إن وجود البشارة بالنبي - ﷺ - في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّر أمته بأمر هذا النبي، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق: لئن بعث محمد - ﷺ - ليؤمنن به، قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (آل عمران: ٨١).
قال علي - ﵁ -: (ما بعث الله نبيًا آدم فمن دونه؛ إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد - ﷺ - وهو حي؛ ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه). (١)
وأهل الكتاب يعرفون رسول الله - ﷺ - معرفتهم بأبنائهم، لكثرة ما حدثهم الأنبياء والكتب عنه - ﷺ - ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ (الأنعام: ٢٠).
وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى، فقال ذاكرًا بعض صفاته فيها: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (الأعراف: ١٥٧).
ورغم ما تعرضت له كتب اليهود والنصارى من التحريف؛ فإنه لم يختف من ثنايا سطورها شهادات صادقة تشهد بالنبوة لنبينا - ﷺ -.
منها ما جاء في سفر النبي إشعيا، وهو من أسفار التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى اليوم، وفيه يتوعد النبي إشعيا بني إسرائيل الذين يحرفون كتاب الله ولا يلتزمون شريعته، يتوعدهم بالنبي صاحب السفر المختوم، النبيِ الذي لا يعرف القراءة، فيقول في الإصحاح التاسع والعشرين: " أو يُدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف القراءة" (إشعيا ٢٩/ ١٠ - ١٣).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٣٣٢).
[ ١١٢ ]
وهذا النص يسجل اللحظة العظيمة التي ستشهد نزول الوحي على النبي - ﷺ -، ففي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: .. جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملَك، فقال: اقرأ، فقال: «ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني، فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم﴾» (العلق:١ - ٣). (١)
فرسولنا - ﷺ - هو النبي الأمي الذي لا يعرف القراءة، والذي دُفع إليه السفر المختوم، فقال: لا أعرف القراءة، فجعل الله سِفره وحيًا ينطقه بشفتيه، ويتلوه من بعده المؤمنون إلى قيام الساعة.
ونزل النبي - ﷺ - من على غار حراء خائفًا فزعًا، وذهب إلى ورقة بن نوفل - وكان من علماء أهل الكتاب - فقص عليه الخبر، فعرف ورقة نبوة النبي بما قرأ في سِفر النبي إشعيا، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك .. لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإنْ يُدركني يومُك حيًا أنصرك نصرًا مؤزرًا. (٢)
وأما معرفته بإخراج قريش للنبي - ﷺ - ومعاداته، فقد عرفه ورقة من سفر إشعيا أيضًا حيث جاءتْ فيه البشارة بالنبي الذي يبعث في بلاد وعرة من أرض العرب، يقول السفر التوراتي في الإصحاح الحادي والعشرين: "وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين، يا قوافل الددانيين هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من السيوف قد هربوا " (إشعيا ٢١/ ١٣ - ١٤)، فالنص التوراتي يتحدث إلى قبائل الددانيين في أرض تيماء، لينجدوا النبي الذي خرج مع أصحابه هربًا
_________________
(١) رواه البخاري ح (٤).
(٢) رواه البخاري ح (٤).
[ ١١٣ ]
من وجه السيوف، ويشير إلى مكان بعثته الوعر من بلاد العرب، وهي صفة مكة المكرمة، مكان مولِدِه وبعثته - ﷺ -.
فشهادة ورقة - وهو من علماء أهل الكتاب - دليل ساطع على نبوة النبي - ﷺ -، وهذه الشهادة موثقة معتبرة، فقد استخرجها من كتب أهل الكتاب، مما تبقى بها من آثار الأنبياء وأنوار الوحي ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣).
وممن شهد لنبينا بالرسالة من أهل الكتاب النجاشي ملك الحبشة؛ فإنه آمن بالرسول - ﷺ - لما دخل عليه جعفر بن أبي طالب فقال له: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى بن مريم: ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦) فأمرنا أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئًا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قولَ الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر.
قال: فتناول النجاشي عودًا من الأرض فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه. (١)
لقد أسلم - ﵀ - بما آتاه الله من معرفة بالكتب قبل الإسلام، ورأى فيها دليلًا صادقًا من دلائل نبوته - ﷺ -، فلما مات ﵀؛ نعاه النبي - ﷺ - إلى أصحابه في اليوم الذي مات فيه، وصلى عليه صلاة الغائب، وقال: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا، فصلوا على أخيكم أصْحمة». (٢) ﵀، فقد كان إسلامه دليلًا من دلائل نبوة النبي - ﷺ -.
_________________
(١) رواه أبو داود ح (٣٢٠٥)، وأحمد ح (٤٨٣٦) وابن أبي شيبة ح (٣٦٦٤٠).
(٢) رواه البخاري ح (٣٨٧٧)، ومسلم ح (٩٥٢).
[ ١١٤ ]
تقول عائشة ﵂: (لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور). (١)
وممن عرف هذا الحق ملكُ الروم هرقل، ويروي لنا أبو سفيان بن حرب خبره، فقد كان بالشام حين أرسل النبي - ﷺ - كتابه إلى هرقل الذي علم بوجود قافلة لقريش يتاجرون بالشام، وذلك في زمن هدنة الحديبية.
فأرسل إليهم، فجاؤوا إليه بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ (أي أبو سفيان، وكان على الكفر حينذاك): أنا أقربهم نسبًا.
فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كَذَبَني فكذِّبوه.
يقول أبو سفيان: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القولً منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.
قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟ قلتُ: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة.
قال هرقل: فهل قاتلتموه؟ قلتُ: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلتُ: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا، وننال منه.
_________________
(١) رواه أبو داود ح (٢٥٢٣).
[ ١١٥ ]
قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتكَ عن نسبه، فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرتَ أن لا، فقلتُ: لو كان أحد قال هذا القول قبله؛ لقلتُ رجل يأتسي بقول قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من ملك؛ قلتُ: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدر؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرتَ أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.
فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجشمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه".
[ ١١٦ ]
قال المازري: "هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله - ﷺ -، فعرفه بالعلامات، وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة". (١)
ثم دعا هرقل بكتاب رسول الله - ﷺ - الذي بعث به دحيةَ إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾» (آل عمران: ٦٤).
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب؛ كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا.
فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ [أي بلغ] أمرُ ابن أبي كبشة (٢) أنه يخافه ملكُ بني الأصفر، فما زلتُ موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام.
ويمضي الخبر ليخبرنا أن هرقل جاءه رجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله - ﷺ -، فسأل هرقل عن النبي هذا، هل هو مختون أم لا؟ فأخبروه أنه مختون، وأن العرب يختتنون، فقال هرقل: "هذا ملك هذه الأمة قد ظهر".
ثم كتب هرقل إلى صاحب له بروميَّة، وكان نظيره في العلم.
وسار هرقل إلى حمص فلم يرم [أي يصل] حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي - ﷺ - وأنه نبي.
فأذن هرقل لعظماء الروم في قصر له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: "يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبُت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيْصَة حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غُلِّقَت.
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ١٠٧).
(٢) وهو اسم كان كفار قريش يعيرون به النبي - ﷺ -.
[ ١١٧ ]
فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي.
وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم. فقد رأيتُ، فسجدوا له ورضوا عنه. (١)
لقد أنكر هرقل الحق الذي عرفه وتيقنه ضنًا بملكه وخشية عليه.
قال النووي: " ولا عذر له في هذا ; لأنه قد عرف صدق النبي - ﷺ -، وإنما شح في المُلك، ورغب في الرياسة، فآثرها على الإسلام .. ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفَّق النجاشيَّ وما زالت عنه الرياسة ". (٢)
ويروي ابن إسحاق بسنده عن سلمان الفارسي قصة هجرته في البحث عن الحقيقة، عن الدين الحق، فقد كان سلمان مجوسيًا من أهل أصبهان، مجتهدًا في المجوسية يعمل مع أبيه على رعاية معبود الفرس - النار - حتى لا تخبو.
خرج سلمان يومًا إلى ضيعة لأبيه، يقول: فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون فلما سمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغِبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الذي نحن عليه، فوالله ما برِحتُهم حتى غربت الشمس .. ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام.
وعلم أبو سلمان بالخبر فحبس سلمان بالقيد، وما كان للقيد أن يكبل سلمان عن رحلته، فهو مشتاق إلى الحق، فاستطاع سلمان الهرب من قيده إلى الشام، ليبدأ رحلته في البحث عن الحقيقة، تلك الرحلة التي نراها دليلًا من دلائل نبوته - ﷺ -.
يقول سلمان: فلما قدِمتُ الشام قلتُ: من أفضل أهل الدين علمًا؟ قالوا: الأسقفُ في الكنيسة، فجئتُه فقلتُ له: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك، فأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت معه.
_________________
(١) رواه البخاري ح (٧)، ومسلم ح (١٧٧٣).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ١٠٧).
[ ١١٨ ]
فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم بها، فإذا جمعوا إليه شيئًا منها اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق.
فأبغضه سلمان، وكشف لهم حقيقته بعد موته، فوضعوا بدلًا منه آخر، يقول عنه سلمان: ما رأيت رجلًا يصلي أفضلَ منه ولا أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة ولا أدأبَ ليلًا ولا نهارًا منه، فأحببته حبًا لم أحبه شيئًا قبله، فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني قد كنت معك، وأحببتك حبًا لم أحبه أحدًا قبلك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟
فقال: أي بُنيَّ، والله ما أعلم أحدًا على ما كنت عليه، ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.
فلما مات الرجل وغُيِّب [أي دُفِن]، لحق سلمان بصاحب الموصل، فأقام عنده إلى حين وفاته، فأوصى الرجلُ سلمانَ أن يلحق برجل على التوحيد في نصيبين، فلزمه سلمان زمنًا، فلما أدركه الموت أوصى الرجلُ سلمانَ باللحاق برجل على التوحيد في عمورية من أرض الروم قائلًا: "فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأْتِه".
فانطلق إليه سلمان ولزمه فلما أدركته الوفاة، قال له سلمان: إلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: "يا بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه فآمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرُه إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل".
ثم مر بسلمان تجار من قبيلة كلب، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بُقيراتي هذه وغُنيماتي هذه، فحملوه معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى يقول سلمان: فظلموني وباعوني لرجل يهودي، فكنت عنده، فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي.
فبينما أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفة صاحبي، فأقمت بها.
[ ١١٩ ]
وبُعث رسول الله - ﷺ - فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي؛ إذ أقبل ابنُ عمٍ له، حتى وقف عليه، فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلة [وهو اسم جدة للأنصار يُنسبون إليها] والله إنهم الآن لمجتمعون معنا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي.
فلما سمعتُها أخذتني العُرَواء [أي الرِعدة] حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلتُ أقول لابن عمه ذلك: ما تقول؟ فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبِل على عملك! فقلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال.
وقد كان عندي شيء جمعتُه، فلما أمسيت أخذتُه، ثم ذهبت به إلى رسول الله - ﷺ - وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقرَّبتُه إليه، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: «كلوا» وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة.
ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئًا، وتحول رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إني قد رأيتُك لا تأكلُ الصدقة، وهذه هدية أكرمتُك بها، فأكل رسول الله - ﷺ - وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.
ثم جئت رسول الله - ﷺ - وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني - ﷺ - استدبرته عرَف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي.
[ ١٢٠ ]
فقال لي رسول الله - ﷺ -: «تحوَّل» فتحولتُ، فجلستُ بين يديه، فقصصتُ عليه حديثي .. فأعجبَ رسولَ الله - ﷺ - وأحبَّ أن يسمع ذلك أصحابُه. (١)
ومن دلائل نبوته - ﷺ - بشارة النبيين موسى وحبقوق بنبي قدوس طاهر يخرج من بلاد فاران، وهو اسم للحجاز كما سيتبين لنا.
وقد جاء في سفر التثنية المنسوب إلى موسى ﵇ أنه قال لبني إسرائيل قبيل وفاته: "جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران" (التثنية ٣٣/ ٢)، فقد أخبرهم ﵇ بأنه كما جاءت رسالة الله إليه على جبل الطور في سيناء، فإن النبوة ستشرق من جبل ساعير في وسط فلسطين، وذلك بنبوة عيسى ﵇، ثم ستتلألأ النبوة من فوق جبل فاران بنبي عظيم يخرج فيها.
وأكد سفر النبي حبقوق البشارةَ بالنبي المبعوث في فاران، فقال: "والقدوس من جبل فاران، جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه" (حبقوق ٣/ ٣)، فمن هو هذا العبد الطاهر ذو الهيبة الذي يخرج من فاران، وتمتلئ الأرض من تسبيحه وتسبيح أتباعه؟
لن نستطيع القول بأنه محمد - ﷺ - إلا إذا عرفنا المقصود من كلمة (فاران).
فاسم فاران تستخدمه التوراة في حديثها عن مكة المكرمة، فقد جاء في سفر التكوين أن إسماعيل ﵇ نشأ وتربى في برية فاران، يقول السِّفر عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر .. وسكن في برية فاران " (التكوين ٢١/ ٢١).
وهكذا استبانت النبوءة في أبهى صورها، فكما عاش إسماعيل في برية فاران التي هي الحجاز، فإن النبوة ستتلألأ من على جبل فاران، فمن هو النبي المبعوث في فاران؟ إنه محمد - ﷺ -.
إن أمثال هذه النبوءة الباهرة والشهادة الواضحة دفعت المنصفين من أهل الكتاب إلى الإيمان بالنبي - ﷺ - والاعتراف بأنه الرسول الخاتم المبشر به في كتب السابقين.
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق في سيرته (١/ ٦٥ - ٦٦).
[ ١٢١ ]
ومن هؤلاء حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام الذي أسلم على يد النبي - ﷺ -، فقد وفد على النبي في يوم هجرته ومقدمه المدينة، يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه.
فلما استثبتُ وجه رسول الله - ﷺ - عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به - ﷺ - أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». (١)
قال السندي: " قوله: (عرَفْت أن وجهه ليس بوجه كذاب) لما لاح عليه من سواطع أنوار النبوة، وإذا كان أهل الصلاح والصلاة في الليل يُعرَفون بوجوههم .. فكيف هو، وهو سيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله؟ ". (٢)
وفي البخاري أن ابن سلام أتى النبي - ﷺ - فجلس بين يديه، وقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟
فقال رسول الله - ﷺ -: «خبَّرني بهن آنِفًا جبريلُ .. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها». قال: أشهد أنك رسول الله.
ثم قال ابن سلام: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله - ﷺ - لليهود: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمُنا وابنُ أعلمِنا، وأخيَرِنا وابنُ أخْيَرنا.
فقال رسول الله - ﷺ -: «أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟» قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسولُ الله.
فقالوا: شرُّنا وابنُ شرنا، ووقعوا فيه. (٣)
_________________
(١) رواه الترمذي ح (٢٤٨٥)، ابن ماجه ح (١٢٣٤)، وأحمد في المسند ح (٢٣٢٧٢)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (١٠٩٧).
(٢) شرح سنن ابن ماجه (٢/ ٢٣١).
(٣) رواه البخاري ح (٣٣٢٩).
[ ١٢٢ ]
فإسلام عبد الله بن سلام، وهو حبر عالم في الكتب السابقة دليل صدق وشاهد حق على نبوة النبي - ﷺ - ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣).
وفي مسند أحمد شاهد آخر من شهادات أهل الكتاب بنبوة النبي - ﷺ -، وذلك فيما يرويه عن سلمة بن سلامة البدري - ﵁ - قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي - ﷺ - بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا .. فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقومٍ أهلِ شرك أصحابِ أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلَف به ..
قالوا له: ويحك، وما آيةُ ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى تُراه؟ قال سلمة: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سنًا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمُرَه [أي إن عاش حتى يهرم] يدركْه.
قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله - ﷺ - وهو [أي اليهودي] حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا.
فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، وليس به. (١)
لقد أنكر الحق الذي عرفه وكان يبشر به ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ (البقرة: ٨٩).
لقد كفروا بالنبي الذي كانوا ينتظرونه من بعد ما عرفوه معرفتهم بأبنائهم، وصدق الله العظيم في قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ (الأنعام:٢٠).
_________________
(١) رواه أحمد ح (١٥٤١٤).
[ ١٢٣ ]
ومن البشارات الكتابية أيضًا بالنبي - ﷺ - ما جاء في سفر التكوين المنسوب إلى موسى ﵇، أنه خاطب بني إسرائيل: "قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه .. " (التثنية ١٨/ ١٧ - ١٩).
والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى ﵇، ويذكر صفات هذا النبي، وأولُها أنه من غير بني إسرائيل، فهو ليس من أنفسهم، بل هو من بني إخوتهم، أي أبناء عمومتهم، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بنِ إسحاق، وبنو إسماعيلَ بنِ إبراهيم ﵈.
وهذا النبي من خصائصه أنه مثل لموسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله كما جاء في سفر التكوين: "ولم يقم بعدُ نبيٌ في إسرائيل مثلُ موسى" (التثنية: ٣٤/ ١٠).
ومن صفات هذا النبي المبشَر به أن الله يعطيه وحيًا شفاهيًا يحمل كل وصايا الله، وأيضًا فإن الله ينتقم من أعدائه الذين يرفضون نبوته "وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
فمن هو هذا النبي الذي يبشر به موسى ﵇؟ إنه أخوه محمدٌ - ﷺ -.
ولهذا الخبر وغيره من الأخبار التوراتية؛ كان يهود المدينة يتوعدون جيرانهم من الأوس والخزرج بمقدم نبي عظيم، يسودون به على المدينة وأهلها، فقد روى ابن إسحاق في سيرته عن بعض الأنصار أنهم قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمةِ الله تعالى وهداهُ لنا - لِما كنا نسمع من رجال اليهود، وكنا أهلَ شرك أصحابَ أوثان، وكانوا أهل كتاب، عِندَهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسوله - ﷺ - أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كان يتوعدنا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات: ﴿ولما جاءهم
[ ١٢٤ ]
كتابٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ (البقرة: ٨٩). (١)
قال قتادة: "كانت اليهود تستفتح بمحمد - ﷺ - على كفار العرب .. فلما بَعث الله محمدًا - ﷺ -، فرأوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله - ﷺ -، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة". (٢)
وشهد لنبوة النبي - ﷺ - حَبْر عالم من علماء اليهود في المدينة، الحَبرُ ابنُ الهيبان، وقد جاء من الشام إلى المدينة المنورة حين علم أنها مهاجرُ النبي الخاتَم، فجاء إليها ينتظر مبعثه وهجرته إليها.
روى ابن اسحاق في سيرته عن شيخ من بني قريظة، قال: قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلًا يصلي خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعَثِ رسول الله - ﷺ - بسنتين، فكنا إذا قحطنا، وقلّ علينا المطر؛ نقول: يا ابن الهيبان اخرج، فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجِكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مُدَّين من شعير.
فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا، ونحن معه نستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطرَ ويمُرَّ الماء بالشعاب، قد فعل ذلك مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.
فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير [الشام] إلى أرض البؤس والجوع [يثرب]؟ قالوا: أنت أعلم.
قال: فإني إنما خرجت أتوقع نبيًا قد أظل زمانُه، هذه البلاد مهاجَرُه، فاتبعوه ولا يسبقَنَّ إليه غيرُكم إذا خرج، يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٣٧ - ٣٨)، ورواه الطبري في تفسيره (١/ ٤١٠).
(٢) جامع البيان (١/ ٤١١).
[ ١٢٥ ]
فلما كانت الليلة التي فُتحت فيها قريظة، خرج ثلاثة من حصونهم، فقالوا: يا معشر اليهود، والله إنه للذي ذكر لكم ابنُ الهيبان، فقالوا: ما هو به، قالوا: بلى والله إنه لصفته. ثم نزلوا وأسلموا. (١)
وأما السفر المنسوب إلى النبي حجي فإنه يذكر اسم النبي - ﷺ -، فيقول لبني إسرائيل: "لا تخافوا، لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجدًا قال رب الجنود ".
ويتحدث السفر عن عظمة بيت جديد من بيوت الله: "مجدُ هذا البيت الأخير يكون أعظمَ من مجد الأول [أي مسجد القدس] قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام" (حجي ٢/ ٦ - ٩).
ولو عدنا إلى النص العبري للتوراة، وقرأنا قولها: "ويأتي مشتهى كل الأمم" لوجدنا النص العبري يقول: "فباؤا حِمدات كول هاجوييم"، وكلمة حِمدات التي ترجمت إلى "مشتهى" هي الصيغة العبرية لاسم محمد - ﷺ -، وترجمتها خطأ ظاهر لأن الأسماء لا تترجم.
وقول السِفر عن بيت الله الأخير أي المسجد الحرام: " وفي هذا المكان أعطي السلام"، أي أعطي الإسلام، فالسلم والإسلام لفظتان اشتقاقهما واحد، وكلاهما اسم يطلق على دين الإسلام، كما قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِلْم كافةً﴾ (البقرة: ٢٠٨).
قال ابن كثير: "ادخلوا في السلم كافة يعني الإسلام". (٢)
وهكذا تتلألأ الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، إن الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى يذكر النبي باسمه، وينبؤنا باسم دينه، وعن بيته العظيم الذي يفوق شرفه ومجده بيت الله القديم الذي بناه إسحاق على أرض فلسطين.
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في سيرته (١/ ٦٢)، وابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٣٨ - ٣٩)، ورواه البيهقي في السنن (٩/ ١١٤).
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٤٨).
[ ١٢٦ ]
وقد صدق الله وهو يؤكد وجود البشارة به في كتب السابقين ويعِد المؤمنين منهم بالفلاح العظيم: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (الأعراف: ١٥٧).
[ ١٢٧ ]