وإن من أعظم دلائل النبوة ما يؤتيه الله أنبياءه من خوارق العادات التي يعجز عن فعلها سائر الناس، وتمكينهم من هذه الخوارق إنما هو بتكريم وتأييد من الله، وهو دليل رضا الله وتأييدِه لهذا الذي أكرمه الله بالنبوة أو الرسالة، ولا يمكن أن يؤيد الله بعونه وتوفيقه من يدعي الكذب عليه ويُضل الناسَ باسمه.
ومن هذه المعجزات التي أوتيها الأنبياء والمرسلون؛ حبس الله الشمس عن الغروب لنبيه يوشع بن نون، قال - ﷺ -: «غزا نبي من الأنبياء .. فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنتِ مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ شيئًا، فحبست عليه حتى فتح الله عليه». (١) لقد خرق الله سنته في جريان الشمس إكرامًا لنبي الله يوشع، واستجابة لدعائه لله.
وبمثله أيد الله موسى ﵇، فقد شقّ الله له البحر لما ضربه بعصاه، فصار طرقًا ممهدة يمشي بنو إسرائيل عليها في دعة وسكينة.
وبمثله أيضًا أيد الله نبيه وخاتم رسله، فصنع الله بيديه باهر المعجزات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان يأتيهم بالآيات الدالة على نبوته - ﷺ -، ومعجزاته تزيد على ألف معجزة". (٢)
وقال ابن القيم بعد أن ذكر معجزات موسى وعيسى ﵉: "وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين، مع بُعد العهد وتشتت شمل أمّتيْهما في الأرض، وانقطاع معجزاتهما، فما الظن بنبوة محمد - ﷺ -، ومعجزاتُه وآياتُه تزيد على الألف والعهد بها قريب، وناقلوها أصدقُ الخلق وأبرُّهم، ونقلُها ثابت بالتواتر قرنًا بعد قرن؟ ". (٣)
لقد أيد الله نبيه محمدًا - ﷺ - بالمعجزات الدالة على نبوته، ورأى مشركو مكة الكثير منها، لكنهم لم يؤمنوا، ولم يذعنوا للحق، بل طلبوا على سبيل العناد والاستكبار المزيد
_________________
(١) رواه البخاري ح (٣١٢٤)، ومسلم ح (١٧٤٧).
(٢) الجواب الصحيح (١/ ٣٩٩).
(٣) إغاثة اللهفان (٢/ ٣٤٧).
[ ٦٠ ]
من الآيات ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا - أو تكون لك جنةٌ من نخيلٍ وعنبٍ فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا - أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا - أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا﴾ (الإسراء:٩٠ - ٩٣).
وحتى يقيم الله حجته على قريش؛ فإنه آتى نبيه - ﷺ - معجزة من جنس ما طلبوه على سبيل التعجيز، ألا وهي انشقاق القمر، وهو حدث عظيم لا يقع إلا بتقدير العزيز العليم.
فقد روى الشيخان وغيرهما من حديث ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله - ﷺ -: «اشهدوا». (١)
قال الخطابي: "انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجًا من جبلة طباع ما في هذا العالم، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر". (٢)
قال ابن كثير بعد أن ساق روايات عدة لحادثة انشقاق القمر: "فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده، مع وروده في الكتاب العزيز .. والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء، بل انفرق باثنتين، وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والأخرى من الناحية الأخرى، وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السماء، وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شيء سُحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين، فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه". (٣)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٤٨٦٤)، ومسلم ح (٢٨٠٠).
(٢) انظر: فتح الباري (٧/ ٢٢٤).
(٣) البداية والنهاية (٨/ ٥٦٤).
[ ٦١ ]
وهذا الذي حكاه الله بقوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر - وإن يروا آيةً يعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمر - وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمرٍ مستقر﴾ (القمر: ١ - ٣)، فلم يكذبوا رؤيتهم للقمر منشقًا، ولم يجدوا أمام هذه الآية الباهرة إلا أن يتهموا نبي الله - ﷺ - بالسحر.
واليوم في عصر العلم والمعرفة تتجدد هذه الآية العظيمة، فقد نشرت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا في موقعها على شبكة الإنترنت صورة للقمر، وقد اخترطه خط طويل من أقصاه إلى أقصاه، ويعتقد العلماء أنه أثر لانشقاق حصل في القمر قديمًا ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣).
ومن خوارق العادات المعجزة التي آتاها الله نبيه - ﷺ - ما أعطاه من استجابة الجماد لأمره، والمعهود فيه خلاف ذلك، فقد أتى النبيَ - ﷺ - رجلٌ من بني عامر، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ألا أريك آية؟» قال: بلى. فنظر إلى نخلة، فقال العامري للنبي - ﷺ -: ادع ذلك العِذق!
قال: فدعاه، فجاء ينقز حتى قام بين يديه، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ارجع» فرجع إلى مكانه.
فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيتُ كاليوم رجلًا أسحر.
وفي رواية لابن حبان أن العامري قال: "والله لا أكذبك بشيء تقوله أبدًا"، ثم قال: "يا آل عامر ابن صعصعة، والله لا أكذبه بشيء يقوله". (١)
إن تحرك الشجرة من مكانها وذهابها ومجيئها لهوَ آية معجزة وبرهان دامغ على صدقه ونبوته - ﷺ -.
ويروي الإمام مسلم نحو هذه المعجزة من حديث جابر بن عبد الله ﵄، يقول: سِرنا مع رسول الله - ﷺ - حتى نزلنا واديًا أفْيَح [أي واسعًا] فذهب رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) رواه أحمد ح (١٩٥٤)، وابن حبان ح (٢١١١).
[ ٦٢ ]
يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله - ﷺ -، فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي.
فانطلق رسول الله - ﷺ - إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: «انقادي عليَّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش [المربوط بالحبل] الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: «انقادي علي بإذن الله» فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما؛ لأم بينهما - يعني جمعهما - فقال: «التئما عليّ بإذن الله» فالتأمتا.
ثم يمضي جابر في حديثه ويخبرنا بعود الشجرتين إلى حالهما بعد قضاء النبي - ﷺ - حاجته، يقول: فإذا أنا برسول الله - ﷺ - مقبلًا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق". (١)
قال الإمام أحمد: "في الحديث آيات من دلائل نبوة النبي - ﷺ - منها: انقلاع الشجرتين واجتماعهما، ثم افتراقهما". (٢)
وفي جنبات مكة ثبّت الله قلب حبيبه - ﷺ - في مواجهة المحن بآية من هذا الجنس، فقد جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله - ﷺ -، وهو حزين قد خضب وجهه بالدماء، قد ضربه بعض أهل مكة، فقال: مالك؟ فقال: «فعل بي هؤلاء، وفعلوا» فقال جبريل: أتحب أن أريك آية؟ قال: «نعم أرني».
فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: قل لها: فلترجع، فقال لها، فرجعت، حتى عادت إلى مكانها، فقال رسول الله - ﷺ -: «حَسْبي». (٣) إنه دليل آخر من براهين نبوته - ﷺ -.
ومن معجزات الأنبياء ما أعطاه اللهُ داودَ ﵇، ذلك النبي الأواب الذي كان يسبح الله، فتجيبه الجبال الرواسي والطيور مسبحة الله تعالى معه ﴿وسخرنا مع داود
_________________
(١) رواه مسلم ح (٣٠١٢).
(٢) دلائل النبوة لأبي القاسم الأصبهاني (١/ ٥٦).
(٣) رواه ابن ماجه ح (٤٠٢٨)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٣٢٧٠).
[ ٦٣ ]
الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين﴾ (الأنبياء: ٧٩). ﴿ولقد آتينا داود منا فضلًا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد﴾ (سبأ: ١٠).
وبمثل هذه المعجزة العظيمة أيد الله نبيه محمدًا - ﷺ -، فسبح للهِ بين يديه الجمادُ، وشهد له بالنبوة والرسالة.
يقول ابن مسعود - ﵁ -: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل. (١) أي بين يدي النبي - ﷺ -.
ويقول أبو ذر - ﵁ -: إني شاهد عند النبي - ﷺ - في حَلْقَة، وفي يده حصى، فسبّحنَ في يده. وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فسمع تسبيحَهن مَنْ في الحَلْقَة، ثم دفعهن النبي - ﷺ - إلى أبي بكر، فسبحن مع أبي بكر، سمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن إلى النبي - ﷺ - فسبَّحنَ في يده، ثم دفعهنّ النبي - ﷺ - إلى عمر، فسبحن في يده، وسمع تسبيحهنّ مَنْ في الحلقة، ثم دفعهن النبي - ﷺ - إلى عثمان بن عفان، فسبّحن في يده، ثم دفعهنَّ إلينا، فلم يسبّحن مع أحدٍ منا. (٢)
ويقارن ابن كثير بين هذه المعجزة ومعجزة أخيه نبي الله داود ﵉، فيقول: "ولا شك أن صدور التسبيح من الحصى الصغار الصمّ التي لا تجاويف فيها؛ أعجب من صدور ذلك من الجبال؛ لما فيها من التجاويف والكهوف، فإنها وما شاكلَها تردِّدُ صدى الأصوات العالية غالبًا .. ولكن من غير تسبيح؛ فإن ذلك [أي تِردادَها بالتسبيح] من معجزات داود ﵇، ومع هذا كان تسبيح الحصى في كف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان أعجب". (٣)
وصدق الشاعر إذ يقول:
لئن سبَّحتْ صمُّ الجبال مجيبة لداود أو لان الحديدُ المصفَّح
_________________
(١) رواه البخاري ح (٣٥٧٩).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط ح (١٢٤٤)، والبزار ح (٤٠٤٠)، وقال الهيثمي: "وله طرق أحسن من هذا في علامات النبوة، وإسناده صحيح". مجمع الزوائد (٥/ ٣٢٧)، وصححه الألباني في تخريج كتاب "السنة" ح (١١٤٦).
(٣) البداية والنهاية (٦/ ٢٨٦).
[ ٦٤ ]
فإن الصخور الصم لانَتْ بكفه وإن الحصا في كفه ليُسبِّحُ
وإن من معجزاته - ﷺ - العظيمة نطقُ الجمادات بين يديه، فالجمادات لا تعقل ولا تنطق، فإذا أنطقها الله بتصديقه، فهو دليل رضاهُ عن النبي في قوله بنبوة نفسه وتصديقه حين قال بإرسال الله إياه.
وقد بدئ - ﷺ - بآية من هذا النوع قبل نبوته، فكان الحجر يسلم عليه، يقول رسول الله - ﷺ -: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن». (١)
قال النووي: "فيه معجزة لرسول الله - ﷺ - ". (٢)
وبعد البعثة رأى الصحابة ذلك، يقول علي - ﵁ -: (كنا مع رسول الله - ﷺ - بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله). (٣)
ولم تتوقف هذه الآيات والمعجزات عند السلام عليه - ﷺ - والتسبيح بين يديه وأيدي أصحابه، بل أنطقها الله بالشهادة له - ﷺ - بالنبوة والرسالة.
يقول ابن عمر ﵄: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله - ﷺ -: «أين تريد؟» قال: إلى أهلي، قال: «هل لك في خير؟» قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله».
قال الأعرابي: ومن يشهد على ما تقول؟ فأشار النبي إلى شجرة، وقال: «هذه السلَمَة»، فدعاها رسول الله - ﷺ - وهي بشاطئ الوادي، فأقبلَتْ تَخُدُّ الأرض خدًا حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا، فشهدت ثلاثًا أنه كما قال.
ثم رجعت إلى مَنبَتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وهو يقول للنبي - ﷺ -: إن اتبعوني أتيتُكَ بهم، وإلا رجعتُ فكنتُ معك. (٤)
_________________
(١) رواه مسلم ح (٢٢٧٧).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٣٦).
(٣) رواه الترمذي ح (٣٦٢٦)، والحاكم (٢/ ٦٧٧)، وصححه، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى ح (٥٦٦٢)، وقد صححه الألباني لغير هذا الإسناد في صحيح الترغيب ح (١٢٠٩).
(٤) رواه الدارمي ح (١٦)، وصححه ابن حبان ح (٥١٩)، والألباني في مشكاة المصابيح ح (٥٨٦٨).
[ ٦٥ ]
ومن عظيم خوارق العادات التي أوتيها النبي - ﷺ - حنين الجذع التي كان يخطب عليها في يوم الجمعة، وهي قصة مشهورة شهدها الكثير من أصحاب النبي - ﷺ -، يقصها علينا جابر بن عبد الله ﵄، فيقول: كان النبي - ﷺ - يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: «إن شئتم». فجعلوا له منبرًا.
فلما كان يوم الجمعة خرج إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي - ﷺ -، فضمها إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسكَّن، قال جابر: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها. (١)
قال ابن حجر: "إن حنين الجذع وانشقاق القمر نُقل كلٌ منهما نقلًا مستفيضًا، يفيد القطع عند من يطَّلع على طرق ذلك من أئمة الحديث ". (٢)
قال البيهقي: "قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف". (٣) أي لشهرتها وذيوع أمرها.
قال الشافعي: ما أعطى الله نبيًا ما أعطى محمدًا، فقال له عمرو بن سواد: أعطى عيسى إحياء الموتى! قال: أعطى محمدًا حنينَ الجِذعِ حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك". (٤)
قال ابن كثير: "وإنما قال: فهذا أكبر منه؛ لأن الجذع ليس محلًا للحياة، ومع هذا حصل له شعور ووجد لما تحوّل عنه إلى المنبر، فأَنَّ وحنَّ حنين العِشار [أي الناقة الحامل]، حتى نزل إليه رسول الله - ﷺ -، فاحتضنه .. ". (٥)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٣٥٨٤).
(٢) فتح الباري (٦/ ٦٨٥).
(٣) فتح الباري (٦/ ٦٩٨).
(٤) فتح الباري (٦/ ٦٩٨).
(٥) انظر: البداية والنهاية (٦/ ٢٧٦).
[ ٦٦ ]