لما توفي أبو طالب، اجترأت قريش علي رسول الله ﷺ، ونالت منه.
فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، وذلك في ليال بقية من شوال سنة عشر من حين نبئ رسول الله ﷺ، فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه. ومحمد دعاهم إلى الإسلام أخوة ثلاثة، وهم سادة ثقيف وأشرافهم، وهم عبد يا ليل، ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف.
فجلس إليهم فدعاهم إلى الله، وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو- يعني نفسه- بمرط ثياب الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللهُ أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا أرسله غيرك؟
وقال الثالث: والله، لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله- كما تقول- لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام. وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.
[ المقدمة / ٦٦ ]
فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم: يسبونه ويصيحون به. حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه الى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه.
فعمد الى ظل حبلة من عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران اليه، ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف.
فلما اطمأن قال فيما ذكر: «اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟
إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي.. ولكنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بك» .
فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيبة ما لقى، دعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له:
عدّاس فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وضعه بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فلما وضع رسول الله ﷺ يَدَهُ، قال: بسم الله، ثم أكل.
فنظر عدّاس الى وَجْهُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ، إِنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذا البلد.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟
قال: أنا نصراني، وأنا رجل مِنْ أَهْلِ نِينَوَى.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: من قرية الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ متّى؟
[ المقدمة / ٦٧ ]
قال: ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبيّ.
فأكب عدّاس علي رسول الله ﷺ، فَقَبَّلَ رأسه ويديه ورجليه.
قال: يقول ابنا ربيعة: أحدهما لصاحبه:
أما غلامك، فقد أفسده عليك.
فلما جاءهم عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس، مالك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل. لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي.