وإن من دلائل النبوة ما أخبر - ﷺ - أنه يكون بين يدي الساعة، ونراه أو نرى بعضه في حياتنا اليوم، وهو ما يسميه العلماء بأشراط الساعة الصغرى، وهذا الحاضر - الذي نراه اليوم - كان غيبًا أطلع الله عليه نبيه، ليكون شاهدًا على نبوته ورسالته.
ومن الأخبار المتعلقة باقتراب الساعة ما يحدثنا عنه - ﷺ - بقوله: «من أشراط الساعة أن يقِلَّ العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقِلَّ الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد». (١)
وزاد في رواية في الصحيحين: «ويُشربَ الخمر، ويَظهرَ الزنا». (٢)
وفي رواية أخرى: «وتكثُرَ الزلازل، ويتقاربَ الزمان، وتَظهرَ الفتن، ويكثُرَ الهرْج، وهو القتل». (٣)
وفي رواية: «يتقاربُ الزمان، ويَنقصُ العمل، ويُلقى الشح». (٤)
فهذه ثمان علامات تكون بين يدي الساعة.
أولها: ظهور الجهل وقلة العلم الشرعي بين الناس، وذلك لقبض العلماء وظهور الرؤوس الجهال الذين يفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يُقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَترُك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». (٥)
قال ابن بطال: "وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط، وقد رأينا عيانًا، فقد نَقص العلم وظهر الجهل". (٦)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٧٩)، ومسلم ح (٤٨٢٥).
(٢) رواه البخاري ح (٨٠)، ومسلم ح (٢٦٧١).
(٣) رواه البخاري ح (١٠٣٦).
(٤) رواه البخاري ح (٦٠٣٧)، ومسلم ح (١٥٧).
(٥) رواه البخاري ح (١٠٠)، ومسلم ح (٢٦٧٣).
(٦) فتح الباري (١٣/ ١٨).
[ ٤٨ ]
وتعقبه ابن حجر فقال: "الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله [أي العلم]، والمراد من الحديث استحكامُ ذلك، حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر .. فلا يبقى إلا الجهل الصِرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك". (١)
ولئن كان ذلك في زمن ابن بطال ثم ابن حجر فإنه في زماننا أظهر وأبْيَن، ولا يخفى هذا على عاقل يرى ما رُزئنا به اليوم من موت العلماء، وتصدر الأدعياء.
وأما العلامة الثانية من علامات النبوة التي أخبر بها - ﷺ - فهي شيوع شرب الخمر بين المسلمين، وقد أنبأ - ﷺ - أن الذين سيشربونها؛ يسمونها بغير اسمها، وأنهم يستحلونها، ولا يرون أنها الخمر التي حرمها الله، قال - ﷺ -: «يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها»، وزاد في رواية الدارمي: «فيستحلونها». (٢)
وبيانُه فيما أخرجه البخاري عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف». (٣)
وقد كان هذا - وللأسف - عند بعض جهال المسلمين، غفلة منهم وجهلًا، فتعاطوا هذه المحرمات، لما رأوها سميت بالمنشطات أو المخدِّرات أو المشروبات الروحية، والحق أنها جميعًا خمر حرمها الله ولعن شاربها وبائعها وصانعها، وقد قال عمر - ﵁ - على المنبر وهو يخطب في المسلمين: (أما بعد، نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل) (٤)، أي غطاه، فكل ذلك خمر.
قال القرطبي: " في هذا الحديث عَلم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع؛ فوقعت، خصوصًا في هذه الأزمان". (٥)
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ١٨).
(٢) رواه النسائي ح (٥٦٥٨)، وأبو داود ح (٣٦٨٨)، وأحمد ح (١٧٦٠٧)، والدارمي ح (٢١٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٩٥٨٤).
(٣) ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم في باب: "ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه".
(٤) رواه البخاري ح (٥٥٨١)، ومسلم ح (٣٠٣٢).
(٥) نقله عنه ابن حجر في الفتح (١/ ١٧٩).
[ ٤٩ ]
وأما ثالث أشراط الساعة المذكورة في الأحاديث آنفًا؛ فهو انتشارُ الزنا وشيوعُه بين الناس، وهو أمر يكثر - عياذًا بالله – عند غير المسلمين، وهذه الشناعة استقبحتها الأمم طوال تاريخ الإنسانية، وأصبحت الآن تعرض في وسائل التقنية الحديثة، وعمدت بعض الدول إلى تقنينها، وأجازتها قوانينها وتشريعاتها، بل جعلها بعضهم ضربًا من ضروب التجارة والكسب.
ورابع الأشراط التي ذكرها النبي - ﷺ -؛ كثرة الفتن وما يستتبعها من كثرة الهرج الذي هو القتل، وقد أبانه النبي - ﷺ - فقال: «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتِل». (١)
ونجد مصداق هذه النبوءة النبوية في كثرة الحروب والفتن التي يقتل فيها الأبرياء، فلا يدري القاتل من يقتُل، ولا لماذا يقتُل، ومثلُه المقتول. أجارنا الله من الفتن.
وهذا يفسر لنا العلامة الخامسة من علامات النبوة، الواردة في قول النبي - ﷺ -: «وتكثرَ النساء ويقلَ الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد»، فإن الرجال هم وقود الحروب والفتن دون غيرهم.
قال ابن حجر: "قيل سببه أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء والظاهر أنها علامة محضة لا لسبب آخر، بل يُقدِّر الله في آخر الزمان أن يقِلَ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث ". (٢)
وإلى صدق هذه النبوءة وقرب تحققها تشير الإحصاءات العالمية، حيث وصلت نسبة الذكور حسب إحصاءات الأمم المتحدة عام ٢٠٠٢م إلى ٤٨%، وتتوقع دائرة الإحصاءات الأمريكية أن تصل نسبة الذكور عام ٢١٠٠م إلى ٣٨% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يؤكد أن ما أخبر به - ﷺ - في طريقه إلى التحقق.
وأما العلامة السادسة مما يكون بين يدي الساعة فهي تقارب الزمان، فقد قال - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يُقبضَ العلم، وتكثُرَ الزلازل، ويتقاربَ الزمان ..». (٣)
_________________
(١) رواه مسلم ح (٢٩٠٨).
(٢) فتح الباري (١/ ٢١٥).
(٣) رواه البخاري ح (١٠٣٦).
[ ٥٠ ]
وقال: «يتقاربُ الزمان، ويَنقصُ العمل، ويُلقى الشح». (١)
قال التوربشتيُ: "يُحمل ذلك على قلة بركة الزمان، وذهابِ فائدته في كل مكان، أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد وشُغْلِ قلبهم بالفتن العظام؛ لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم". (٢)
وقال الخطابي: "معناه قِصَر زمان الأعمار وقلة البركة فيها .. وقيل: قِصر مدة هذه الأيام والليالي؛ على ما روي أن الزمان يتقارب حتى يكون السنة كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجمعةُ كاليوم، واليومُ كالساعة، والساعةُ كاحتراق السَعَفَة". (٣)
وهكذا فقد حمل العلماء الحديث على ثلاثة معانٍ: قصرُ الأعمار أو ذَهابُ بركتها أو تقاربُ الزمان حقيقة.
فأما المعنيان الأولان فهما مشاهدان بكثرة بين الناس اليوم، وبخاصة ذَهاب بركة العمر، حيث تنقضي السنة، والواحد منا يظنها شهرًا، وينقضي الشهر، ولا نحسبه إلا أسبوعًا.
وأما المعنى الثالث الذي يقضي بتناقص الزمان حقيقة، فلعله يكون قبيل الساعة، حين يختل الكثير مما نعهده من نواميس الكون التي جعلها الله، فتشرقُ الشمس من مغربها، وتتكلمُ السباع، إلى غيره مما هو خارج عن مألوفنا في سنن الله الكونية.
وسابع أشراط الساعة التي تنبأ النبي - ﷺ - أنها تكون؛ كثرةُ الزلازل ونقارب أوقاتها، وهو أمر يعجب المرء لكثرته في هذه الأيام، وهو في ازدياد مستمر، حتى لا يكاد يمضي الشهر إلا وتهتز الأرض هنا أو هناك، فمن الذي أعلم النبي - ﷺ - بهذا الغيب قبل ألف وأربعِ مائةٍ سنة؟ إنه الله علام الغيوب.
وأما ثامن علامات الساعة ودلائل النبوة فهو إخباره عن كثرة الشح بين الناس لقوله - ﷺ -: «ويُلقى الشح».
_________________
(١) رواه البخاري ح (٦٠٣٧)، ومسلم ح (١٥٧).
(٢) تحفة الأحوذي (٦/ ٥١٤).
(٣) عون المعبود (١١/ ٢٢٣).
[ ٥١ ]
قال ابن حجر: " فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم، حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد وجود أصل الشح؛ لأنه لم يزل موجودًا". (١)
وهذا كله قد كثر في أهل الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وروى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثُر المال، ويفيضَ حتى يَخرجَ الرجلُ بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعودَ أرض العرب مروجًا وأنهارًا». (٢)
ولما سبق الحديث عن كثرة المال فإنا نتحدث هنا عن عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، فالبشارة النبوية تضمنت خبرين: أولُهما: أن أرضَ العرب - أي جزيرة العرب - كانت مروجًا وأنهارًا، أي كانت خضراءَ كثيرةَ المياه، والثاني: أنها ستعود كذلك قبل قيام الساعة.
ومن المعلوم أن جزيرة العرب تنعدم الأنهار فيها اليوم، وتقل المساحات الخضراء في ربوعها، بينما يخبر الحديث أنها كانت وسترجع إلى غير هذه الحال.
وحين تحدث القرآن عن قوم نبي الله هود، قومِ عاد الذين عاشوا في جنوب جزيرة العرب وقريبًا من صحراء الربع الخالي، قال ممتنًا عليهم: ﴿واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون - أمدكم بأنعام وبنين - وجنات وعيون﴾ (الشعراء: ١٣٢ - ١٣٤)، فذكر أن بلادهم المقفرةَ اليومَ كانت مروجًا وبساتين كثيرة المياه.
وليست بلادُ عاد الوحيدةَ من المدائن القديمة التي دفنتها ذرات رمال الصحراء، التي أغرقت بكثبانها الكثير من المدن التي كانت عامرة في غابر الأيام، كمدينة الفاو ومدينة أوبار المكتشفَتين حديثًا في جنوب جزيرة العرب، ومثل هذه المدن لا تُشاد في صحراءَ جرداء، بل في واحة خضراءَ كثيرةِ المياه.
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٢٠).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٥٧).
[ ٥٢ ]
وهذا الخبر نجد مصداقه أيضًا عند علماء الجولوجيا والآثار، حيث يؤكدون أن جزيرة العرب كانت قبل عشرين ألف سنة رقعة خضراء كثيرة المياه والأنهار، وفيها الكثير من أنواع الحيوانات التي تتواجد عادة في المراعي والغابات، كما شهد بذلك ما بقي من آثارهم.
كما أكد صدقَ هذا الخبر النبوي الدكتور هال ماكلور في أطروحته للدكتوراه والتي كانت عن الربع الخالي، فذكر أن البحيراتِ كانت تغطي هذه المنطقة الصحراوية خلال العصور المطيرة التي انقضت قبل ثمانية عشرَ ألفَ سنة. (١)
ووافقه العالم الجيولوجي الألماني الشهير البروفسور الفريد كرونر في مؤتمر علمي أقيم في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية.
وأضاف بأن عود جزيرة العرب إلى تلك الحال مسألة معروفة عند العلماء، وأنها حقيقة من الحقائق العلمية، التي يوشك أن تكون، وقال: هذه حقيقة لا مفر منها.
ولما أُخبِر بقول النبي - ﷺ - «وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» تعجب، وقال: "إن هذا لا يمكن أن يكون إلا بوحي من أعلى" أي من عند الله.
وقال: "أعتقد أنك لو جمعت كل هذه الأشياء، وجمعت كل هذه القضايا التي بسطت في القرآن الكريم والتي تتعلق بالأرض وتكوين الأرض والعلم عامة، يمكنك جوهريًا أن تقول: إن القضايا المعروضة هناك صحيحة بطرق عديدة، ويمكن الآن تاكيدها بوسائل علمية، ويمكن إلى حد ما أن نقول: إن القرآن هو كتاب العلم الميسر للرجل البسيط، وإن كثيرًا من القضايا المعروضة فيه في ذلك الوقت لم يكن من الممكن إثباتها، ولكنك بالوسائل العلمية الحديثة الآن في وضع تستطيع فيه أن تثبت ما قاله محمد - ﷺ - منذ ١٤٠٠ سنة". (٢)
ويحسُن هنا التذكير بما حملته إلينا الأخبار عن تصوير جزيرة العرب من الفضاء، واكتشاف العلماء من خلال هذه الصور أنها تَسبح فوق نهر من المياه الجوفية، يمتد من
_________________
(١) مجلة الإعجاز العلمي، العدد السادس (ص ٣٣).
(٢) إنه الحق، هيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي (ص ٣٤).
[ ٥٣ ]
غرب الجزيرة العربية إلى شرقها، ناحية الكويت، حيث أوضحت الصور أن مساحةً شاسعة من شمال غرب الكويت عبارة عن دلتا لهذا النهر العملاق.
فمن الذي أخبر محمدًا - ﷺ - بحال جزيرة العرب قبل آلاف السنين؟ ومن الذي أنبأه بما سيكون عليه حالها في قابل الأيام؟ إنه وحي الله الذي يشهد له بالرسالة - ﷺ -.
ومن أشراط الساعة الأخرى التي تنبأ النبي - ﷺ - أنها تكون بين يدي الساعة، ونراها تكثر في حياة الناس اليوم قوله - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام». (١)
وقال ابن التين: " أخبر النبي - ﷺ - بهذا تحذيرًا من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نبوته لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذم من جهة التسوية بين الأمرين، وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذمومًا من حيث هو". (٢)
وابتلي المسلمون اليوم بانتشار الربا ودخول معاملاته في شتى صور الحياة الاقتصادية، حتى إنه يصيب بقتامه حتى أولئك الذين ينأون عنه، ليصدق فينا قول النبي - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره». (٣)
قال السندي متحدثًا عن هذه البلية: " هو زماننا هذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وفيه معجزة بينة له صلى الله تعالى عليه وسلم". (٤)
وهو في زماننا أظهر وأبين، فقد أضحت البنوك الربوية ملاذًا يحفظ الناس فيه من الضياع أموالهم، بل ينالون منها رواتبهم وحقوقهم، وعن طريقها يدفعون أثمان بضائعهم وغيره، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروى الإمام أحمد أمرًا آخرَ تنبأ النبي - ﷺ - بأنه يكون في آخر الزمان، ونراه يكثر في أيامنا، ألا وهو أن يخص المرء بسلامه معارِفَه دون بقية المسلمين، فعن عبد الله بن مسعود
_________________
(١) رواه البخاري ح (٢٠٥٩).
(٢) فتح الباري (٤/ ٣٤٧).
(٣) رواه النسائي ح (٤٣٧٩)، وأبو داود ح (٢٨٩٣)، وابن ماجه ح (٢٢٧٨).
(٤) حاشية السندي على النسائي (٧/ ٢٤٣).
[ ٥٤ ]
- ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن من أشراط الساعة أن يسلّم الرجل على الرجل، لا يُسلم عليه إلا للمعرفة». (١)
وفي رواية أخرى أنه - ﷺ - قال: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفُشُوَّ التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم». (٢)
وهكذا فإخبار النبي - ﷺ - عما يصنعه اليوم كثير من الناس، وهو تسليم المرء على خاصته من أقرباء وأصدقاء دون بقية المسلمين الذين لا يعرفهم، هذا الإخبار منه - ﷺ - علامة على نبوته، لأنه إخبار بغيب لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه.
وقد تضمن الحديث السالف أمورًا أخرى كثرت في دنيا الناس، وبخاصة قطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان الحق.
كما ذكر الحديث أمرًا عجبًا حين أخبر عن فشو التجارة ومشاركة المرأة زوجها فيها، وهو ما يكثر في زماننا.
وأعجب منه قوله - ﷺ -: «وظهور القلم»، أي تعلم الناس الكتابة، وهو أمر لم يتحقق إلا في هذا القرن، حيث تراجعت نِسب الأمية بين شعوب العالم، وهي في طريقها إلى الزوال، وبخاصة مع تيسر سبل التعليم وتقدم وسائط الاتصالات.
والسؤال، كيف عرف النبي - ﷺ - قبل أربعة عشر قرنًا أن الكتابة تفشو بين الناس، لقد أنبأ به في عصر كان عدد الكتبة فيه لا يكاد يتجاوز الألف. إنه عَلم آخر من أعلام النبوة.
ومن براهين النبوة المتعلقة بأشراط الساعة قوله - ﷺ -: «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد». (٣)
_________________
(١) رواه أحمد ح (٣٨٣٨)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
(٢) رواه أحمد ح (٣٨٦٠)، والبخاري في الأدب المفرد ح (١٠٤٩)، وصححه الحاكم (٤/ ١١٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٦٤٧).
(٣) رواه النسائي ح (٦٨٩)، وأبو داود ح (٤٤٩)، وابن ماجه ح (٧٣٩)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (٤٣٢).
[ ٥٥ ]
قال أنس: (يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا).
ولما تيقن ابن عباس بتحقق هذا الخبر النبوي قال: (لتزخرفُنها كما زخرفت اليهود والنصارى). (١)
قال ابن رسلان: "هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره - ﷺ - عما سيقع بعده، فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس". (٢)
ومن هذه الأخبار العجيبة الباهرة إخباره - ﷺ - بتطاول الناس في البنيان، قال هذا في وقت ما عرف الناس فيه شاهق البنيان، ففي صحيح مسلم أن جبريل سأل النبي - ﷺ - عن أمارات الساعة، فقال - ﷺ -: «أن تلد الأَمَة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالةَ رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان». (٣)
قال النووي: "معناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان". (٤)
وقد تحقق هذا في زماننا، فتقدم العلم، وكثر المال، وارتفع - بفضل الله - البنيان، ووصل الأمر بالناس إلى التفاخر فيه، وأغدق الله من فضله وجوده على بلاد كانت تشكو الفقر، فأضحت - بفضل الله - أغنى بلاد الدنيا، فتطاول أهلها مع غيرهم في البنيان، وهو مصداق ما أنبأ عنه - ﷺ -.
ومما أخبر - ﷺ - أنه يكون قبيل الساعة، وتحقق في زماننا؛ استغناء الناس عن ركوب الدواب، التي استبدلوها بما أنتجته التقنية الحديثة من السيارات والطائرات وغيرها من وسائل الانتقال، وهو أمر حديث أشار إليه القرآن بقوله: ﴿والخيل والبغال والحمير
_________________
(١) الخبران ذكرهما البخاري معلقين في باب "بنيان المساجد".
(٢) عون المعبود (٢/ ٨٤).
(٣) رواه مسلم ح (٨).
(٤) شرح صحيح مسلم (١/ ١٥٩).
[ ٥٦ ]
لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون﴾ (النحل: ٨) فإذا ما خلق الله هذه الوسائل الجديدة تحققت نبوءة رسول الله - ﷺ -: «ولتُتركن القِلاص فلا يُسعى عليها». (١)
وذكر النبي - ﷺ - في حديث آخر بعض صفات المركوبات التي سيستحدثها الناس وبعض ما سيرافقها من المنكرات فقال: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المسجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهم كأسنمة البخت العجاف». (٢)
وأخبر النبي - ﷺ - عن بعض الشرور التي تصيب أمته بين يدي الساعة، ونرى كثيرًا منها بين المسلمين اليوم، ومنها أنّا نرى في بعض بلاد المسلمين من يقرأ القرآن في المآتم وعلى القبور أو على أبواب المساجد، يرجو من ذلك المال أو الشهرة، لا الأجر والثواب، بل إن بعضهم يقرأ بحسب ما يعطى من المال، وهذا مصداق لما أخبر النبي - ﷺ - عنه حين قال: «من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس». (٣)
وفي رواية البيهقي: «فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرأ لله ﷿». (٤)
والناظر في أحوال الكثيرين من شباب وفتيات المسلمين يسوؤه ما يراه من تقليد للآخرين في زيهم وشاراتهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل وقصات شعورهم، فقد صدق فيهم قول النبي - ﷺ -: «لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبراَ شبراَ، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟». (٥)
_________________
(١) رواه مسلم ح (٢٥٥).
(٢) رواه أحمد ح (٧٠٤٣).
(٣) رواه الترمذي ح (٢٩١٧)، وأحمد ح (١٩٣٨٤).
(٤) رواه البيهقي في شعب الإيمان ح (٢٦٣٠).
(٥) رواه البخاري ح (٧٣٢٠)، ومسلم ح (٢٦٦٩).
[ ٥٧ ]
قال النووي: "السَنَن بفتح السين والنون، وهو الطريق، والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ - ". (١)
وأما ما ينتشر بين المسلمات من تبرج وتكشف في جلابيبهن وملابسهن التي أضحت صورة من صور الغواية لا الستر؛ فهذا تحقيق لما أخبر عنه النبي - ﷺ - بقوله: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». (٢)
ومعنى قوله - ﷺ -: «رؤوسهن كأسنمة البخت» كما نقل النووي: "يعظمن رؤوسهن بالخمُر والعمائم وغيرها مما يلفّ على الرأس، حتى تشبه أسنمة الإبل". (٣)
قال النووي: "هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -، فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة، أما الكاسيات ففيه أوجه [منها أن المرأة] تكشف شيئًا من بدنها إظهارًا لجمالها، فهن كاسيات عاريات يلبسن ثيابًا رقاقًا تصِف ما تحتها، كاسيات [في الصورة، لكنهن] عاريات في المعنى". (٤)
ولئن كان بعض هذا في زمن النووي ﵀؛ فإنه في عصرنا أظهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
ومما يكون بين يدي الساعة أيضًا ضياع الأمانة بين الناس، وهو ما تنبأ به النبي - ﷺ - حين جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟
يقول أبو هريرة - ﵁ -: فمضى رسول الله - ﷺ - يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى - ﷺ - حديثه قال: «أين أراه السائل عن الساعة؟» قال: ها أنا يا رسول الله.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) رواه مسلم ح (٢١٢٨).
(٣) شرح صحيح مسلم (١٧/ ١٩٠ - ١٩١).
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ١٩٠)، وانظر فيض القدير، للمناوي (٤/ ٢٠٨).
[ ٥٨ ]
فقال - ﷺ -: «فإذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». (١)
قال ابن بطال في معناه: "أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلَّدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها". (٢)
فمن ضياع الأمانة في آخر الزمان أن تسند المسؤوليات لا إلى أربابها من أصحاب الكفاءات، بل إلى ما يملكه المرء من معارف وأموال يسترضي بها الآخرين.
وما تزال الأمانة تقل بين الناس حتى يأتي عليهم زمان تنقلب فيه الموازين، وترفع فيه الأمانة «فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان». (٣)
وتعاني أمة الإسلام حالة غريبة من التشرذم والضعف، وأصبحت بلادها كلأً مستباحًا للقاصي والداني، ولم يشفع لها أنها جاوزت المليار والربع من المسلمين، فهم غثاء كغثاء السيل، فصدق فيهم حديث النبي - ﷺ -: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». (٤) إنه نبوءة من لا ينطق عن الهوى، وهو علم آخر من أعلام نبوته - ﷺ - ورسالته.
وهكذا فإن وقوع ما أخبر النبي - ﷺ - بعد مضي هذه القرون من تنبئه بهذه الأحداث وتلك المظاهر، لبرهان صدق ودليل حق على نبوة النبي - ﷺ -.
_________________
(١) رواه البخاري ح (٦٤٩٦).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٤٢).
(٣) رواه البخاري ح (٧٠٨٦).
(٤) رواه أبو داود ح (٣٧٤٥)، وأحمد ح (٢١٣٦٣)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٥٣٦٩).
[ ٥٩ ]