْنُ عِيسَى ﵇
فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ قَوْلَ جَعْفَرٍ أَخَذَ بِيَدِهِ عُودًا ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ صَدَقَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ وَصَدَقَ نَبِيُّهُمْ وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى عَلَى مَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ وَزْنَ هَذَا الْعُودِ وَقَالَ لَهُمُ امْكُثُوا فَأَنْتُمْ سُيُومُ وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ فَقَدْ مَنَعَكَمُ اللَّهُ ﷿ وَأَمَرَ لَهُمْ بِمَا يَصْلُحُهُمْ ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ أَيُّكُمْ أَدْرَسُ لِلْكِتَابِ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ فَقَرَأَ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ فَلَمَّا سَمِعَهَا عَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ فَقَالَ زِدْنَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الطَّيِّبِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةً أُخْرَى قَالَ جَعْفَرٌ قَدْ سَمِعْتُ النَّصَارَى يقرؤنها فَتَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ فَلَمَّا سَمِعَهَا عَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ وَقَالَ صَدَقْتُمْ وَصَدَقَ نَبِيُّكُمْ أَنْتُمْ وَاللَّهِ الصِّدِّيقُونَ امْكُثُوا بِسْمِ اللَّهِ وَبَرَكَتِهِ آمِنِينَ مَمْنُوعِينَ وَأُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الْمَحَبَّةُ مِنَ النَّجَاشِيِّ
[ ١٠١ ]
٩٩ - قَالَ وَحَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ النَّضْرِ الْقرشِي ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الأعلى الصَّنْعَانِيُّ ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَزَادَ فِيهِ قَالَ وَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ مَرْحَبًا بِكُمْ وَأَهْلًا لَكُمْ عِنْدِي الَّذِي يَسُرُّكُمْ وَيُصْلِحُكُمْ مِنَ النُّزُلِ وَالرِّزْقِ وَرَدَّ عَمْرًا وَصَاحِبَهُ وَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِي نَصِيحَتِكُمَا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مظلومون وَأَنا لَهُم جَار ماداموا فِي بِلَادِي وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فِي أَهْلِ أَرْضِهِ وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَلَّمَهُمْ إِلَّا بِمَا يَشْتَهُونَ إِلَّا غَرَّمْتُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَاجْتَمْعَ إِلَيْهِ نَاسٌ مِنْ عُلَمَاء القسيسين وَرُهْبَان فَقَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ وَنَقُولُ فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ يَزْعَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ عبد الله فَفَعَلَ النَّجَاشِيُّ ذَلِكَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمْ وَاخْتَصَمُوا فَقَالَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُهْبَانُ لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ فَقَالُوا كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ الْقِسِّيسُونَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْكُمْ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِخُصُوصِ أَصْحَابه عَن النَّجَاشِيِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤمنِينَ﴾ فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ خُصُومَتِهِمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ الْقِسِّيسُونَ لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى قَالَ جَعْفَرٌ نَقُولُ فِيهِ مَا قَالَ اللَّهُ ﷿ وَأَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالُوا وَمَا هُوَ قَالَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرُوحُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ عَبْدٌ أَكْرَمَهُ اللَّهُ ﷿ وَعَلَّمَهُ فَكَانَ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ويبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالَ الْقِسِّيسُونَ قَدْ نَعْرِفُ مِنْ نَعْتِ عِيسَى الَّذِي تَقُولُونَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِعَبْدٍ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَى مَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ مِثْلَ هَذِهِ النُفَاثَةِ مِنْ سِوَاكِي وَإِنْ كَانَ عِيسَى لَكَمَا يَقُولُونَ وَإِنِّي لَا أُدَلُّ عَلَى رَجُلٍ خَاصَمَهُمْ فِيهِ إِلَّا غَرَّمْتُهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَنَفَيْتُهُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ
١٠٠ - قَالَ وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَوْفَلِيُّ الْمَدَنِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ إِلَى الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ النُّورِ وَالْهُدَى الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَادَرْ مِنْهُمْ أَوُّلَ مَا دَعَاهُمْ فَاسْتَمَعُوا لَهُ حَتَّى ذَكَرَ طَوَاغِيتَهُمْ فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَدِمَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ مِنْ أَمْوَالٍ لَهُمْ بِالطَّائِفِ فَكَرِهُوا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَغَرَوْا
[ ١٠٢ ]
بِهِ مَنْ أَطَاعَهُمْ فَانْصَفَقَ عَنْهُ عَامَّةُ النَّاسِ إِلَّا مَنْ حَفِظَ اللَّهُ ﷿ مِنْهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا ائْتَمَرَتْ بَيْنَهُمْ وَاشْتَدَّ مَكْرُهُمْ وَهَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ إِخْرَاجِهِ حِينَ رَأَوْا أَصْحَابَهُ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ فَعَرَضُوا عَلَى قَوْمِهِ أَنْ يُعْطُوهُمْ دِيَتَهُ وَيَقْتُلُونَهُ فَحَمِيَ قَوْمُهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكُمُ الْحَمِيَّةُ مِنْ أَنْ تَقْتُلَهُ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ نُعْطِيكُمُ الدِّيَةَ وَيَقْتُلُهُ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ وَعَبِيدَكُمْ فَيَأْبَى قَوْمُهُ ذَلِكَ فَمَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَدَفَعَ كَيْدَ مَنْ كَادَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ اقْتُلُوا مُحَمَّدًا بِزَحْمَةٍ وَاجْتَمَعَ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا نَفَرٌ فَأَحَاطُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَتَّى كَادَتْ أَيْدِيهِمْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ أَوْ تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ فَصَاحَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنِّي بُعِثْتُ إِلَيْهِمْ بِالذَّبْحِ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا مَا كَذَبَنَا بِشَيْءٍ قَطُّ وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ مَهْلًا يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ جَهُولًا فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَاشْتَدُّوا عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِ اللَّهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ فَكَانَتْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ وَزِلْزَالٌ شَدِيدٌ فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنِ افْتُتِنَ فَلَمَّا فعل ذَاك بِالْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي الشّعب مَعَ بني عبد المطلب الْخُرُوجَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ النَّجَاشِيُّ لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ بِأَرْضِهِ وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ وَكَانَ أَرْضُ الْحَبَشَةِ مَتْجَرًا لِقُرَيْشٍ وَمَسْكَنًا لِتُجَّارِهِمْ يَجِدُونَ فِيهَا رَفَقًا مِنَ الرِّزْقِ وَأَمَانًا وَمَتْجَرًا حَسَنًا فَلَمَّا أَمَرَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْطلق إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ حِينَ قُهِرُوا وَتَخَوَّفُوا الْفِتْنَةَ وَخَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِرَارًا بِدِينِهِمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ العَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُسْرِعَا السَّيْرَ فَفَعَلَا وَأَهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ فَرَسًا وَجِبَّةَ دِيبَاجٍ وَأَهْدُوا لِعُظَمَاءِ الْحَبَشَةِ هَدَايَا فَلَمَّا قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ قَبِلَ هَدَايَاهُمْ وَأَجْلَسَ عَمْرَو بْنَ العَاصِ عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي خَرَجَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَأَفْسَدَ فِينَا قَدْ تَنَاوَلَكَ لِيُفْسِدَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَمِلَّتَكَ وَنَحْنُ نَاصِحُونَ لَكَ وَأَنْتَ لَنَا عَامَّةً صَاحِبُ صِدْقٍ تَأْتِي إِلَى عَشِيرَتِنَا الْمَعْرُوفَ وَيَأْمَنُ تَاجِرُنَا عِنْدَكَ فَبَعَثَنَا قَوْمُنَا إِلَيْكَ لِنُنْذِرَكَ فَسَادَ أُمَّتِكَ وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الرَّجُلِ قَادِمُونَ عَلَيْكَ فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا فَقَالَ عُظَمَاءُ الْحَبَشَةِ أَجَلْ فَادْفَعْهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ وَاللَّهِ
[ ١٠٣ ]
لَا أَدْفَعُهُمْ إِلَيْهِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأَعْلَمُ عَلَى أَيْ شَيْءٍ هُمْ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ هُمْ أَصْحَابِ الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِينَا وَسَنُخْبِرُكَ بِمَا نَعْرِفُ مِنْ سَفَهِهِمْ وَخِلَافِهِمُ الْحَقَّ إِنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَن عِيسَى بن مَرْيَمَ ابْنُ اللَّهِ وَلَا يَسْجُدُونَ لَكَ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْكَ وَلَا يُحَيُّونَكَ كَمَا يُحَيِّيكَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْكَ فِي سُلْطَانِكَ
فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَأَجْلَسَ عَمْرًا عَلَى سَرِيرِهِ فَلَمْ يَسْجُدْ جَعْفَرٌ وَلَا أَصْحَابُهُ وَحَيَّوْهُ بِالسَّلَامِ فَقَالَ عَمْرٌو وَعُمَارَةُ أَلَمْ نُخْبِرْكَ خَبَرَ الْقَوْمِ وَالَّذِي يُرَادُ بِكَ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ أَلَا تُخْبِرُونِي أَيُّهَا الرَّهْطُ مَا لَكُمْ لَا تُحَيُّونِي كَمَا يُحَيِّينِي مَنْ أَتَانِي مِنْ قَوْمِكُمْ وَأَهْلِ بِلَادِكُمْ وَأَخْبِرُونِي مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَمَ وَمَا دِينُكُمْ أَنَصَارَى أَنْتُمْ قَالُوا لَا قَالَ أَفَيَهُودٌ أَنْتُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَعَلَى دِينِ قَوْمِكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَمَا دِينُكُمْ قَالُوا الْإِسْلَامُ قَالَ وَمَا الْإِسْلَامُ قَالُوا نَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا قَالَ وَمَنْ جَاءَكُمْ بِهَذَا قَالُوا جَاءَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِنَا قَدْ عَرَفْنَا وَجْهَهُ وَنَسَبَهُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا كَمَا بَعَثَ الرُّسُلَ مِنْ قَبْلِهِ فَأَمَرَنَا بِالصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَنَهَانَا أَنْ نَعْبُدَ الْأَوْثَانَ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَصَدَّقْنَاهُ وَعَرَفْنَا كَلَامَ اللَّهِ ﷿ وَعَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿ فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ عَادَانَا قَوْمُنَا وَعَادُوا النَّبِيَّ ﷺ الصَّادِقَ وَكَذَّبُوهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ وَأَرَادُونَا عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَفَرَرْنَا إِلَيْكَ بِدِينِنَا وَدِمَائِنَا مِنْ قَوْمِنَا وَلَوْ أَقَرُّونَا اسْتَقْرَرْنَا فَقَالَ النَّجَاشِيُّ وَاللَّهِ إِنْ خَرَجَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا مِنَ الْمِشْكَاةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَمْرُ مُوسَى فَقَالَ جَعْفَرٌ أَمَّا التَّحِيَّةُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَنَا أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ وَأَمَرَ بِذَلِكَ فحييناك بِالَّذِي يحيى بَعْضنَا الْبَعْض
وَأما عِيسَى بن مَرْيَم فَهُوَ عبد الله وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَابْنُ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَخَفَضَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهُ عُودًا فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زَادَ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى هَذَا الْعُودِ فَقَالَ عُظَمَاءُ الْحَبَشَةِ وَاللَّهِ لَئِنْ سَمِعَ الْحَبَشَةُ هَذَا لَتَخْلَعَنَّكَ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ وَاللَّهِ لَا أَقُولُ فِي عِيسَى غَيْرَ هَذَا أبدا وَالله مَا أطَاع لله النَّاسَ فِيَّ حِينِ رَدَّ إِلَيَّ مُلْكِي فَأَنَا أُطِيعُ النَّاسَ فِي اللَّهِ مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ أَبُو النَّجَاشِيِّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ فَمَاتَ وَالنَّجَاشِيُّ غُلَامٌ صَغِيرٌ فَأَوْمَأَ إِلَى أَخِيهِ أَنْ إِلَيْكَ مُلْكَ قَوْمِي حَتَّى يَبْلُغَ ابْنِي فَإِذَا بَلَغَ فَلَهُ الْمُلْكُ
[ ١٠٤ ]
فَرَغِبَ أَخُوهُ فِي الْمُلْكِ فَبَاعَ النَّجَاشِيَّ مِنْ بَعْضِ التُّجَّارِ وَقَالَ للتاجر دَعْهُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ فَآذِنِّي ادفعه إِلَيْك فَآذَنَهُ التَّاجِرُ بِخُرُوجِهِ فَأَرْسَلَ بِالنَّجَاشِيِّ حَتَّى وَقَّفَهُ عِنْدَ السَّفِينَةِ وَلَا يَدْرِي النَّجَاشِيُّ مَا يُرَادُ بِهِ فَأَخَذَ اللَّهُ عَمَّهُ الَّذِي بَاعَهُ فَمَاتَ قَعْصًا فَجَاءَتِ الْحَبَشَةُ بِالتَّاجِ فَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِ النَّجَاشِيِّ وَمَلَّكُوهُ فَلِذَلِكَ قَالَ النَّجَاشِيُّ مَا أَطَاعَ اللَّهُ النَّاسَ فِيَّ حِينِ رَدَّ إِلَيَّ مُلْكِي وَزَعَمُوا أَنَّ التَّاجِرَ الَّذِي كَانَ ابْتَاعَهُ قَالَ مَا لِي بُدٌّ مِنْ غُلَامِي الَّذِي ابْتَعْتُهُ أَوْ مَالِي فَقَالَ النَّجَاشِيُّ صدق ادفعوا إِلَيْهِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ حِينَ كَلَّمَهُ جَعْفَرٌ بِمَا كَلَّمَهُ وَحِينَ أَبَي أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَمْرٍو أَرْجِعُوا إِلَى هَذَا هَدِيَّتَهُ يُرِيدُ عَمْرًا وَاللَّهِ لَوْ رَشَوْنِي فِي هَذَا دَبْرًا مِنْ ذَهَبٍ مَا قَبِلْتُهُ وَالدَّبْرُ بِكَلَامِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ وَقَالَ لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ امْضُوا فَإِنَّكُمْ سُيُومُ وَالسُّيُومُ الآمنون فقد مَنَعَكُمُ اللَّهُ وَأَمَرَ لَهُمْ بِمَا يَصْلُحُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ وَقَالَ مَنْ نَظَرَ إِلَى هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ نَظْرَةً تُؤْذِيهِمْ غُرِّمَ وَكَانَ اللَّهُ ﷿ قَدْ أَلْقَى بَيْنَ عَمْرٍو وَعُمَارَةَ فِي مَسِيرِهِمَا ذَلِكَ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ ثُمَّ اصْطَلَحَا حِينَ قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ لِيُدْرِكَا حَاجَتَهُمَا الَّتِي خَرَجَا لَهَا مِنْ طَلَبِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا فَاتَهُمَا ذَلِكَ رَجِعَا إِلَى شَيْء مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مَنَ الْعَدَاوَةِ وَسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَمَكَرَ عَمْرٌو بِعُمَارَةَ فَقَالَ يَا عُمَارَةُ إِنَّكَ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَاذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ النَّجَاشِيِّ فَتَحَدَّثْ عِنْدَهَا إِذَا خَرَجَ زَوْجُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَنَا فِي حَاجَتِنَا فَرَاسَلَهَا عُمَارَةُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا انْطَلَقَ عَمْرٌو إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَالَ لَهُ إِنَّ صَاحِبِي هَذَا صَاحِبُ نِسَاءٍ وَإِنَّهُ يُرِيدُ أَهْلَكَ فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى بَيْتِهِ فَإِذَا عُمَارَةُ عِنْدَ أَهْلِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِخَ فِي إِحْلِيلِهِ فَأُلْقِيَ فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ فَاسْتَوْحَشَ مَعَ الْوَحْشِ فَرَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مَكَّةَ وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَخَيَّبَ مَسِيرَهُ وَمَنَعَهُ حَاجَتَهُ
قَالَ الْإِمَامُ ﵀ تَفْسِيرُ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَنَاوَلَكَ أَيْ قَصَدَكَ وَقَصَدَ دِينَكَ وَأَبَقْنَا هَرَبْنَا وَالْبَتُولُ الْمُنْقَطِعَةُ عَنِ الْأَزْوَاجِ وَالْحِصَانُ الْمُحَصَّنَةُ وَأُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الْمَحَبَةُ أَيْ وَقَعَ مَحَبَتُهُمْ فِي قَلْبِهِ وَالنُفَاثَةُ مَا يَرْمِيهِ الْمُتَسَوِّكُ مِنْ فَمِهِ مِمَّا يَتَشَعَّثُ مِنْ طَرَفِ السِّوَاكِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ نَفَثَ الرَّاقِي إِذَا رَمَى بِرِيقِهِ عِنْدَ الرُّقْيَةِ وَيُقَالُ لِلسَّوَاحِرِ النَفَّاثَاتُ لِأَنَّهُنَّ يَنْفُثْنَ إِذا سحرن وَفِي الْمثل لَا بُد لِلْمَصْدُورِ مِنْ أَنْ يَنْفُثَ الْمَصْدُورُ الَّذِي يَشْتَكِي صَدْرُهُ مِنْ سُعَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ يَسْتَرْوِحُ إِلَى النَّفْثِ أَيْ إِلَى مَا يَلْقِيهِ مِنْ جَوْفِهِ مِنَ الرِّيقِ
[ ١٠٥ ]
وَقَوْلُهُ لَمْ يَتَغَادَرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَيْ لَمْ يَتَخَلَّفْ وَلَمْ يَبْقَ يُقَالُ غَادَرْتُهُ أَيْ تَرَكْتُهُ وَتَغَادَرَ أَيْ تَخَلَّفَ وَقَوْلُهُ مَهْلًا أَيِ امْهِلْ وَارْفِقْ أَيْ أَمْسِكْ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَالشِّعْبُ مَا اتَّسَعَ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَهُوَ الشِّعْبُ الَّذِي بِمَكَّةَ نَزَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ حِينَ تَحَالَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مُعَادَاتِهِ وَالْمَتْجَرُ مَوْضِعُ التِّجَارَةِ وَالرَفَقُ الْمَنْفَعَةُ وَقَوْلُهُ فَحَمِيَ قَوْمُهُ أَيْ غَضِبُوا وَالْحَمِيَّةُ الْأَنَفُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْغَضَبُ وَقَوْلُهُ أَنْتَ لَنَا غَايَةُ صِدْقٍ كَذَا فِي كِتَابِي فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ أَنْتَ حَسَنُ الْجَدِّ فِي أَمْرِنَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْنَا وَالْمَعْرُوفِ وَأَنْتَ لَنَا عَامَّةٌ أَيْ جَمِيعًا صَاحِبُ صِدْقٍ أَيْ صَاحِبُ إِحْسَانٍ مِنَ الْمِشْكَاةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَمْرُ مُوسَى ﵇ أَيْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ أَمْرُ مُوسَى يَعْنِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالْجَارُ الْمُجِيرُ وَسُوءُ ذَاتِ الْبَيْنِ قِلَّةُ الْمُوَافَقَةِ وَالصَّلَاحِ بَيْنَ الْقَوْمِ وَقَوْلُهُ فَمَاتَ قَعْصًا الْقَعْصُ الْمَوْتُ الْوَحْي أَيْ مَاتَ فِي الْحَالِ قَال أَهْلُ اللُّغَةِ قَتَلَهُ فَأَقْعَصَهُ إِذَا قَتَلَهُ مَكَانَهُ وَقَوْلُهُ لَتَخْلَعَنَّكَ أَيْ لَتَعْزِلَنَّكَ عَنِ الْمُلْكِ وَحِزْبُ اللَّهِ أَيْ جُنْدُ اللَّهِ أَدْرَسُ أَيْ أَقْرَأُ وَقَوْلَهَ فَنَفِخُوا فِي إِحْلِيلِهِ أَيْ فَعَلُوا بِهِ سِحْرًا حَتَّى جُنَّ وَاسْتَوْحَشَ فَكَانَ يَعْدُو مَعَ الْوَحْشِ فِي الْفَلَوَاتِ حَتَّى مَاتَ