ومما يجب معرفته في هذا الباب أن تعلم: أنّ الأخبار الخاصة المروية على ثلاثة أنواع:
نوع اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مرويّا من أوجه كثيرة، وطرق شتى حتى دخل في حد الاشتهار، وبعد من توهّم الخطأ فيه، أو تواطؤ الرواية على الكذب فيه.
فهذا (الضرب من الحديث) يحصل به العلم المكتسب، وذلك مثل الأحاديث التي رويت في القدر، والرؤية، والحوض، وعذاب القبر، وبعض ما روى في المعجزات، والفضائل، والأحكام، فقد روي بعض أحاديثها من أوجه كثيرة.
(والضرب الثاني): أن يكون مرويا من جهة الآحاد، ويكون مستعملا في الدعوات، والترغيب والترهيب، وفي الأحكام كما يكون شهادة الشاهدين مستعملة في الأحكام عند الحكّام، وإن كان يجوز عليها وعلى المخبر الخطأ والنسيان، لورود نصّ الكتاب بقبول شهادة الشاهدين إذا كانا عدلين، وورود السّنة بقبول خبر الواحد إذا كان عدلا مستجمعا لشرائط القبول فيما يوجب العمل.
[ ١ / ٣٢ ]
وأما في (المعجزات وفي فضائل واحد من الصحابة)، وقد رويت فيهما أخبار آحاد في ذكر أسبابها إلا أنها مجتمعة في إثبات معنى واحد وهو ظهور المعجزات على شخص واحد، وإثبات فضيلة شخص واحد، فيحصل بمجموعها العلم المكتسب. بل إذا جمع بينها وبين الأخبار المستفيضة في المعجزات والآيات التي ظهرت على سيدنا الْمُصْطَفَى، ﷺ- دخلت في حد التواتر الذي يوجب العلم الضروري فثبت بذلك خروج رجل من العرب يقال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ادّعى أنه رسول رب العالمين، وظهرت عليه الآيات وأورد على الناس من المعجزات التي باين بها من سواه بما آمن عليه من أنعم الله عليه بالهداية، مع ما بقي في أمته من القرآن المعجز.
وهذا كما أنّ أسباب ما اشتهر بها «حاتم طي» بالسّخاوة إنما علمت بأخبار الآحاد، غير أنها إذا جمعت أثبتت معنى واحدا هو السّخاوة، فدخلت في حد التواتر في إثبات سخاوة حاتم. وبالله التوفيق.
وأما النوع الثاني من الأخبار، فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها.
وهذا النوع على ضربين:
(ضرب) رواه من كان معروفا بوضع الحديث والكذب فيه.
فهذا الضرب لا يكون مستعملا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التّليين.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمَوَيْهِ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إياس: حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ
[ ١ / ٣٣ ]
الرحمن بن أبي يعلى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «من روى عنّي حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» [(٨٢)] .
قال: وحَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن ميمون بن أبي شبيب، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فذكر مثله.
وضرب لا يكون روايه متهما بالوضع، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط، في رواياته، أو يكون مجهولا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول.
فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملا في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكّام. وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم.
سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الحافظ، يقول: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا: يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ، يَقُولُ: سمعت أبا الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ يقول: كان أبي يحكي عَنْ «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مهدي» أنه قال:
إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال، تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام، تشدّدنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال.
_________________
(١) [(٨٢)] الحديث أخرجه الترمذي في كتاب العلم (بَابُ) مَا جَاءَ فِيمَنْ روى حديثا وهو يرى أنه كذب (٥: ٣٦)، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وقال أبو عيسى: «وفي الباب عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب، وسمرة، وأخرجه ابن ماجة في المقدمة (٥) باب من حدّث عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا وهو يرى أنه كذب (١: ١٤)، عن علي، وعن سمرة، وعن المغيرة، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» في:
(٢) كتاب الاعتصام بالسنة/ الحديث (٢٩) عن سمرة، (١: ١١١) من تحقيقنا.
[ ١ / ٣٤ ]
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ- بِمَرْوَ- أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، قَالَ: سمعت أبا قدامة، يقول: قال (يحي بن سعيد- يعني القطّان):
تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثّقونهم في الحديث.
ثم ذكر لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ [(٨٣)] . وجويبر بن سعيد [(٨٤)]، والضحّاك [(٨٥)]،
_________________
(١) [(٨٣)] لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ بن زنيم القرشي: صدوق، اختلط أخيرا، ولم يتميز حديثه فترك. من السادسة. ذكره البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وقال ابن عدي: «له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه» . وقال يحيى بن معين: «ليس حديثه بذاك، ضعيف» . وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «مضطرب الحديث»، وكذا قال الإمام أحمد، وضعفه العقيلي، وجرحه ابن حبان بعد اختلاطه. «طبقات ابن سعد» (٦: ٣٤٩)، «التاريخ الكبير» (٤: ١: ٢٤٦)، «الجرح والتعديل» (٣: ٢: ١٧٧)، المجروحين (٢: ٢٣١)، «الميزان» (٣: ٤٢٠)، «المغني في الضعفاء» (٢: ٥٣٦)، «التهذيب» (٨: ٤٦٥)، «التقريب» (٢: ١٣٨) . [(٨٤)] جويبر بن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي: قال ابن معين: «ليس بشيء» وقال الدوري: «ضعيف»، وقال علي بن المديني: «أكثر جويبر على الضحاك، روى عنه أشياء مناكير» وقال النسائي، والدارقطني «متروك»، وقال ابن عدي: «الضعف على حديثه ورواياته بين» . قال يحيى بن سعيد القطان: «تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث، ثم ذكر الضحاك، وجويبرا، ومحمد بن السائب الكلبي، وقال: هؤلاء لا يحمل حديثهم » . له ترجمة في تاريخ ابن معين (٢: ٨٩)، «التاريخ الكبير» (١: ٢: ٢٥٦)، الجرح والتعديل (١: ١: ٢٤٠)، المجروحين (١: ٢١٧)، الميزان (١: ٤٢٧)، تهذيب التهذيب (٢: ١٢٣- ١٢٤) . [(٨٥)] هو الضحاك بن مزاحم الهلالي البلخي الخراساني: اتفقت المصادر على أنه لم يرو عن الصحابة، وقد وثقه العجلي، وابن حبان والدارقطني. «تاريخ ابن معين» (٢: ٢٧٢)، «التاريخ الكبير» (٢: ٢: ٣٣٣)، «الجرح والتعديل» (٢: ١: ٤٥٨)، «الميزان» (٢: ٣٢٥) . التهذيب (٤: ٤٥٣) .
[ ١ / ٣٥ ]
محمد بن السائب [(٨٦)]- يعني الكلبي، وقال: هؤلاء يحمد حديثهم ويكتب
_________________
(١) [(٨٦)] هو مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، أحد المفسرين الذين يرجع تفسيرهم إلى تفسير ابن عباس، وترجع شهرته إلى كونه مؤرخا ونسّابة، وكان ذا ميول شيعية، أما روايته فكثيرا ما توصف بأنها ضعيفة. ذكره ابن معين في تاريخه، وقال: ليس بشيء، وذكره العقيلي في «الضعفاء الكبير»، وأفاض ابن حبان في جرحه، وقال: «كان سبئيا من أصحاب عبد الله بن سبأ من أولئك الذين يقولون: إن عليّا لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة فيملؤها عدلا كما ملئت جورا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها» . ونقل ابن حبان قوله: «كان جبريل يملي الوحي على النبي ﷺ، فلما دخل النبي الخلاء جعل يملي على عليّ!!!!! وكان يقول: حفظت القرآن في سبعة أيام. وقال حماد بن سلمة عنه: «كان والله غير ثقة» . وقال ابن حبان: «الكلبي هذا مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه. يروى عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع منه شيئا ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فجعل لما احتيج إليه تخرج له الأرض أفلاذ كبدها. لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به والله جل وعلا ولّى رسوله ﷺ تفسير كلامه وبيان ما أنزل إليه لخلقه حيث قال: «وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم» . ومن أمحل المحال أن يأمر الله جل وعلا النبي المصطفى أن يبيّن لخلقه مراده حيث جعله موضع الأمانة عن كلامه ويفسر لهم حتى يفهموا مراد الله جل وعلا من الآي التي أنزلها الله عليه، ثم لا يفعل ذلك رسول رب العالمين وسيد المرسلين. بل أبان عن مراد الله جل وعلا في الآي وفسّر لأمته ما يهم الحاجة إليه، وهو سننه ﷺ، فمن تتبّع السنن حفظها وأحكمها فقد عرف تفسير كلام الله جل وعلا وأغناه الله تعالى عن الكلبي وذويه. وما لم يبيّن رسول الله ﷺ لأمته معاني الآي التي أنزلت عليه مع أمر الله جل وعلا له بذلك وجاز له ذلك كان لمن بعده من أمته أجوز، وترك التفسير لما تركه رسول الله ﷺ أحرى. وعن أعظم الدليل على أن الله جل وعلا لم يرد بقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. القرآن كله أن النبي ﵊ ترك من الكتاب متشابها من الآي وآيات ليس فيها أحكام فلم يبيّن كيفيتها لأمته فلما فعل رسول الله ﷺ دل ذلك على أن المراد من قوله «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» كان بعض القرآن لا الكل.
[ ١ / ٣٦ ]
التفسير عنهم.
قال الشيخ: وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم، لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط.
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ: سمعت العباس بن محمد يقول: سمعت «أحمد ابن حنبل» وسئل وهو على باب أبي النَّضْرِ: هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، فقيل لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، ما تقول في «موسى بن عبيدة» وفي «محمد بن إسحاق»؟
قال: «أما موسى بن عبيدة» [(٨٧)] فلم يكن به بأس، ولكنه حدّث أحاديث مناكير عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وأما «محمد بن إسحاق» [(٨٨)] فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث- كأنه
_________________
(١) [()] ترجمته في تاريخ ابن معين (٢: ٥١٧)، «التاريخ الكبير» (١: ١: ١٠١)، «الجرح والتعديل» (٣: ١: ٢٧٠)، «المجروحين» (٢: ٢٥٣- ٢٥٦)، «ميزان الاعتدال» (٣: ٥٥٦)، «تهذيب التهذيب» (٩: ١٧٨- ١٨١) . الفهرست (٩٥)، الوافي بالوفيات (٣: ٨٣)، طبقات المفسرين (٢: ١٤٤)، شذرات الذهب (١: ٢١٧) . [(٨٧)] موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي، أبو عبد العزيز المدني: قال البخاري: «وقال أحمد: منكر الحديث جدا»، وقال ابن معين: «إنما ضعف حديثه لأنه روى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دينار مناكير»، وقال مرة: «ليس بشيء» . وقال أبو زرعة: «ليس بقوي الحديث» وقال أبو حاتم «منكر الحديث» . وضعفه النسائي، وابن حبان. «التهذيب» (١٠: ٣٥٦- ٣٦٠) . [(٨٨)] هو أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بن إسحق بن يسار (٨٠- ١٥١) ولد بالمدينة وانتقل إلى الاسكندرية حيث حضر دروس يزيد بن أبي حبيب في علم الحديث، وعاد بعد سنوات إلى مسقط رأسه حيث التقى بالمحدث سفيان بن عيينة، ثم هاجر إلى بغداد. صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر.
[ ١ / ٣٧ ]
يعني المغازي ونحوها- فأما إذا جاءك الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، وقبض أبو الفضل- يعني العباس- أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام.
وأما النوع الثالث، من الأحاديث فهو حديث قد اختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته: فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض رواته خفى ذلك عن غيره، أو لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره، وقد وقف عليه غيره، أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحا، أو وقف على انقطاعه أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدراج بعض رواته قول رواته في متنه. أو دخول إسناد حديث في حديث خفى ذلك على غيره.
فهذا الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم، ويجتهدوا في معرفة [(٨٩)] معانيهم في القبول والردّ، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحّها. وبالله التوفيق.
_________________
(١) [()] ترجمته في «طبقات ابن سعد» (٧: ٣٢١)، طبقات خليفة (٢٧١)، «التاريخ الكبير» (١: ١: ٤٠)، «تاريخ بغداد» (١: ٢١٤)، «الجرح والتعديل» (٤: ٢: ١٩١)، «ميزان الاعتدال» (٣: ٤٦٨)، «طبقات الحفاظ» (٧٥- ٧٦)، «تهذيب التهذيب» (٩:
(٢) ٤٠) . [(٨٩)] في الأصل (ح): معروفة.
[ ١ / ٣٨ ]