وللإمام الغزالي في منقذه من الضلال طريقة في إثبات النبوة، قال:
«فإذا وقع لك شك في شخص معين: أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله:
إما بالمشاهدة، أو بالتواتر، والتسامع.
فإنك إذا عرفت الطب، والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء، والأطباء، بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم وإن لم تشاهدهم.
ولا تعجز أيضا عن معرفة كون «الشافعي» - ﵀- فقيها وكون «وجالينوس» طبيبا، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير، بل بأن تتعلم شيئا من الفقه والطب، وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما.
فكذلك إذا فهمت معنى النبوة، فأكثرت النظر في القرآن، والأخبار يحصل لك العلم الضروري بكونه ﷺ، على أعلى درجات النبوة واعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات، وتأثيرها في تصفية القلوب وكيف
صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» .
وكيف صدق في
قوله: «من أعان ظالما سلطه الله عليه» .
وكيف صدق في
قوله:
[ المقدمة / ١٣ ]
«من أصبح وهمومه هم واحد، كفاه الله تعالى هموم الدنيا والآخرة
فإذا جرّبت في ألف، وألفين، وآلاف حصل لك علم ضروري لا تتمارى فيه.
فمن هذا الطريق: اطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعبانا، وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، ربما ظننت أنه سحر وتخييل وأنه من الله إضلال، فإن الله تعالى:
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
وترد عليك أسئلة المعجزات، فإن كان مستندا إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينخرم إيمانك بكلام مرتب في وجوه الأشكال والشبهة عليها.
فليكن مثل الخوارق، إحدى الدلائل والقرائن في مجلة نظرك حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري، ولا يخرج عن جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد فهذا هو الإيمان القوي العملي» أ. هـ.