* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
_________________
(١) [(٢٩٣)] جملة من قيل إنهن أرضعن رسول الله ﷺ عشر نسوة: (الأولى): أمه ﷺ أرضعته سبعة أيام. (الثانية): ثويبة مولاة أبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ بلبن ابنها مسروح، وكان رسول الله ﷺ وخديجة يكرمان ثويبة، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة، حتى ماتت بعد فتح خيبر، فسأل عن ابنها «مسروح» فقيل: قد مات، فسأل عن قرابتها، فقيل: «لم يبق منهم أحد» . (الثالثة): امرأة من بني سعد غير حليمة، على ما ذكر ابن سعد في الطبقات (١: ١٠٩) رواه ابن سعد، عن ابن أبي مليكة: أن حمزة كان مسترضعا له عند قوم من بني سعد بن بكر، وكانت أم حمزة قد أرضعت رسول الله ﷺ، وهو عند أمه حليمة. (الرابعة): خولة بنت المنذر: أم بردة الأنصارية: ذكر بعض المؤرخين أنها أرضعت النبي ﷺ، والصحيح أنها أرضعت ابنه ابراهيم كما ذكر ابن سعد. (الخامسة) أم أيمن: بركة ذكرها القرطبي، والمشهور أنها من الحواضن لا من المراضع. (السادسة والسابعة والثامنة) قال القرطبي: إنه ﷺ مرّ به على نسوة ثلاث من بني سليم فرضع منهن. (التاسعة): أم فروة ذكرها المستغفري. (العاشرة): حليمة بنت أبي ذؤيب بن عبد الله بن سجنة بن رزام بن ناصرة.
[ ١ / ١٣١ ]
الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
فَدُفِعَ رَسُولُ الله، ﷺ، إِلَى أُمِّهِ، وَالْتُمِسَ لَهُ الرُّضَعَاءُ، وَاسْتُرْضِعَ لَهُ مِنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أبي ذويب. وَأَبُو ذُؤَيْبٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ [(٢٩٤)] بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ.
وَاسْمُ أَبِي رَسُولِ اللهِ، ﷺ، الَّذِي أَرْضَعَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ مَلَّانَ [(٢٩٥)] بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ.
وَإِخْوَتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ: عبد الله بن الحارث، وَأُنَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَحُذَافَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ- وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، غَلَبَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَلَا تُعْرَفُ فِي قَوْمِهَا إِلَّا بِهِ. وَهِيَ لِحَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، أُمِّ رَسُولِ اللهِ، ﷺ [(٢٩٦)] .
وَذَكَرُوا [(٢٩٧)] أَنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضِنُ رَسُولَ اللهِ، ﷺ، مَعَ أُمِّهِ إِذْ [(٢٩٨)] كَانَ عِنْدَهُمْ.
* وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ [الْحَافِظُ]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إسحاق، قال:
_________________
(١) [(٢٩٤)] كذا في الأصول، وسيرة ابن هشام، ورويت: سجنة بسين مهملة مكسورة، وجيم ساكنة، فنون مفتوحة، سبل الهدى والرشاد (١: ٤٦١) . [(٢٩٥)] في (ح) و(هـ): فلان: وأثبت ما في (ص) وهو موافق لما في سيرة ابن هشام (١: ١٧٢) . [(٢٩٦)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ١٧٣) . [(٢٩٧)] في السيرة لابن هشام: «ويذكرون» . [(٢٩٨)] في (هـ): «إذا» .
[ ١ / ١٣٢ ]
حَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ- مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، كَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ، فَكَانَ يُقَالُ: مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبَى طَالِبٍ، يَقُولُ:
حُدِّثْتُ عَنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ [(٢٩٩)]، أُمِّ رَسُولِ اللهِ، ﷺ، الَّتِي أَرْضَعَتْهُ، أَنَّهَا قَالَتْ [(٣٠٠)]:
قَدِمْتُ مَكَّةَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، أَلْتَمِسُ [(٣٠١)] بِهَا الرُّضَعَاءَ [(٣٠٢)]، وَفِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ [(٣٠٣)]، فَقَدِمْتُ عَلَى أَتَانٍ [(٣٠٤)] لِيَ قَمْرَاءَ كَانَتْ أَذَمَّتْ [(٣٠٥)] بِالرَّكْبِ، وَمَعِيَ صَبِيٌّ لَنَا، وَشَارِفٌ لَنَا، وَاللهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا ذَلِكَ أَجْمَعَ مَعَ صَبِيِّنَا ذَاكَ، مَا يَجِدُ فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، وَلَا فِي شَارِفِنَا [(٣٠٦)] مَا يُغَذِّيهِ، فقدمنا مكّة، فو الله مَا عُلِمَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ، ﷺ، فَتَأْبَاهُ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَتِيمٌ تَرَكْنَاهُ، قُلْنَا: مَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا أُمُّهُ؟ إِنَّمَا نَرْجُو المعروف من أب الْوَلِيدِ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَمَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا. فو الله مَا بَقِيَ مِنْ صَوَاحِبِي امْرَأَةٌ إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي. فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ رَضِيعًا غَيْرَهُ قُلْتُ لِزَوْجِيَ الحارث بن عبد العزى: وَاللهِ إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أرجع
_________________
(١) [(٢٩٩)] في هامش (ص): «بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله ﷺ» .. كَذَا وقع في ابن هشام. [(٣٠٠)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ١٧٣- ١٧٥)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص (١١١- ١١٣)، والوفا لابن الجوزي (١: ١٠٨) «والبداية والنهاية» (٢: ٢٧٣) . [(٣٠١)] في (ص): نلتمس. (وألتمس): أطلب. [(٣٠٢)] (الرضعاء): جمع رضيع، وأراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه، فقد وجدوا له رضيعا يرضع معه. [(٣٠٣)] (سنة شهباء): يعني سنة القحط والجدب لأن الأرض تكون فيها بيضاء. [(٣٠٤)] (أتان): الأنثى من الحمير. [(٣٠٥)] (أذمّت): إذا أعيت وتأخرت عن الركب. [(٣٠٦)] (الشارف): الناقة المسنّة.
[ ١ / ١٣٣ ]
مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي لَيْسَ مَعِي رَضِيعٌ، لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنَّهُ. فَقَالَ:
لَا عَلَيْكِ. فَذَهَبْتُ فَأَخَذْتُهُ، فو الله مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَخَذْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي [(٣٠٧)]، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ صَاحِبِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إِنَّهَا لَحَافِلٌ [(٣٠٨)]، فَحَلَبَ مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِينَا. فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، فَقَالَ صَاحِبِي: يَا حَلِيمَةُ! وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاكَ قَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، أَلَمْ تَرَيْ مَا بِتْنَا [(٣٠٩)] بِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ حِينَ أَخَذْنَاهُ؟ فَلَمْ يَزَلِ اللهُ﷿- يَزِيدُنَا خَيْرًا حَتَّى خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِنَا، فو الله لَقَطَعَتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حِمَارٌ، حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبَاتِي يَقُلْنَ: وَيْلَكِ يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ، أَهَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا مَعَنَا؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، وَاللهِ إِنَّهَا لَهِيَ. فَيَقُلْنَ: وَاللهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا. حَتَّى قَدِمْنَا أَرْضَ بَنِي سَعْدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللهِ، تَعَالَى، أَجْدَبَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ غَنَمِي لَتَسْرَحُ، ثُمَّ تَرُوحُ شِبَاعًا لَبَنًا [(٣١٠)]، فَنَحْلُبُ مَا شِئْنَا، وَمَا حَوْلَنَا أَحَدٌ تَبِضُّ لَهُ شَاةٌ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَإِنَّ أَغْنَامَهُمْ لَتَرُوحُ جِيَاعًا، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ [(٣١١)]: وَيْحَكُمْ!! انْظُرُوا حَيْثُ تَسْرَحُ غَنَمُ ابْنَةِ [(٣١٢)] أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَاسْرَحُوا مَعَهُمْ. فَيَسْرَحُونَ مَعَ غَنَمِي حَيْثُ تَسْرَحُ، فَيُرِيحُونَ أَغْنَامَهُمْ جِيَاعًا مَا فِيهَا قَطْرَةُ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لَبَنًا نَحْلُبُ مَا شِئْنَا [(٣١٣)] . فَلَمْ يَزَلِ اللهُ، تَعَالَى، يُرِينَا الْبَرَكَةَ وَنتَعَرَّفُهَا حَتَّى بَلَغَ سَنَتَيْهِ، فَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا يشبّه
_________________
(١) [(٣٠٧)] (الرّحل): سكن الشخص، المنزل والمأوى. [(٣٠٨)] (الحافل): الممتلئة الضّرع من اللبن، والحفل: اجتماع اللبن في الضرع. [(٣٠٩)] في (ص): «ما شأنه» وهو تصحيف. [(٣١٠)] (لبّن): أي غزيرات اللبن. [(٣١١)] في (ص): «لرعاتهم» . [(٣١٢)] في (ص): «ابنت» . [(٣١٣)] في (ص): «نحلب ما شئنا من اللبن» .
[ ١ / ١٣٤ ]
الغلمان، فو الله مَا بَلَغَ السَّنَتَيْنِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا [(٣١٤)]، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أَضَنُّ شَيْءٍ بِهِ مِمَّا رَأَيْنَا فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ أُمُّهُ، قُلْنَا لَهَا: يَا ظِئْرُ [(٣١٥)]، دَعِينَا نَرْجِعُ بِبُنَيِّنَا هَذِهِ السَّنَةَ الْأُخْرَى، فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْهِ وباء مكة، فو الله مَا زِلْنَا بِهَا حَتَّى قَالَتْ: فَنَعَمْ، فَسَرَّحَتْهُ مَعَنَا، فَأَقَمْنَا بِهِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَبَيْنَا هُوَ خَلْفَ بُيُوتِنَا مَعَ أَخٍ لَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فِي بَهْمٍ [(٣١٦)] لَنَا، جَاءَنَا أَخُوهُ ذَلِكَ [(٣١٧)] يَشْتَدُّ، فَقَالَ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ، قَدْ جَاءَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَشْتَدُّ نَحْوَهُ، فَنَجِدُهُ قَائِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ، فَاعْتَنَقَهُ أَبُوهُ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ [(٣١٨)] جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَأَضْجَعَانِيَ، فَشَقَّا بَطْنِيَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا مِنْهُ شَيْئًا، فَطَرَحَاهُ، ثُمَّ رَدَّاهَ كَمَا كَانَ. فَرَجَعْنَا بِهِ مَعَنَا، فَقَالَ أَبُوهُ: يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ ابْنِي قَدْ أُصِيبَ، فَانْطَلِقِي بِنَا، فَلْنَرُدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ مَا نَتَخَوَّفُ. قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَلَمْ تُرَعْ أُمُّهُ إِلَّا بِهِ قَدْ قَدِمْنَا بِهِ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا رَدَّكُمَا بِهِ؟ فَقَدْ كُنْتُمَا عَلَيْهِ حَرِيصَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: لَا وَاللهِ يَا ظِئْرُ، إِلَّا أَنَّ اللهَ، تَعَالَى، قَدْ أَدَّى عَنَّا، وَقَضَيْنَا الَّذِي عَلَيْنَا، فَقُلْنَا [(٣١٩)] نَخْشَى الْإِتْلَافَ وَالْأَحْدَاثَ نَرُدُّهُ عَلَى [(٣٢٠)] أَهْلِهِ، قَالَتْ: مَا ذَاكَ بِكُمَا، فَاصْدُقَانِيَ شَأْنَكُمَا، فَلَمْ تَدَعْنَا حَتَّى أَخْبَرْنَاهَا خَبَرَهُ. قَالَتْ: أَخِشِيتُمَا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟
كَلَّا، وَاللهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَإِنَّهُ لَكَائِنٌ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ، أَلَا أُخْبِرُكُمَا
_________________
(١) [(٣١٤)] (جفرا): شديدا. [(٣١٥)] (الظئر): المرضعة. [(٣١٦)] (البهم): بفتح الموحدة، جمه بهمه وهي ولد الضأن. [(٣١٧)] في (ص): ذاك. [(٣١٨)] في (ص): «قال» . [(٣١٩)] في (ح): «وقلنا» . [(٣٢٠)] في (ص): «إلى» .
[ ١ / ١٣٥ ]
خَبَرَهُ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ، فَمَا حَمَلْتُ حَمْلًا قَطُّ أَخَفَّ مِنْهُ، فَأُرِيتُ فِي الْمَنَامِ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَلَدَتْهُ وُقُوعًا مَا يَقَعُهُ الْمَوْلُودُ، مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَدَعَاهُ عنكما [(٣٢١)] .
_________________
(١) [(٣٢١)] حادث شق الصدر ورد في كتب السيرة باتفاق، فهو في سيرة ابن هشام (١: ١٧٦)، وطبقات ابن سعد (١: ١١٢)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص (١١١)، والبداية والنهاية (٢: ٢٧٥)، والخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٥٤)، وقد أشارت إليه كتب التفسير، في تفسير قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وهذا الحادث الذي يسرده المصنف، والذي وقع لِرَسُولِ اللهِ ﷺ منذ الطفولة المبكرة، واستخرج جبريل منه العلقة قائلا: «هذا حظ الشيطان منك..» قد تكرر لما كان النبي ﷺ ابن عشر سنين. فقد روى الإمام أحمد، وابن حبان، وابن عساكر، عن أبي بن كعب أن أبا هريرة سأل رسول الله ﷺ: يا رسول الله! ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فقال النبي ﷺ: «إني لفي صحراء، ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: «أهو هو؟»، قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي: لا أجد لأحدهما هامسا، فقال أحدهما للآخر: أضجعه، فأضجعاني بلا قسر ولا هصر، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير. وقد تكررت حادثة شق الصدر مرة أخرى والنبي ﷺ، رسول جاوز الخمسين من عمره، فعن مالك ابن صعصعة أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به، قال: «بينما أنا في الحطيم- أو قال في الحجر- مضطجع بين النائم واليقظان، أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه- يعني من ثغرة نحره إلى شعرته- قال: فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبي، ثم أحشائي ثم أعيد » [أخرجه مسلم، وأحمد (٣: ١٢١)، والحاكم (٢: ٦١٦)] . وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله﷿- نبيه ﷺ، عن مزالق الطبع الإنساني، ووساوس الشيطان، وهو حصانة للرسول الكريم التي أضفاها الله عليه.
[ ١ / ١٣٦ ]
_________________
(١) [()] والمغزى أعمق من أن نتجاوزه إلى المماحكات التي تشعر بضعف الإيمان أكثر مما تشعر بنور اليقين. إن الله ﷾- وقد شاءت إرادته- منذ الأزل- أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الكامل للإنسان الكامل الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب، وتصفية النفس. ولما شب رسول الله ﷺ كانت مكة تعج بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذ الشهوانية الدنسة. كانت حانات الخمر منتشرة، وبيوت الريبة وعليها علامات تعرف بها، وتلك المغنيات والماجنات والراقصات، من أمور الجاهلية التي كانت تعج في ذلك المجتمع الجاهلي، وتتوجها عبادة الأصنام والأوثان. والله ﷾ برأ رسوله، واختاره من أكرم معادن الانسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض، وفي «صحيح البخاري» قال رسول الله ﷺ: «ما هممت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين كلتاهما عصمني الله﷿- فيهما: قلت ليلة لبعض فتيان مكة- ونحن في رعاء غنم أهلها- فقلت لصاحبي: «ألا تبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان؟ فقال: بلى. قال: فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة، فسمعت عزفا بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر، وضرب الله على أذني فو الله ما أيقظني إلا مسّ الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ماذا فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعته تلك الليلة فسألت فقيل: نكح فلان فلانة. فجلست أنظر، فضرب الله على أذني، فو الله، ما أيقظني إلا مسّ الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شيء، ثم أخبرته الخبر، فو الله ما هممت ولا عدت بعدها لشيء من ذلك حتى أكرمني الله ﷿ بنبوته: هذا ما كان من أمر عبث الفتيان.
[ ١ / ١٣٧ ]
_________________
(١) [()] أما عبادة الأوثان فإن الله سبحانه عصمه منها والقصة التالية توضح ذلك. عن ابن عباس﵄- قال: حدثتني أم أيمن قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش لتعظمه: تنسك له النسائك، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويعكفون عنده يوما إلى الليل، وذلك يوما في السنة. وكان أبو طالب يحضره مع قومه. وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قوه. فيأبى رسول الله ﷺ ذلك حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيد ولا تكثر لهم جمعا؟! قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوبا فزعا، فقالت له عماته: ما دهاك؟ قال: «إني أخشى ان يكون بي لمم» . فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: «إني كلما دنوت من صنم منها: تمثل لي رجل أبيض، يصيح بي: وراءك يا محمد: لا تمسّه» قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ» . وهكذا كانت حياته ﷺ حياة زكية طاهرة، من الآثام التي تدنس الشباب في مجتمعاتهم، بعيدة عن الشرك، لم يسجد لصنم قط، بعيدا عن معايب الجاهلية، ومفاسدها. ولا يطمئنّ بعض الجاهلين، ومعهم المستشرقين إلى قصة «شقّ الصدر» واستخراجه، ومعالجته، سواء التي حدثت للنبي ﷺ وهو عند حليمة السعدية، أو ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب في معجزة الإسراء والمعراج. وابن حبان منذ أكثر من ألف سنة يناقش الموضوع ويعتبره من معجزات النبوة ويقول: «كان ذلك له فضيلة فضّل بها على غيره، وانه من معجزات النبوة، إذ البشر إذا شقّ عن موضع القلب منهم، ثم استخرج قلوبهم ماتوا» . [صحيح ابن حبان (١: ١٤٠) من تحقيقنا] . فإذا كان ابن حبان يقول معبرا عن العصر الذي عاش فيه «إذ البشر إذا شقّ عن موضع القلب منهم، ثم استخرج قلوبهم، ماتوا» فهذا فعلا كان في عصر ابن حبان المتوفى (٣٥٤) هجرية، لا بل هو إلى عهد قريب جدا. وتقدّم العلم، والطّبّ، والجراحة، والتخدير، والعمليات الجراحية صارت تجرى في غرف معقمة، وبوسائل مختلفة، وتقنية جدّ ماهرة، فأمكن للجراحين اليوم من إجراء مختلف انواع
[ ١ / ١٣٨ ]
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ [(٣٢٢)] بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ حَلِيمَةَ، هَذِهِ الْقِصَّةَ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ لِي مَسْمُوعَةٌ، إِلَّا أَنَّ «مُحَمَّدَ بْنَ زَكَرِيَّا» هَذَا مُتَّهَمٌ [بِالْوَضْعِ] [(٣٢٣)] فَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي أَوْلَى. وَاللهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنِّي اسْتَخَرْتُ اللهَ، تَعَالَى، فِي إِيرَادِهَا، فَوَقَعَتِ الْخِيَرَةُ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنْ نَقْلِ أَهْلِ الْمَغَازِي، لِشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْمَذْكُورِينَ [(٣٢٤)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ:
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ: سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ: عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الَّتِي أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ، ﷺ، تُحَدِّثُ أَنَّهَا لَمَّا فَطَمَتْ رَسُولَ اللهِ، ﷺ، تَكَلَّمُ، قَالَتْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَلَامًا عَجِيبًا: سَمِعْتُهُ
_________________
(١) [()] العلميات الجراحية، في كل مواضع الجسم الهدف منها استئصال الداء وطرحه حيث لم تعد تنفع الوسائل الطبية، جراحة القلب حتى أمكن الآن استخراج القلب، وليس فقط معالجته، لا بل استبدال القلب التالف، بقلب سليم من إنسان مات حديثا، أو حتى من قلب صناعي ثم تخاط طبقات الجسم، وتعاد فلا يموت المريض!. وهذا أصبح في استطاعة الإنسان. أفما استطاعه الإنسان لا يستطيعه الله الذي يقول للشيء: «كن فيكون»؟! [(٣٢٢)] هو محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري: ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: «يعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة»، وقال الدارقطني: «يصنع الحديث» . «ميزان الاعتدال» (٣: ٥٥٠) . [(٣٢٣)] الزيادة من (ح) . [(٣٢٤)] في (ص): «المذكرين» .
[ ١ / ١٣٩ ]
يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ كَانَ يَخْرُجُ فَيَنْظُرُ إِلَى الصِّبْيَانِ يَلْعَبُونَ فَيَجْتَنِبُهُمْ. فَقَالَ لِي يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ: يا أماه! مالي لَا أَرَى إِخْوَتِي بِالنَّهَارِ؟ قُلْتُ: فَدَتْكَ نَفْسِي، يَرْعَوْنَ غَنَمًا لَنَا فَيَرُوحُونَ مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ. فَأَسْبَلَ عَيْنَيْهِ فَبَكَى، فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، فَمَا أَصْنَعُ هَهُنَا وَحْدِي؟ ابْعَثِينِيَ مَعَهُمْ. قُلْتُ: أو تحب ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَصْبَحَ دَهَنْتُهُ، وَكَحَّلْتُهُ، وَقَمَّصْتُهُ، وَعَمَدْتُ إِلَى خَرَزَةِ جَزْعٍ يَمَانِيَّةٍ فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ مِنَ الْعَيْنِ. وَأَخَذَ عَصًا وَخَرَجَ مَعَ إِخْوَتِهِ، فَكَانَ يَخْرُجُ مَسْرُورًا وَيَرْجِعُ مَسْرُورًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ بَهْمًا لَنَا حَوْلَ بُيُوتِنَا، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ إِذَا أَنَا بِابْنِي «ضَمْرَةَ» يَعْدُو فَزِعًا، وَجَبِينُهُ يَرْشَحُ قَدْ عَلَاهُ الْبُهْرُ بَاكِيًا يُنَادِي: يَا أَبَتِ [(٣٢٥)] يَا أَبَهْ وَيَا أُمَّهْ، الْحَقَا أَخِي مُحَمَّدًا فَمَا تَلْحَقَاهُ إِلَّا مَيِّتًا. قُلْتُ: وَمَا قِصَّتُهُ؟ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قِيَامٌ نَتَرَامَى [(٣٢٦)] وَنَلْعَبُ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَاخْتَطَفَهُ مِنْ أَوْسَاطِنَا، وَعَلَا بِهِ ذِرْوَةَ الْجَبَلِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى شَقَّ مِنْ صَدْرِهِ إِلَى عَانَتِهِ، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ بِهِ، وَلَا أَظُنُّكُمَا تَلْحَقَاهِ أَبَدًا إِلَّا مَيِّتًا. قَالَتْ:
فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأَبُوهُ- تَعْنِي زَوْجَهَا- نَسْعَى سَعْيًا، فَإِذَا نَحْنُ بِهِ قَاعِدًا عَلَى ذِرْوَةِ الْجَبَلِ، شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَتَبَسَّمُ وَيَضْحَكُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقُلْتُ: فَدَتْكَ نَفْسِي، مَا الَّذِي دَهَاكَ؟ قَالَ: خَيْرًا يَا أُمَّاهُ، بَيْنَا أَنَا السَّاعَةَ قَائِمٌ عَلَى [(٣٢٧)] إِخْوَتِي، إِذْ أَتَانِيَ رَهْطٌ ثَلَاثَةٌ، بِيَدِ أَحَدِهِمْ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، وَفِي يَدِ الثَّانِي طَسْتٌ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ مِلْؤُهَا ثَلْجٌ، فَأَخَذُونِي، فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى ذِرْوَةِ الْجَبَلِ، فَأَضْجَعُونِي عَلَى الْجَبَلِ إِضْجَاعًا لَطِيفًا، ثُمَّ شَقَّ مِنْ صَدْرِي إِلَى عَانَتِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ حِسًّا وَلَا أَلَمًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في
_________________
(١) [(٣٢٥)] في (ح): «يا أمه»، وفي (ص): «يا أبه» . [(٣٢٦)] في (ص) رسمت: نتراما. [(٣٢٧)] في (ص): «معي» .
[ ١ / ١٤٠ ]
جَوْفِي، فَأَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي، فَغَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا.
وَقَامَ الثَّانِي فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: تَنَحَّ،! فَقَدْ أَنْجَزْتَ مَا أَمَرَكَ اللهُ [بِهِ] [(٣٢٨)] فَدَنَا مِنِّي، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي، فَانْتَزَعَ قَلْبِي وَشَقَّهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ مَمْلُوءَةً بِالدَّمِ، فَرَمَى بِهَا، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ يَا حَبِيبَ اللهِ، ثُمَّ حَشَاهُ بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُ، وَرَدَّهُ مَكَانَهُ، ثُمَّ خَتْمَهُ بِخَاتَمٍ مِنْ نُورٍ، فَأَنَا السَّاعَةَ أَجِدُ بَرْدَ الْخَاتَمِ فِي عُرُوقِي وَمَفَاصِلِي. وَقَامَ الثَّالِثُ فَقَالَ: تَنَحَّيَا، فَقَدْ أَنْجَزْتُمَا مَا أَمَرَ [(٣٢٩)] اللهُ فِيهِ، ثُمَّ دَنَا الثَّالِثُ مِنِّي، فَأَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، قَالَ الْمَلَكُ: زِنُوهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنُونِي فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ:
دَعُوهُ، فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَ بِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي إِنْهَاضًا لَطِيفًا، فَأَكَبُّوا عَلَيَّ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَقَالُوا: يَا حَبِيبَ اللهِ، إِنَّكَ لَنْ تُرَاعَ [(٣٣٠)]، وَلَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنَاكَ. وَتَرَكُونِي قَاعِدًا فِي مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ جَعَلُوا يَطِيرُونَ حَتَّى دَخَلُوا حِيَالَ السَّمَاءِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، وَلَوْ شِئْتُ لَأَرَيْتُكِ مَوْضِعَ دُخُولِهِمَا. قَالَتْ: فَاحْتَمَلْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ [(٣٣١)] بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَقَالَ لِيَ النَّاسُ: اذْهَبِي بِهِ إِلَى الْكَاهِنِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيدَاوِيَهُ. فَقَالَ: مَا بِي شَيْءٌ مِمَّا تَذْكُرُونَ، وَإِنِّي أَرَى نَفْسِي سَلِيمَةً، وَفُؤَادِيَ صَحِيحٌ بِحَمْدِ اللهِ.
فَقَالَ النَّاسُ: أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الْجِنِّ. قَالَتْ:
فَغَلَبُونِي عَلَى رَأْيِي، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى الْكَاهِنِ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. قَالَ:
دَعِينِي أَنَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْغُلَامَ أَبْصَرُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ، تَكَلَّمْ يَا غُلَامُ، قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَقَصَّ ابْنِي مُحَمَّدٌ قِصَّتَهُ مَا بَيْنَ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَوَثَبَ الْكَاهِنُ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آلَ الْعَرَبِ، يَا آلَ
_________________
(١) [(٣٢٨)] الزيادة من (ح) . [(٣٢٩)] في (ح): «ما أمركما» . [(٣٣٠)] في (هـ)، و(ص): «ترع» !. [(٣٣١)] في (ح): «به منازل» .
[ ١ / ١٤١ ]
الْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبْ، اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ وَاقْتُلُونِي مَعَهُ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَأَدْرَكَ مَدْرَكَ الرِّجَالِ لَيُسَفِّهَنَّ أَحْلَامَكُمْ، وَلَيُكَذِّبَنَّ أَدْيَانَكُمْ، وَلَيَدْعُوَنَّكُمْ إِلَى رَبٍّ لَا تَعْرِفُونَهُ، وَدِينٍ تُنْكِرُونَهُ.
قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ انْتَزَعْتُهُ مِنْ يَدِهِ، وَقُلْتُ: لَأَنْتَ أَعْتَهُ مِنْهُ وَأَجَنُّ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ قَوْلِكَ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ، اطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ، فَإِنَّا لَا نَقْتُلُ مُحَمَّدًا. فَاحْتَمَلْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلِي، فَمَا أَتَيْتُ- يَعْلَمُ اللهُ- مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إِلَّا وَقَدْ شَمَمْنَا مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَكَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَبْيَضَانِ، فَيَغِيبَانِ فِي ثِيَابِهِ وَلَا يَظْهَرَانِ. فَقَالَ النَّاسُ: رُدِّيهِ يَا حَلِيمَةُ عَلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخْرِجِيهِ مِنْ أَمَانَتِكِ. قَالَتْ:
فَعَزَمْتُ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي: هَنِيئًا لَكِ يَا بَطْحَاءَ مَكَّةَ، الْيَوْمَ يُرَدُّ [(٣٣٢)] عَلَيْكِ النُّورُ، وَالدِّينُ، وَالْبَهَاءُ، وَالْكَمَالُ، فَقَدْ أَمِنْتِ أَنْ تُخْذَلِينَ أَوْ تَحْزَنِينَ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ. قَالَتْ: فَرَكِبْتُ أَتَانِيَ، وَحَمَلْتُ النَّبِيَّ، ﷺ، بَيْنَ يَدَيَّ، أَسِيرُ حَتَّى أَتَيْتُ الْبَابَ الْأَعْظَمَ مِنْ أَبْوَابِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فَوَضَعْتُهُ لِأَقْضِيَ حَاجَةً وَأُصْلِحَ شَأْنِي، فَسَمِعْتُ [(٣٣٣)] هَدَّةً شَدِيدَةً، فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ: مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ قَالُوا: أَيُّ الصبيان؟ قلت: محمد ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، الَّذِي نَضَّرَ اللهُ بِهِ وَجْهِي، وَأَغْنَى عَيْلَتِي، وَأَشْبَعَ جَوْعَتِي، رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكْتُ بِهِ سُرُورِي وَأَمَلِي، أَتَيْتُ بِهِ أَرُدُّهُ وَأَخْرُجُ مِنْ أَمَانَتِي، فَاخْتُلِسَ مِنْ يَدَيَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّ قَدَمَيْهِ الْأَرْضُ، وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ لَمْ أَرَهُ لَأَرْمِيَنَّ بِنَفْسِي مِنْ شَاهِقِ هَذَا الْجَبَلِ، وَلَأَتَقَطَّعَنَّ إِرْبًا إِرْبًا. فَقَالَ النَّاسُ [إِنَّا] [(٣٣٤)] لَنَرَاكِ غَائِبَةً عَنِ الرُّكْبَانِ، مَا مَعَكِ مُحَمَّدٌ. قَالَتْ: قُلْتُ: السَّاعَةَ
_________________
(١) [(٣٣٢)] في (ص): «يرد الله عليك..» . [(٣٣٣)] في (هـ): «سمعت»، وفي (ص): «إذ سمعت» . [(٣٣٤)] الزيادة من (ح) .
[ ١ / ١٤٢ ]
كَانَ [(٣٣٥)] بَيْنَ أَيْدِيكُمْ. قَالُوا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا. فَلَمَّا آيَسُونِي وَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى رَأْسِي، فَقُلْتُ: وا محمّداه وا ولداه!! أَبْكَيْتُ الْجَوَارِيَ الْأَبْكَارَ [(٣٣٦)] لِبُكَائِي، وَضَجَّ النَّاسُ مَعِي بِالْبُكَاءِ حُرْقَهً لِي، فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ كَالْفَانِي مُتَوَكِّئًا عَلَى عُكَّازٍ [(٣٣٧)] لَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ لي: مالي أراك أيها السَّعْدِيَّةُ تَبْكِينَ [(٣٣٨)] وَتَضِجِّينَ؟!! قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَقَدْتُ ابْنِي مُحَمَّدًا. قَالَ: لَا تَبْكِيَنَّ، أَنَا أَدُلُّكِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ عِلْمَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْكِ فَعَلَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: دُلَّنِي عَلَيْهِ. قَالَ: الصَّنَمُ الْأَعْظَمُ. قَالَتْ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟! كَأَنَّكَ لَمْ تَرَ مَا نَزَلَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى [فِي] [(٣٣٩)] اللَّيْلَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا مُحَمَّدٌ، ﷺ؟ قَالَ: إِنَّكِ لَتَهْذِينَ وَلَا تَدْرِينَ مَا تَقُولِينَ، أَنَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْكِ. قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَدَخَلَ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَطَافَ بِهُبَلَ أُسْبُوعًا وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَنَادَى: يَا سَيِّدَاهُ، لَمْ تَزَلْ مُنْعِمًا عَلَى قُرَيْشٍ، وَهَذِهِ السَّعْدِيَّةُ تَزْعُمُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ضَلَّ. قَالَ: فَانْكَبَّ هُبَلُ عَلَى وَجْهِهِ، فَتَسَاقَطَتِ الْأَصْنَامُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَنَطَقَتْ- أَوْ نَطَقَ مِنْهَا- وَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّمَا هَلَاكُنَا عَلَى يَدَيْ مُحَمَّدٍ. قَالَتْ: فَأَقْبَلَ الشَّيْخُ لِأَسْنَانِهِ اصْتِكَاكٌ [(٣٤٠)]، ولركبتيه ارتعادا، وَقَدْ أَلْقَى عُكَّازَهُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا حَلِيمَةُ لَا تَبْكِي، فَإِنَّ لِابْنِكِ رَبًّا لَا يُضَيِّعُهُ، فَاطْلُبِيهِ عَلَى مَهَلٍ. قَالَتْ: فَخِفْتُ
_________________
(١) [(٣٣٥)] ليست في (ص) . [(٣٣٦)] في (ص): «فأبكيت الجوار والأبكار» . [(٣٣٧)] في (ح): «عكازة» . [(٣٣٨)] اضطربت العبارة في النسخ. - ففي نسخة (هـ): «أراك تبكين أيها السعدية تبكين» . - وفي نسخة (ح): «فقال لي أراك تبكين أيها» . - وفي نسخة (ص): «مالي أراك تبكين أيها السعدية» . [(٣٣٩)] الزيادة من (ح) . [(٣٤٠)] في (ح): «لأسنانه ارتعادا ولركبتيه احتكاك»، وفي (هـ): «فأقبل الشيخ. وأقبل لأسنانه اشتكاك»، وفي (ص): «اصطكاكا» .
[ ١ / ١٤٣ ]
أَنْ يَبْلُغَ الْخَبَرُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَبْلِي، فَقَصَدْتُ قَصْدَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ. قَالَ:
أَسَعْدٌ نَزَلَ بِكِ أَمْ نُحُوسٌ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بَلْ نَحْسُ الْأَكْبَرِ. فَفَهِمَهَا مِنِّي، وَقَالَ: لَعَلَّ ابْنَكِ قَدْ ضَلَّ مِنْكِ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، بَعْضُ قُرَيْشٍ اغْتَالَهُ فَقَتَلَهُ.
فَسَلَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَيْفَهُ وَغَضِبَ- وَكَانَ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ- فَنَادَى بِأَعْلَى [(٣٤١)] صَوْتِهِ: يَا يَسِيلُ [(٣٤٢)]- وَكَانَتْ دَعْوَتَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ-[قَالَ]: [(٣٤٣)] فَأَجَابَتْهُ قُرَيْشٌ بِأَجْمَعِهَا، فَقَالَتْ: مَا قِصَّتُكَ يَا أَبَا الْحَارِثِ؟
فَقَالَ: فُقِدَ ابْنِي مُحَمَّدٌ. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: ارْكَبْ نَرْكَبْ مَعَكَ، فَإِنْ سَبَّقْتَ خَيْلًا سَبَّقْنَا مَعَكَ، وَإِنْ خُضْتَ بَحْرًا خُضْنَا مَعَكَ. قَالَ: فَرَكِبَ، وَرَكِبَتْ مَعَهُ قُرَيْشٌ، فَأَخَذَ عَلَى أَعْلَى مَكَّةَ، وَانْحَدَرَ عَلَى أَسْفَلِهَا. فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا تَرَكَ النَّاسَ وَاتَّشَحَ بِثَوْبٍ، وَارْتَدَى بِآخَرَ [(٣٤٤)]، وَأَقْبَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَطَافَ أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يقول:
يَا رَبِّ إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُوجَدْ فَجَمِيعُ [(٣٤٥)] قَوْمِي كُلُّهُمْ مُتَرَدِّدْ
فَسَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي مِنْ جَوِّ الْهَوَاءِ: مَعَاشِرَ الْقَوْمِ [(٣٤٦)]، لَا تَصِيِحُوا [(٣٤٧)]، فَإِنَّ لِمُحَمَّدٍ رَبًّا لَا يَخْذُلُهُ وَلَا يُضَيِّعُهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: يَا أَيُّهَا الْهَاتِفُ، مَنْ لَنَا بِهِ؟ قَالُوا [(٣٤٨)]: بِوَادِي تِهَامَةَ عِنْدَ شَجَرَةِ الْيُمْنَى. فَأَقْبَلَ عَبْدُ
_________________
(١) [(٣٤١)] رسمت في (ص): «بأعلا» . [(٣٤٢)] في (ص): «يا نسيل»، وفي (ح): «يا سنيل» . [(٣٤٣)] الزيادة من (ح) . [(٣٤٤)] في (ح): «بأخرى» . [(٣٤٥)] في (ص): «فجمع قومي كلها مبدد.» [(٣٤٦)] في (ح): «الناس» . [(٣٤٧)] في (ص): «ولا تصنجوا» . [(٣٤٨)] في (ح): «قال: قالوا.
[ ١ / ١٤٤ ]
الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا صَارَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ تَلَقَّاهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، فَصَارَا جَمِيعًا يَسِيرَانِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذَا النَّبِيُّ، ﷺ، قَائِمٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَجْذِبُ أَغْصَانَهَا، وَيَعْبَثُ بِالْوَرَقِ،
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَدَتْكَ نَفْسِي، وَأَنَا جَدُّكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ احْتَمَلَهُ، وَعَانَقَهُ [(٣٤٩)]،
وَلَثَمَهُ، وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى قَرَبُوسِ سَرْجِهِ، وَرَدَّهُ إِلَى مَكَّةَ، فَاطْمَأَنَّتْ قُرَيْشٌ فَلَمَّا اطْمَأَنَّ النَّاسُ نَحَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِشْرِينَ جَزُورًا، وَذَبَحَ الشَّاءَ [(٣٥٠)] وَالْبَقَرَ، وَجَعَلَ طَعَامًا، وَأَطْعَمَ أَهْلَ مَكَّةَ.
قَالَتْ حَلِيمَةُ: ثُمَّ جَهَّزَنِي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِأَحْسَنِ الْجِهَازِ وَصَرَفَنِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَأَنَا بِكُلِّ خَيْرِ دُنْيَا، لَا أُحْسِنُ وَصْفَ كُنْهِ خَيْرِي. وَصَارَ مُحَمَّدٌ عِنْدَ جَدِّهِ.
قَالَتْ حَلِيمَةُ: وَحَدَّثْتُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بِحَدِيثِهِ كُلِّهِ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَبَكَى، وَقَالَ: يَا حَلِيمَةُ، إن لا بني شَأْنًا، وَدِدْتُ أَنِّي أُدْرِكُ ذَلِكَ الزَّمَانَ.
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ [(٣٥١)]، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ، ﷺ، أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ:
أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ. فَذَكَرَ الحديث. قال:
_________________
(١) [(٣٤٩)] في (ح): «ثم احتمله على عاتقه، ولثمه..» . [(٣٥٠)] في (ص): «الشاة» تصحيف. [(٣٥١)] في سيرة ابن هشام: «قال ابن إسحق: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، ولا احسبه إلا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ القلاعي» .
[ ١ / ١٤٥ ]
وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي فِي بَهْمٍ لَنَا، أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ [(٣٥٢)]، مَعَهُمَا طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٌ ثَلْجًا، فَأَضْجَعَانِي، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ، فَأَلْقَيَاهَا [(٣٥٣)]، ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ، حَتَّى إِذَا أَنْقَيَا ثُمَّ رَدَّاهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ، فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِمِائَةٍ، فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِأَلْفٍ، فَوَزَنْتُهُمْ. فَقَالَ: دَعْهُ عَنْكَ، فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهُمْ [(٣٥٤)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﷺ: إِنَّ مَلَكَيْنِ جَاءَانِي فِي صُورَةِ كُرْكِيَّيْنِ، مَعَهُمَا ثَلْجٌ وَبَرَدٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ، فَشَرَحَ أَحَدُهُمَا صَدْرِي، وَمَجَّ الْآخَرُ بِمِنْقَارِهِ فِيهِ فَغَسَلَهُ.
هَذَا مُرْسَلٌ. وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ الشَّقِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَوْصُولٍ:
* أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هاني، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عن أنس بن مالك.
_________________
(١) [(٣٥٢)] في (ح): «بيض» . [(٣٥٣)] في (ص): «فألقياه» . [(٣٥٤)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٦٠٠)، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» وأقرّه الذهبيّ. وهو في سيرة ابن هشام (١: ١٧٧)، والبداية والنهاية (٢: ٢٧٥) .
[ ١ / ١٤٦ ]
أَنَّ رَسُولَ اللهِ، ﷺ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ﵇- وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ. فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ- يَعْنِي ظِئْرَهُ- فَقَالُوا:
إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ.
قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ [(٣٥٥)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ. وَهُوَ يُوَافِقُ مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي.
* وَقَدْ أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ]: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمْتَامٌ [(٣٥٦)]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى- هَوُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﷺ: أُتِيتُ وَأَنَا فِي أَهْلِي، فَانْطُلِقَ بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئَةً إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحُشِيَ بِهَا صَدْرِي- قَالَ أَنَسٌ: وَرَسُولُ اللهِ، ﷺ، يُرِينَا أَثَرَهُ- فَعَرَجَ بِيَ الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ الْمَلَكُ. وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٣٥٧)] مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
_________________
(١) [(٣٥٥)] أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان (٧٤) باب الإسراء، حديث رقم (٢٦١)، صفحة (١: ١٤٧)، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ١٢١، ١٤٩، ٢٨٨) . [(٣٥٦)] في (ح): «هشام» وهو مصحف من تمتام، خطأ من الناسخ. [(٣٥٧)] في: ١- كتاب الإيمان (٧٤) باب الإسراء، صفحة (١: ١٤٧) «فتح الباري» .
[ ١ / ١٤٧ ]
وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ.
وَالزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ.
وقَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً حِينَ كَانَ عِنْدَ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ، وَمَرَّةً حين كان بمكة، بعد ما بُعِثَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ [(٣٥٨)] . وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ، مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [(٣٥٩)]، أَرْضَعَتْ أَيْضًا رَسُولَ اللهِ، ﷺ، مَعَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ.
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ- وَأُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ- أَخْبَرَتْهُ:
أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي، ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَتْ: فَقَالَ لِي:
أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرَكَنِي فِي خَيْرٍ- أُخْتِي. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: ابْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: والله لو
_________________
(١) [(٣٥٨)] سبق ان تقدم في الهامش رقم (٣٢١) أن شق الصدر قد تكرر. [(٣٥٩)] تقدم في الهامش (٢٩٣) ان ثوبية كانت ممن أرضع النبي ﷺ.
[ ١ / ١٤٨ ]
أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ: ثُوَيْبَةُ. فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ.
قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ: مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتْ رَسُولَ الله، ﷺ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ فِي النَّوْمِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَخَاءً، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ مِنِّي بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ، وَأَشَارَ إِلَى النَّقِيرِ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي يَلِيهَا مِنَ الْأَصَابِعِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣٦٠)] .
وَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَتَهُ حَتَّى كَبِرَ:
* أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وهب..
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ:
لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَذَكَرَ الحديث، وفيه: قال:
_________________
(١) [(٣٦٠)] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، (باب) وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب»، و(باب): وربائبكم اللاتي في حجوركم» . ورواه مسلم في: ١٧- كتاب الرضاع (٤) باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، حديث (١٦)، صفحة (١٠٧٣) .
[ ١ / ١٤٩ ]
وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَعْطَتْ رَسُولَ اللهِ، ﷺ، عِذَاقًا لَهَا، فَأَعْطَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ، ﷺ، أُمَّ أَيْمَنَ، وَهِيَ مَوْلَاتُهُ أُمُّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ، ﷺ، بَعْدَ مَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضِنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللهِ، ﷺ، فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ، ﷺ، بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ [(٣٦١)] .
_________________
(١) [(٣٦١)] أخرجه مسلم في صحيحه، في: ٢٢- كتاب الجهاد والسير (٢٤) باب رَدَّ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْأَنْصَارِ منائحهم من الشجر والثمر، حديث (٧٠)، صفحة (١٣٩١- ١٣٩٢) .
[ ١ / ١٥٠ ]