وإن من دلائل النبوة حمايةُ الله لأنبيائه، وإنجاؤه لمن شاء منهم من أيدي أعدائهم، رغم ما يتربص بهم السفهاءُ من السوء.
ولقد قال نوح ﵇ متحديًا كفارَ قومه: ﴿يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمةً ثم اقضوا إليّ ولا تنظِرون﴾ (يونس:٧١)، فلم يصلوا إليه بسوء لحماية الله له.
ومثله قول أخيه هود - ﷺ -: ﴿قال إني أُشهِد الله واشهدوا أني بريءٌ مما تشركون - من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم﴾ (هود: ٥٤ - ٥٦).
ولما أراد السفهاء قتل إبراهيم ﵇، وألقوه في النار أنجاه الله منها بقدرته وفضله ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين - قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم - وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين﴾ (الأنبياء: ٦٨ - ٧٠).
وكذا كان الحال مع نبينا - ﷺ -، فقد أنجاه الله من المؤامرات التي واجهتْه من لدن بعثتِه ﵊، وقد أخبره الله وأنبأه بسلامتِه من كيدهم وعدوانهم، فقال له: ﴿يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧).
قال ابن كثير: "أي بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظُك وناصرُك ومؤيدُك على أعدائك ومُظفِرُك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل إليك أحدُ منهم بسوء يؤذيك". (١)
تقول عائشة ﵂: كان النبي - ﷺ - يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧)، فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسَه من القبة، فقال لهم: «يا أيها الناس، انصرفوا عني، فقد عصمني الله». (٢)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٤٣).
(٢) رواه الترمذي ح (٣٠٤٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٢٤٨٩).
[ ٩٥ ]
وفي الآية دليلان من دلائل النبوة، أولهما: إخبار الله له بحفظه - ﷺ -، وقد كان.
قال الماوردي: "فمن معجزاتِه: عصمتُه من أعدائه، وهم الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير، وهم على أتم حَنَقٍ عليه، وأشدُّ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسلٌ قاهر، ولهم مخالطٌ ومكاثر، ترمُقُه أبصارُهم شزرًا، وترتد عنه أيديهم ذُعرًا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرًا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليمًا، لم يكْلَم في نفسٍ ولا جسد، وما كان ذاك إلا بعصمةٍ إلهيةٍ وعدَه اللهُ تعالى بها فحققها، حيث يقول: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فعَصَمَه منهم". (١)
والدليل الآخرُ في الآية من دلائل النبوة، يظهر لمن عرف أن النبي - ﷺ - كان مقصودًا بالقتل من أعدائه، فكان الصحابة يحرُسونه خوفًا عليه، فلما نزلت الآية صرفهم عن حراسته، ليقينه بما أنزل الله إليه، ولو كان دعيًا لما غرر بنفسه، ولما عرَّض نفسَه للسوء.
وقد صدق المستشرق بارتلمي هيلر في قوله:"لما وعد الله رسوله بالحفظ بقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، صرف النبي حراسه، والمرء لا يكذب على نفسه، فلو كان لهذا القرآن مصدر غير السماء لأبقى محمد على حراسته". (٢)
قال ابن تيمية مستدلًا لنبوة النبي - ﷺ - بتأييد الله لنبيه وحفظه له ونصره لدينه: "وقد أيده تأييدًا لا يؤيد به إلا الأنبياء، بل لم يؤيَد أحدٌ من الأنبياء كما أُيِّد به، كما أنه بُعث بأفضل الكتب إلى أفضل الأمم بأفضل الشرائع، وجعله سيد ولد آدم - ﷺ -، فلا يعرف قط أحد ادعى النبوة وهو كاذب؛ إلا قطع الله دابره وأذله وأظهر كذبه وفجوره.
وكل من أيده الله من المدعين للنبوة لم يكن إلا صادقًا، كما أيد نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان، بل وأيد شعيبًا وهودًا وصالحًا، فإن سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وهذا هو الواقع، فمن كان لا يعلم ما يفعله الله إلا بالعادة، فهذه عادة الله وسنته يعرف بها ما يصنع، ومن كان يعلم ذلك بمقتضى حكمته؛ فإنه يعلم أنه لا يؤيد من ادعى النبوة وكذب عليه". (٣)
_________________
(١) أعلام النبوة (١٢٧).
(٢) ربحت محمدًا ولم أخسر المسيح، عبد المعطي الدلالاتي ص (١٠٨).
(٣) الجواب الصحيح (١/ ٤١٠).
[ ٩٦ ]
وصور حماية الله لنبيه - ﷺ - كثيرة، منها أن قريشًا اجتمعت في الحِجر، فتعاقدوا باللاتِ والعزى ومناة الثالثةِ الأخرى، لو قد رأينا محمدًا، قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقْه حتى نقتلَه.
فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تبكي، حتى دخلت على رسول الله - ﷺ - فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عَرف نصيبه من دمك.
فقال: «يا بنية، أريني وَضوءًا» فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا. وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل.
فأقبل رسول الله - ﷺ - حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: «شاهت الوجوه» ثم حصَبهم بها، يقول ابن عباس: فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاةً إلا قُتل يوم بدر كافرًا. (١)
الله أكبر، قريشٌ بخُيلائها وكِبْرِها تتعاهد على قتل رجل أعزل، وتقسم على ذلك بآلهتها، ثم لا يقوم منهم واحد لتنفيذ عزمتهم، بل قام - ﷺ - على رؤوسهم يحصِبُهم بالحصى متحديًا عجزهم، مبينًا سِفالَ أمرهم وهوانَه، وكيف لا؟ والله العظيم يؤيده ويقويه، فيقول: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧).
وأما أبو جهل فرعون هذه الأمة فقد رام أيضًا قتل النبي - ﷺ -، حين أقبل يختال ذات يوم في جنبات مكة فقال: هل يعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهرِكم [يعني بالسجود والصلاة]؟ فقيل: نعم.
فقال: واللاتِ والعزى، لئن رأيتُه يفعلُ ذلك لأطأنَّ على رقَبَتِه، أو لأعفِّرنَّ وجهَه في التراب.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند ح (٢٧٥٧) والحاكم في مستدركه (٣/ ١٧٠)، وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٨).
[ ٩٧ ]
فأتى رسولَ الله - ﷺ - وهو يصلي، زعمَ ليطأَ على رقَبَتِه، قال: فما فجِئهم منه إلا وهو ينكُص على عقبيه، ويتقي [أي يحتمي] بيديه.
فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نارٍ وهوْلًا وأجنحة، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو دنا مني لاختطفته الملائكةُ عُضوًا عضوًا». (١)
وهذه معجزة عظيمة رآها عدو الإسلام أبو جهل، فقد رأى أجنحة ملائكة الله وهي تحمي النبي - ﷺ -، وأيقن بأن الله حماه بجنده وعونه، لكن منعه الكِبْرُ وحبُ الزعامة والحرصُ عليها من الإذعان للحق والانقياد له، فحاله وحال غيرِه من المشركين كما قال الله: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (الأنعام: ٣٣).
قال النووي: "ولهذا الحديث أمثلة كثيرة في عصمته - ﷺ - من أبي جهل وغيرِه، ممّن أراد به ضررًا، قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من النّاس﴾ ". (٢)
وكما حمت الملائكة النبي - ﷺ - من أبي جهل، فقد تنزلت لحمايته يوم أُحد، حين أطبق عليه المشركون، وتفرق عنه أصحابه منهزمين، ففي الصحيحين يقول سعدُ بن أبي وقاص - ﵁ -: (رأيت عن يمين رسول الله - ﷺ - وعن شماله يوم أُحدٍ رجُلَين، عليهما ثيابٌ يَيَاض، ما رأيتهما قبلُ ولا بعد). يعني جبريلَ وميكائيلَ ﵉. (٣)
قال النووي: "فيه بيان كرامةِ النبي - ﷺ - على الله تعالى، وإكرامِه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيانُ أن الملائكة تقاتِل، وأن قتالَهم لم يَختصَّ بيوم بدر". (٤)
ولم يتوان المشركون من أقرباء النبي - ﷺ - عن إيذائه والكيد له، ومن ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبى لهبٍ وتب﴾ (المسد: ١)، جاءت أم جميلٍ، امرأةُ عمه أبي لهب إلى النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، إنها امرأة بذيئة، وأخاف أن تؤذيَك، فلو قُمت، قال: «إنها لن تراني».
_________________
(١) رواه مسلم ح (٢٧٩٧).
(٢) شرح مسلم على صحيح النووي (١٧/ ١٤٠).
(٣) رواه البخاري ح (٤٠٥٤)، ومسلم ح (٢٣٠٦).
(٤) شرح صحيح مسلم (١٥/ ٦٦).
[ ٩٨ ]
فجاءت أم جميل، فقالت لأبي بكر: إن صاحبك هجاني! قال: لا، وما يقول الشعر، قالت: أنت عندي مُصَدق، وانصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لم ترَك؟! قال: «لا، لم يزل ملك يسترني عنها بجناحه». (١)
وكذا أرادت قريش أن تقتل النبي - ﷺ - مرارًا قبل هجرته، لكن الله نجاه منهم وحماه، فلما عزم النبي - ﷺ - على الخروج من مكة مهاجرًا، رصدوا له على باب بيته، فخرج ﵊ من بينهم، وقد أعمى الله أبصارهم عنه، فلم يروه حال خروجه. (٢)
وفي هذا يقول سبحانه: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (الأنفال:٣٠)، لقد رد الله مكرهم في نحورهم، ونجى نبيه ﵊.
وخرج - ﷺ - من مكة مستخفيًا تحوطه عناية الله، حتى وصل وصاحبُه إلى غار ثور، واختبآ فيه عن أعين المشركين الذين جدّوا بالبحث عنه حتى وصلوا إلى الغار، ووقفوا ببابه، وظن أبو بكر - ﵁ - الهلكة، فقال للنبي - ﷺ -: لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا، فأجابه النبي - ﷺ - بلسان الواثقِ من ربه، المتوكل عليه، العالمِِ بأنه لا يسْلمه إلى مرام أعدائه: «ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثُهما؟». (٣)
نعم فالله معه ينصره ويحميه ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنودٍ لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم﴾ (التوبة:٤٠).
وهكذا نجّى النبي - ﷺ - من بين أيديهم، واتجه صوب المدينة المنورة من جديد، تحوطُه رعاية الله، وتكلؤه عنايته.
_________________
(١) رواه أبو يعلى في مسنده ح (٢٣٥٨)، والبزار ح (٢٢٩٤)، وصححه ابن حبان ح (٦٥١١).
(٢) انظر الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام، للسهيلي (٤/ ١٧٨).
(٣) رواه البخاري ح (٣٦٥٣)، ومسلم ح (٢٣٨١).
[ ٩٩ ]
أما قريش فلم تستسلم، ولم تفتر عزيمتُها في محاولة قتلِ النبي - ﷺ - والنيلِ منه، فأرسلوا إلى قبائل العرب يضعون لهم الجوائز إن همُ قتلوا النبيَ - ﷺ - وصاحبَه، لكنهما كانا يسيران في حفظ الله ورعايته.
وجاز النبي قُديدًا، فأدركه سراقة بن مالك، يقول الصديق - ﵁ -: وتبِعنا سراقة بن مالك، ونحن في جَلَدٍ من الأرض [أي في أرض صلبة]، فقلت: أُتينا يا رسول الله، فقال: «لا تحزن، إن الله معنا» فدعا عليه رسول الله - ﷺ -، فارتطمت فرسه إلى بطنها.
وفي رواية للبخاري يروي سراقة الخبر فيقول: (حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - ﷺ - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات - ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخَرَرت عنها، ثم زجرتُها فنهضتْ، فلم تكَد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثَرِ يديها عُثانٌ ساطع في السماء مثل الدخان ). (١)
فقال سراقة: (إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوَا لي، فاللهَ لكما أن أرُدّ عنكما الطلب، فدعا - ﷺ - اللهَ فنجا، فرجع لا يلقى أحدًا من الطَلَب إلا قال: قد كُفيتكم ما ها هنا، فلا يلقى أحدًا إلا ردّه). (٢)
قالَ أنس: (فكان أوَّل النهار جاهدًا على نبي اللَّه - ﷺ -، وكان آخرَ النهار مَسْلَحةً له). (٣)
فكان إنجاء الله نبيه من بين يدي سراقة سببًا في إسلامه وذوده عن النبي - ﷺ -، فقال - ﵁ - وهو يخاطب أبا جهل:
أبا حكمٍ والله لو كنتَ شاهدًا لأمر جوادي إذ تسوخُ قوائمه
علمتَ ولم تَشْكُك بأن محمدًا رسولٌ ببرهانٍ فمن ذا يقاومه (٤)
ولما رجع مشركو مكة من بدر مدحورين - بقوة الله -، أقبل عمير بن وهب حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحِجِر، فقال صفوان: قبَّح اللهُ العيش بعد قتلى بدر.
_________________
(١) رواه البخاري ح (٣٩٠٦).
(٢) رواه البخاري ح (٣٦١٥)، ومسلم ح (٢٠٠٩).
(٣) رواه البخاري ح (٣٩١١).
(٤) فتح الباري (٧/ ٢٨٦).
[ ١٠٠ ]
فقال عمير: أجل والله ما في العيش خيرٌ بعدَهم، ولولا دينٌ عليَّ لا أجد له قضاء، وعيالٌ لا أدع لهم شيئًا، لرحلت إلى محمد فقتلتُه إن ملأتُ عينيّ منه، فإن لي عنده عِلّة أعتل بها عليه، أقول: قدِمت من أجل ابني هذا الأسير.
ففرح صفوان بإقدام عمير وخُطته، ومضى يزيل عوائق تنفيذها، فقال: علي دينُك، وعيالُك أُسوةُ عيالي في النفقة، لا يسعني شيء فأعجزُ عنهم.
فاتفقا، وحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فصُقل وسُمَّ، وقال عمير لصفوان: اكتم خبري أيامًا.
وقدم عمير المدينة، فنزل بباب المسجد، وعَقَل راحلته، وأخذ السيف، وعمَد إلى رسول الله - ﷺ -، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع ودخل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله لا تأمنه على شيء.
فقال - ﷺ -: «أدخله علي».
فخرج عمر، فأمر أصحابه أن يدخلوا إلى رسول الله - ﷺ - ويحترسوا من عمير، وأقبل عمر وعمير حتى دخلا على رسول الله - ﷺ -، ومع عمير سيفُه، فقال رسول الله - ﷺ - لعمر: «تأخر عنه».
فلما دنا عمير قال له: «ما أقدمك يا عمير؟» قال: قدِمت على أسيري عندكم، تفادونا في أسرانا، فإنكم العشيرة والأهل.
فقال - ﷺ -: «ما بال السيف في عنقِك؟». فأجاب عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟ إنما نسيته في عنقي حين نزلت.
فقال رسول الله - ﷺ -: «اصدقني، ما أقدمك يا عمير؟». فقال: ما قدمت إلا في طلب أسيري.
فبغته النبي - ﷺ - بقوله: «فماذا شرطتَ لصفوان في الحِجر؟»، ففزع عمير وقال: ماذا شرطتُ له؟
فأجاب من علَّمه الله الخبير فقال: «تحمّلْتَ له بقتلي؛ على أن يعول أولادَك، ويقضيَ دَيْنَك، واللهُ حائلٌ بينك وبين ذلك».
[ ١٠١ ]
فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنا يا رسول الله نكذبُك بالوحي وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديثَ كان بيني وبين صفوان في الحِجِر لم يطلع عليه أحد، فأخبرك الله به، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق.
ففرح به المسلمون، وقال له رسول الله - ﷺ -: «اجلِس يا عمير نواسِك».
وقال لأصحابه: «علموا أخاكم القرآن»، وأطلق له أسيره، فقال عمير: ائذن لي يا رسولَ الله، فألحق بقريش، فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله أن يهديَهم .. ثم قدم عمير فدعاهم إلى الإسلام، ونصحهم بجُهده، فأسلم بسببه بشر كثير. (١)
وهكذا نجى الله نبيه وحبيبه من كيد عميرٍ وصفوان، فلم يجدْ عميرٌ أمام هذه المعجزة الباهرة والآية القاهرة إلا أن يشهد للنبي - ﷺ - بالنبوة، وللرب الذي حماه بالوحدانية.
ومن صور حماية الله لنبيه وحبيبه - ﷺ - قصة شاة اليهودية، إذ أن النبي - ﷺ - أتى خيبر، فقدمت له يهودية من أهل خيبر شاةً مشوية مسمومة، فأخذ رسول الله - ﷺ - الذراعَ، فأكل منها، وأكل رهطٌ من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله - ﷺ -: «ارفعوا أيديِكم»، وفي رواية: «ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومة». (٢)
وأرسل رسول الله - ﷺ - إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: «أسمَمْت هذه الشاة؟» قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: «أخبرتني هذه في يدي». للذراع، قالت: نعم.
قال: «ما أردت إلى ذلك؟» قالت: قلتُ: إن كان نبيًا فلن يضرَه، وإن لم يكن نبيًا استرحنا منه. فعفا عنها رسولُ الله - ﷺ - ولم يعاقبها. (٣)
وفي رواية للخبر في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - سألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلكَ. فقال - ﷺ -: «ما كان الله ليسلطَكِ عليّ». (٤)
_________________
(١) رواه الطبراني في معجمه الكبير ح (١١٧)، وابن هشام في السيرة (٣/ ٢١٣).
(٢) ٢ رواه أبو داود ح (٤٥١٠)، والحديث أصله في البخاري ح (٢٦١٧)، ومسلم ح (٢١٩٠).
(٣) رواه أبو داود ح (٤٥١٠) وهو صحيح كما قال الألباني في مشكاة المصابيح ح (٥٩٣١).
(٤) رواه البخاري ح (٢٦١٧)، ومسلم ح (٢١٩٠).
[ ١٠٢ ]
قال النووي: " قوله - ﷺ - «ما كان الله ليسلطك عليّ» فيه بيانُ عصمتِه - ﷺ - من الناس كلِّهم، كما قال الله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧)، وهي معجزة لرسول الله - ﷺ - في سلامته من السُّمِّ المهلِك لغيرِه، وفيه إعلامُ الله تعالى له بأنها مسمومةُ، وكلامُ عضوٍ منه له، فقد جاء في غير مسلم: «إن الذراع تخبرني أنها مسمومة». (١)
ويحدث جابر بن عبد الله ﵄، أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - قِبَل نجد، فلما رجع رسول الله - ﷺ - أدركتهم نومة القيلولة في وادٍ كثير الشجر.
يقول جابر: فنزل رسول الله - ﷺ - وتفرق الناس، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله - ﷺ - تحت سمُرَةٍ، فعلق بها سيفه، فنِمنا نومةً، ثم إذا رسول الله - ﷺ - يدعونا فجئناه، فإذا أعرابيٌ جالس، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده صَلتًا، فقال لي: من يمنعُك مني؟ قلت: اللهُ، فها هو ذا جالس» ثم لم يعاقبْه رسولُ الله - ﷺ -.
وفي رواية لأحمد أنه قام على رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال - ﷺ -: «اللهُ ﷿».
فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله - ﷺ - فقال: من يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: كن كخير آخذ.
فقال - ﷺ -: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: لا، ولكني أعاهدُك أن لا أقاتِلَكَ، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فذهب إلى أصحابه، فقال: قد جئتُكم من عندِ خير الناس. (٢)
وفي هذا الحديث دلائلُ مختلفة على نبوة النبي - ﷺ -، منها: ثبات النبي - ﷺ - بتأييد الله له، ثم حمايةُ الله له من القتل.
ومنها تأييدُه له بالملائكة، فقد وقع في رواية لابن إسحاق أن جبريل دفع بصدر المشرك فسقط سيفه.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٧٩).
(٢) رواه البخاري ح (٤١٣٧)، ومسلم ح (٨٤٣)، ورواية أحمد في المسند ح (١٤٥١٢).
[ ١٠٣ ]
وأخيرًا: عفوُ النبي - ﷺ - عن الرجل مع رفضه للإسلام، وذلك خلق من أخلاق النبوة، وإلا فمن يصنع ذلك مع غريمه وعدوه الذي كاد أن يقتله؟ وقد صدق الأعرابي حين قال: جئتُكم من عندِ خير الناس.
﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد﴾ (الزمر: ٣٦)، وفي هذا كله ما يشهد له - ﷺ - بالنبوة لتأييد الله إياه وحفظه له.
[ ١٠٤ ]