ولقائل أن يقول: إن كثيرين قد يزهدون بالمال في سبيل الرفعة عند الناس، فما أعظمها من لذة أن يشير الناس إليه ببنانهم، وأن يستبقوا إلى إجلال الزاهد وخدمته، فيكون له في ذلك ما يدعوه على الصبر على الحرمان والفاقة.
وهذا كله صحيح، فتلك نفوس رتعت بالكبر، وأحبت من الدنيا العلو فيها.
أما النبي - ﷺ - فقد جمع إلى الزهد التواضع للناس، ولم يمنعه من ذلك جلالة قدره عند الله ورفعة مكانته عند مولاه وعند المسلمين.
ولنفتح هذ االسفر الخالد، ونقرأ فيه ما يحكيه لنا أبو رفاعة، فقد دخل المسجد والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: يا رسول الله، رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه.
قال أبو رفاعة: فأقبل عليّ رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأُتي بكرسي حسِبتُ قوائمَه حديدًا قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ -، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها. (١)
قال النووي: " وفيه تواضع النبي - ﷺ - ورفقه بالمسلمين، وشفقتُه عليهم، وخَفْضُ جناحِه لهم". (٢)
وحين تلاحقه - ﷺ - نظرات الإعجاب من أصحابه، فتنساب على ألسنتهم عبارات الثناء الممزوجة بالحب، حينها كان - ﷺ - ينهاهم عن إطرائه والمبالغة في مدحه، فما فتئ لسانه يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه». (٣)
ودخل عليه رجل فقال: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿». (٤)
_________________
(١) رواه مسلم ح (٨٧٦).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٦٥).
(٣) رواه البخاري ح (٣٤٤٥).
(٤) رواه أحمد ح (١٢١٤١).
[ ١٤١ ]
وحين انطلق الصحابة إلى غزوة بدر، كانوا يتعاقبون، كلُّ ثلاثةِ نفرٍ على بعير، وكان صاحبا النبي - ﷺ - في الركوب عليٌّ وأبو لبابة.
قال ابن مسعود: وكان إذا كانت عُقْبَة النبي - ﷺ -[أي إذا انتهت مرحلة النبي في الركوب] قالا له: اركب حتى نمشي عنك. فيقول لهما - ﷺ -: «ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما». (١)
وحين شرع الصحابة في حفر الخندق لم يركن النبي - ﷺ - إلى منزلته بين أصحابه، ولم يترفع النبي - ﷺ - عن العمل معهم في الحفرِ ونقلِ التراب، يقول البراء بن مالك: كان النبي - ﷺ - ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزِلَنْ سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبَينا (٢)
وكان - ﷺ - يمقت كل مظاهر الكِبْر والتميز عن الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه، فقد كان يكره ذلك ويمنعهم منه، يقول أنس: (ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله - ﷺ -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك). (٣)
ومن كان هذا نعته فجدير أن يبغض وقوف أحد فوق رأسه كما يُفعل للملوك، وهاهو - ﷺ - يصلي في مرض وفاته قاعدًا، وصلى أصحابه وراءه قيامًا ..
يقول جابر: فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: «إن كدتم آنفًا لتفعلون فِعل فارسَ والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا؛ ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا». (٤)
_________________
(١) رواه أحمد ح (٣٧٦٩).
(٢) رواه البخاري ح (٣٠٣٤)، ومسلم (١٨٠٣).
(٣) رواه أحمد ح (١١٩٣٦)، والترمذي ح (٢٧٥٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) رواه مسلم ح (٤١٣).
[ ١٤٢ ]
وكان - ﷺ - يجيب دعوة الداعي، كائنًا ما كان طعامُه، يقول - ﷺ -: (لو دعيتُ إلى كُراع لأجبتُ، ولو أهدي إليّ كُراعٌ لقبِلتُ). (١) والكُراع ما دون كعب الدابة.
قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حُسنِ خلُقِه - ﷺ -، وتواضُعِه وجبرِه لقلوب الناس". (٢)
ورغم ازدحام وقته وشرف منزلته؛ فإنه - ﷺ - ما كان يأنف من كثير مما يأنف منه دهماء الناس، فضلًا عن أكابرهم، فما كان - ﷺ - يجد حرجًا أن يمشي في حاجة الضعفاء ويسعى في قضاء أمورهم، يقول عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله - ﷺ - يكثِر الذكر، ويُقِل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة). (٣)
ويحكي خادمه أنس بن مالك أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة فقال: «يا أم فلان، انظري أيّ السكك شئت حتى أقضيَ لك حاجتَكِ». قال أنس: فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. (٤)
لكن تواضعه - ﷺ - ما كان ليمنع هيبته في صدور الناس وهم يقفون بين يديه - ﷺ -، فقد أتاه رجل، فكلمه، فجعل الرجل ترْعَد فرائصُه، فقال له - ﷺ -: «هون عليك، فإني لست بملكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد» [اللحم المجفف]. (٥)
وتواضعه - ﷺ - ليس خلقًا يتزين به أمام الناس، بل هو خُلَّة شريفة لم تفارقه حتى وهو في بيته وبين أهله، فقد سُئلت عائشة: ما كان - ﷺ - يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)، وفي رواية لأحمد: (كان بشرًا من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلِب شاته، ويخدِمُ نفسَه). (٦)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٥١٧٨).
(٢) فتح الباري (٩/ ١٥٤).
(٣) رواه النسائي ح (١٤١٤)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٥٨٣٣).
(٤) رواه مسلم ح (٤٢٩٣).
(٥) رواه ابن ماجه ح (٣٣١٢)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٢٦٧٧).
(٦) رواه البخاري ح (٦٧٦)، وأحمد ح (٢٥٦٦٢).
[ ١٤٣ ]
ولقد خيره ربه بين أن يكون عبدًا رسولًا أو ملِكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - حكى عن ملك نزل إليه، فقال: يا محمد، أرسلني إليك ربُك قال: أفملِكًا نبيًا يجعلُك أو عبدًا رسولًا؟ فقال جبريل: تواضع لربك يا محمد. فقال ﵊: «بل عبدًا رسولًا». (١)