وإن من دلائل نبوته وأمارات صدقه - ﷺ - ما رأينا من تعبده لله تعالى وخشيته منه، ولو كان دعيًا لما تعبد لله، ولما أتعب نفسه، ولا ألزمها ضروب العبادة التي قرحت رجليه، بل لكان صنع ما يصنعه سائر الأدعياء من مقارفة الشهوات واستحلال المحرمات، فكل ما اشتهى الدعي أمرًا صيره دينًا وشرعة.
ومن ذلك ما فعله مسيلمة الكذاب، فقد أحل لأتباعه الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، فتكاليف الشريعة لا يطيقها الأدعياء، لذا سرعان ما يتخلصون منها.
أما النبي - ﷺ - فكان أعبدَ الناس لله وأخوفَهم منه بما عرف من عظمته وقوته، يقول ﵊: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي». (٢)
وشواهد خوف النبي - ﷺ - من الله وتعبده لله كثيرة، منها أن صاحبه أبا بكر رأى شيبًا في شعره، فقال: يا رسول الله قد شِبت؟ فقال - ﷺ -: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت». (٣)
قال الطيبي: "وذلك لما في هذه السور من أهوال يوم القيامة والمَثُلات النوازل بالأمم الماضية: أخذ مني مأخذه، حتى شبتُ قبل أوانه". (٤) فالذي شيب رسول الله ما قرأه في هذه السور من الأهوال التي يرهبها الأتقياء العارفون بربهم، الذين قدروه حق قدره.
وتصف أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وجَلَه - ﷺ - من ربه، فتقول: ما رأيت رسول الله - ﷺ - مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواتِه، وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف
_________________
(١) رواه أحمد ح (٧١٢٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (١٠٠٢).
(٢) رواه مسلم ح (١٨٦٨).
(٣) رواه الترمذي ح (٣٢٩٧)، وصححه الألباني ح (٢٦٢٧)
(٤) تحفة الأحوذي (٩/ ١٣١).
[ ١٤٤ ]
ذلك في وجهه. فقلت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَه عُرف في وجهك الكراهية! فقال - ﷺ -: «يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ (الأحقاف: ٢٤»). (١)
وذات ليلة يرى النبي - ﷺ - في منامه أخبار الفتن وهو في بيت أم سلمة، فيأمر أن تستيقظ نساؤه، وأن يقُمن لقيام الليل فزعًا وتعوذًا مما يأتي من الفتن، تقول أم سلمة: فاستيقظ رسول الله - ﷺ - فزِعًا، يقول: «سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات، يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة». (٢)
وفي ليلة أخرى رآه بعض أزواجه وهو يتلوى في آخر الليل على فراشه، لا يجد الكرى إلى عينيه سبيلًا، فما الذي أرَّقه - ﷺ -؟
يجيبنا عبد الله بن عمرو، فيقول: كان رسول الله - ﷺ - نائمًا، فوجد تمرة تحت جنبه، فأخذها فأكلها، ثم جعل يتضور من آخر الليل، وفزع لذلك بعض أزواجه فقال: «إني وجدت تمرة تحت جنبي، فأكلتُها، فخشيتُ أن تكون من تمر الصدقة». (٣) إن الذي أرَّقَ النبي - ﷺ - خوَّفَه أن تكون التمرة التي أكلها من تمر الصدقة التي لا تحل له.
وأما عبادة النبي - ﷺ - لربه، فهي شاهد لا مراء في صدقه، فهي مما لا يصدر عن دعي يكذب على الله ويضل الناس باسمه، وحاشاه - ﷺ - أن يكون دعيًا، فما من دعي يكذب على ربه ثم يجهد نفسه بالعبادة له.
تروي لنا أم المؤمنين عائشة ﵂ حال النبي - ﷺ - في ليله، فتقول: كان النبي - ﷺ - يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلتُ له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال - ﷺ -: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». (٤)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٤٨٢٩)، ومسلم ح (٨٩٩).
(٢) رواه البخاري ح (١٠٥٨).
(٣) رواه أحمد ح (١١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٢٠١).
(٤) رواه البخاري ح (٤٨٢٧)، ومسلم ح (٢٨٢٠).
[ ١٤٥ ]
وتصف عائشة ﵂ صفة صلاته - ﷺ -، فتقول: (كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدرَ ما يقرأ أحدُكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة). (١)
ويصف عليٌّ - ﵁ - حاله - ﷺ - في يوم بدر حين تعب الصحابة وأسلموا أعينهم للنوم، فيقول: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله - ﷺ - تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح). (٢)
وتكرر بكاؤه - ﷺ - وهو يتضرع بين يدي ربه ومولاه عارفًا قدرَه وراجيًا فضله، يقول عبد الله بن الشِّخِّير - ﵁ - قال: (أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجَل [أي القِدر] من البكاء). (٣)
لقد كان - ﷺ - كما وصفه ربه ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه﴾ (المزمل:٢٠)، فهل سمعت الدنيا عن مدع للنبوة يقوم نصف ليله يتضرع لربه ويبكي بين يديه.
وأما صومه - ﷺ -، فكان يداوم على صيام يومي الإثنين والخميس تقربًا إلى ربه وابتغاء رضاه، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «تُعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحِبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم». (٤)
ولم يكن صيامه هذا فحسب، بل كان - ﷺ - يصوم الأيام المتتابعة، يقول أنس - ﵁ -: (كان رسول الله - ﷺ - يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه شيئًا، ويصوم حتى نظن
_________________
(١) رواه البخاري ح (١١٢٣)، ومسلم ح (٧٢٤)،
(٢) رواه أحمد ح (١٠٦٢).
(٣) رواه النسائي ح (١١٩٩)، وأبو داود ح (٧٦٩)، وأحمد ح (١٥٧٢٢)، واللفظ له، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (١٠٠٠).
(٤) رواه الترمذي ح (٦٧٨)، وابن ماجه ح (١٧٣٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (١٠٤١).
[ ١٤٦ ]
أن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تَشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيتَه). (١)
وما كان - ﷺ - يُفوِّتُ على نفسه أجر الصوم في أيام الصيف الهواجر، يبتغي في ذلك المحبة من ربه والزلفى إليه، يقول صاحبه أبو الدرداء - ﵁ -: (كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما منا صائم إلا رسولُ الله - ﷺ - وعبدُ الله بنُ رواحة). (٢)
وبقي هذا حاله، لم يتوانَ عن عبادة ربه، حتى لبى نداء ربه، وهو في كل ذلك يمتثل: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (الحجر: ٩٩)، ولو كان دَعِيًّا لأراح نفسه وأحبابه من جهد القيام في الليل وتفطُرِ الأقدام، ومن الصيام في الهواجر، لكن هيهات، كيف يريح نفسه وربه يأمره: ﴿فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب﴾؟ (الشرح: ٧ - ٨).
_________________
(١) رواه البخاري ح (١١٤١)، ومسلم ح (١١٥٨).
(٢) رواه أحمد ح (٢٠٧٠٧).
[ ١٤٧ ]