وإن من دلائل نبوته - ﷺ - زهادته في الدنيا وإعراضه عنها ترقبًا لجزاء الله في الآخرة، ولو كان دعيًا يفتري الكذب لما فرط في دنيا يفتري ابتغاء الكسب فيها، فإعراضُه - ﷺ - عن الدنيا وزهدُه في متاعها دليل نبوته ورسالته.
_________________
(١) رواه البخاري ح (٢٢١)، ومسلم ح (٢٨٥)، واللفظ له.
(٢) رواه البخاري ح (٢٣٩٠)، ومسلم ح (١٦٠١).
(٣) يعلق المستشرق الأمريكي واشنجتون إيرفنج في كتابه "حياة محمد" على عفو النبي - ﷺ - عن قريش عند فتح مكة بقوله: "كانت تصرفات الرسول [- ﷺ -] في مكة تدل على أنه نبي مرسل، لا على أنه قائد مظفر، فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه، برغم أنه أصبح في مركز قوي، ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو". قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل ص (٨١).
[ ١٣٤ ]
وأول ما نلحظه أنه - ﷺ - ما كان يطلب أجرًا على نبوته من أحد، بل كان يقول بمثل ما قال إخوانُه الأنبياء من قبل: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين﴾ (ص: ٨٦).
واستغناء الأنبياء عن أجر الناس وجزائهم دليل على نبوتهم، وأنهم يرقبون الأجر من الله، ولذا لما دعا مؤمن آل ياسين قومه للإيمان بأنبياء الله قال لهم: ﴿قال يا قوم اتبعوا المرسلين - اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون﴾ (يس: ٢٠ - ٢١).
ودعونا نتأمل بعض صنيعه - ﷺ - وبعضَ ما أنزل الله إليه، ثم ننظر هل هذا صنيعُ دعي كذاب، أم هو أدبُ النبوة وعبق الرسالة؟
كان النبي - ﷺ - يؤثِر حياة الزهد، ويدعو الله أن يجعله من أهلها، فكثيرًا ما تبتل إلى ربه مناجيًا: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». (١)
وخيره ربه بين المُلكِ في الأرض وبين حياة الشظف والقِلة، فاختار - ﷺ - شظف العيش زهادة منه في الدنيا وترفعًا على متاعها، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - أن ملَكًا نزل من السماء، فقال: يا محمد أرسلني إليك ربك. قال: أفملِكًا نبيًا يجعلُك أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. فقال - ﷺ -: «بل عبدًا رسولًا». (٢)
وإذا تأملنا حياة النبي - ﷺ -، ونظرنا كيف كان يعيش - ﷺ - في بيته، فإنا راؤون عجبًا، فلكم بقي ﵊ طاويًا على الجوع، لا يجد ما يأكله، وهو رسولُ الله وصفوتُه من خلقه، يقول أبو هريرة: (ما شبع آل محمد - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام حتى قبض). (٣)
_________________
(١) رواه الترمذي ح (٢٣٥٢)، وابن ماجه ح (٤١٢٦)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٣٣٢٨).
(٢) رواه أحمد ح (٧١٢٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (١٠٠٢).
(٣) رواه البخاري ح (٥٣٧٤).
[ ١٣٥ ]
ورآه عمر - ﵁ - يتلوى من الجوع، فما يجد رديء التمر يسد به جَوعَتَه، ثم رأى - ﵁ - ما أصاب الناس من الدنيا فقال: (لقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يظل اليوم يلْتَوي، ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه). (١) والدقل: هو التمر الرديء.
وحين يجد النبي - ﷺ - طعامًا فإنما يجد خبز الشعير فحسب، يقول ابن عباس حاكيًا حال ابن عمه - ﷺ -: (كان رسول الله - ﷺ - يبيت الليالي المتتابعةَ طاويًا، وأهلُه لا يجدون عشاء، وكان أكثرُ خبزِهم خبز الشعير). (٢) ومع ذلك فما كان يجد ما يشبعه منه.
وهذا الشعير الذي لم يشبع منه - ﷺ - كان من رديء الشعير، لا من جيده، فقد كان غير منخول.
سئل سهل بن سعد: هل أكل رسول الله - ﷺ - النقي [أي من الشعير]؟ فقال سهل: ما رأى رسول الله - ﷺ - النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله.
فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه [أي: بللناه بالماء] فأكلناه. (٣)
وتحكي أم المؤمنين عائشة لابن أختها عروة حال بيوتات النبي - ﷺ -، فتقول: (ابنَ أختي، إنْ كنا لننظرُ إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثةَ أهلَّةٍ في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نار).
فسألها عروة: يا خالةُ، ما كان يُعيشُكم؟ قالت: (الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله - ﷺ - جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله - ﷺ - من ألبانهم، فيسقينا). (٤)
وبعد وفاة النبي - ﷺ - دُعي أبو هريرة - ﵁ - إلى شاة مشوية، فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. (٥)
_________________
(١) رواه مسلم ح (٢٩٧٨).
(٢) رواه الترمذي ح (٢٣٦٠)، وابن ماجه ح (٣٣٤٧)، وأحمد ح (٢٣٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٢٧٠٣).
(٣) رواه البخاري ح (٥٤١٣).
(٤) رواه البخاري ح (٢٥٦٧)، ومسلم ح (٢٩٧٢).
(٥) رواه البخاري ح (٥٤١٤).
[ ١٣٦ ]
وتدخل امرأة وابنتاها على أم المؤمنين عائشة يشكون الجوع، فما الذي وجدوه في بيت النبي - ﷺ -؟
تجيبنا أم المؤمنين عائشة: فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة، فأعطيتُها إياها، فقسمَتَها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت، فخرجت، فدخل النبي - ﷺ - علينا، فأخبرته فقال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترًا من النار». (١)
وفي مرة أخرى يطرق باب النبي - ﷺ - ضيف، فلا يجد ﵊ ما يضيفه، فيرسل إلى بيوته يسأل نساءه، فلا يجد عندهن شيئًا سوى الماء، فلم يجد رسول الله بُدًا من الطلب من أصحابه أن يضيِّفوه. (٢)
ومع ذلك كله فقد كان لسانه - ﷺ - لا يفتَر أن يطلب دوام حال الكفاف والزهادة، فيقول داعيًا ربه: «اللهم ارزق آلَ محمدٍ قوتًا». (٣)
قال القرطبي: "معنى الحديث أنه طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغِنى والفقر جميعًا". (٤)
وإذا تساءلنا عن أثاث بيت النبي - ﷺ -، فإنه - ﷺ - ما كان يعيش إلا كسائر لأصحابه، أما وساده - ﷺ - فتصفه أم المؤمنين عائشة وتقول: (كان وسادة رسول الله - ﷺ - التي يتكئ عليها من أدَم [جلد مدبوغ]، حشوها ليف). (٥)
وأما فراشه فحصير يترك أثرًا في جنبه، يقول ابن مسعود: نام رسول الله - ﷺ - على حصير، فقام وقد أثَّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاء [فراشًا] فقال: «ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها». (٦)
_________________
(١) رواه البخاري ح (١٤١٨)، ومسلم ح (٢٦٢٩).
(٢) انظره في البخاري ح (٣٧٩٨)، ومسلم ح (٢٠٥٤).
(٣) رواه البخاري ح (٦٤٦٠)، ومسلم ح (١٠٥٥).
(٤) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري ح (١١/ ٢٩٩).
(٥) رواه البخاري ح (٦٤٥٦)، ومسلم ح (٢٠٨٢)، اللفظ له.
(٦) رواه الترمذي ح (٢٣٧٧)، وابن ماجه ح (٤١٠٩)، وأحمد ح (٣٧٠١)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٣٣١٧).
[ ١٣٧ ]
ودخل عليه عمر - ﵁ -، فرآه مضطجعًا على حصير قد أثر في جنبه، وألقى ببصره في خزانة رسول الله - ﷺ -، فإذا فيها قبضةٌ من شعير، نحو الصاع، وقبضة أخرى من ورق الشجر في ناحية الغرفة.
قال عمر: فابتدرتْ عيناي بالبكاء. فقال - ﷺ -: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنتَ رسولُ الله وصفوتُه، وهذه خزانتك!
فقال: «يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة، ولهم الدنيا؟» قلت: بلى. (١)
ودخلت امرأة أنصارية بيته - ﷺ -، فرأت فراشه مثنية، فانطلقت، فبعثت بفراش فيه صوف إلى بيت النبي - ﷺ -، فلما رآه قال: «رُدِّيه يا عائشة، فوالله لو شئتُ لأجرى الله عليّ جبال الذهب والفضة». قالت عائشة: فرددته. (٢)
لقد كان - ﷺ - أزهد الناس في الدنيا، ممتثلًا أمرَ ربه الذي أمره أن يعيش عيشة الكفاف والزهد، وأمره أن يخير نساءه بين حياة الزهد معه وبين تسريحهن إلى بيوت أهلهن، فاخترن جميعًا ﵅ البقاء معه على هذه الحال.
تقول عائشة: لما أمر رسول الله - ﷺ - بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: «إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك»
ثم قال: إن الله ﷿ قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا - وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٨ - ٢٩).
قالت: فقلتُ: في أي هذا أستأمرُ أبويَّ؟ فإني أريد اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة.
قالت: ثم فعل أزواجُ رسول الله - ﷺ - مثلَ ما فعلتُ. (٣)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٤٩١٣)، ومسلم ح (١٤٧٩)، واللفظ له.
(٢) رواه البيهقي في الشعب ح (١٤٤٩)، وأحمد في الزهد ح (٧٧)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ح (٣٢٨٧).
(٣) رواه البخاري ح (٤٧٨٦)، ومسلم ح (١٤٧٥) واللفظ له.
[ ١٣٨ ]
وتشكو إليه - ﷺ - ابنته فاطمة ﵂ ما تلقى في يدها من الرحى، وترجو من أبيها أن يعطيها خادمًا يخفف عنها ما هي فيه، فلا يجد الأب الحاني من نصيحة لابنته وزوجها أفضلَ من قوله: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشِكما أو أخذتما مضاجِعكما، فكبرا ثلاثًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم». (١)
وأدركت فاطمة معدِن أبيها ونوعه بين الرجال، وعرفت إيثاره الآخرة على الدنيا، فأتته ذات يوم بكِسْرةِ خبزِ شعير، فأكلها النبي - ﷺ - وقال: «هذا أول طعام أكله أبوكِ منذ ثلاث». (٢)
وتدور الأيام دورتها، وتقبل الدنيا على المسلمين، فيقف عمرو بن العاص يخطب الناس بمصر فقال: (ما أبعد هديَكم من هدي نبيكم - ﷺ -، أما هو فكان أزهدَ الناس في الدنيا، وأنتم أرغبُ الناس فيها). (٣)
وأبصر النبي - ﷺ - جبل أُحدٍ فقال لأصحابه: «ما أحب أنه تَحوَّل لي ذهبًا، يمكث عندي منه دينارٌ فوق ثلاث، إلا دينارًا أرصدُه لدَين».
ثم قال: «إن الأكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وقليل ما هم» وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله، أي يفرقه. (٤)
وتروي عائشة من خبره - ﷺ - عجبًا، فتذكر أنه كان في بيتها بعضُ قطعٍ من ذهب، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما فعلتْ الذهبُ» فقالت عائشة: هي عندي، فقال: «ائتيني بها».
تقول عائشة: فجئتُ بها، فوضعها في يده ثم قال بها [أي رماها]، وقال: «ما ظن محمد بالله لو لقي الله ﷿ وهذه عنده؟ أنفقيها». (٥)
_________________
(١) رواه البخاري ح (٦٣١٨)، ومسلم ح (٢٧٢٧).
(٢) رواه أحمد ح (١٢٨١١).
(٣) رواه أحمد ح (١٧٣٥٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب ح (٣٢٩٤).
(٤) رواه البخاري ح (٢٣٨٨)، ومسلم ح (٩٤).
(٥) رواه أحمد ح (٢٤٩٦٤).
[ ١٣٩ ]
وكيف لا يكون هذا حاله، وهو الأسوة الحسنة الذي أوصى أصحابه بالاقتصاد من الدنيا، فكان أسبقهم إلى ذلك، يقول سلمان: (إن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا عهدًا أن يكون بُلغَةُ أحدنا من الدنيا كزاد الراكب). (١)
وحين غادر - ﷺ - الدنيا ماذا ترك لأهله منها؟
يجيب عمرو بن الحارث أخو أمِ المؤمنين جويرية فيقول: (ما ترك رسول الله - ﷺ - عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمَة ولا شيئًا؛ إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وأرضًا جعلها صدقة). (٢)
ويروي الإمام أحمد أن النبي - ﷺ - مات ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعًا من شعير. (٣)
وكما زهد النبي - ﷺ - عن الدنيا زمن حياته، فإنه لم يبتغ جر نفع من منافعها إلى أهله وذويه بعد موته، فإنه - ﷺ - لا يبتغي أن يجر لأهله شيئًا من زخارفها، لذا قال - ﷺ -: «لا نورّث، ما تركناه صدقة». (٤)
وهكذا فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الكسب الدنيوي الذي جناه النبي - ﷺ - من نبوته، فإنه عاش عيشة المساكين التي تمناها ودعا الله بدوامها، فكان طعامه خشنُ الشعير، ورديءُ التمر، إذا ما تيسر له ذلك، وأما وساده وفراشه - ﷺ - فهما دليلٌ آخرُ على استعلاء النبي - ﷺ - على الدنيا التي هجرها - ﷺ - بإرادته واختياره.
وصدق فيه قول الشاعر:
وراودَته الجبال الشُّمُّ من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم
_________________
(١) رواه أحمد ح (٢٣١٩٩).
(٢) رواه البخاري ح (٢٧٣٩).
(٣) رواه أحمد ح (٢٧١٩).
(٤) رواه البخاري ح (٣٠٩٤)، ومسلم ح (١٧٥٧).
[ ١٤٠ ]