ومن جميل صفاته - ﷺ - كرمُه الفياض، وجُوده السيّال، كرمُه كرمُ رجل عافت نفسه الدنيا، حتى ما عاد يفرح بإقبالها، ولا يغتم ولا يهتم بإدبارها، إنه أكرمُ الناس وأجودُهم، وصفه ابنُ عمهِ ابنُ عباس - ﵁ - فقال: (كان رسول الله - ﷺ - أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه القرآن، فلرسولُ الله - ﷺ - أجودُ بالخير من الريح المرسلة). (١)
وعاشره أنس بن مالك عشرَ سنين، ثم وصفه فقال: (كان النبي - ﷺ - أحسنَ الناس وأشجعَ الناس وأجودَ الناس). (٢)
ومن رام إثبات ذلك فليصخ السمع وهو شهيد:
رجع النبي - ﷺ - من حنين فعلِقه الناس يسألونه، حتى اضطروه إلى سمُرة [نوع من الشجر]، فخطِفَتْ رداءَه، فوقف النبي - ﷺ - فقال: «أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العِضاهِ نَعَمًا لقسمتُه بينَكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا». (٣)
وجاء إليه - ﷺ - رجل فسأله أن يعطيه، فقال النبي - ﷺ -: «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليَّ، فإذا جاءني شيء قضيتُه». فقال عمر: يا رسول الله، ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبيُّ - ﷺ - قولَ عمر.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا.
فتبسم رسول الله - ﷺ -، وعُرف البِشر في وجهه بقول الأنصاري، ثم قال - ﷺ -: «بهذا أمرت». (٤) فعطاؤه مع العوز وقلة ذات اليد، وهذا غاية الجود.
_________________
(١) رواه البخاري ح (٦)، مسلم ح (٢٣٠٨).
(٢) رواه البخاري ح (٢٨٢٠).
(٣) رواه البخاري ح (٢٨٢١).
(٤) رواه الطبري في تهذيب الآثار ح (١٦٨)، والترمذي في الشمائل ح (٣٥٠)، والبزار في مسنده ح (٢٧٤).
[ ١٢٩ ]
وجاءه - ﷺ - نفرٌ من الأنصار فسألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفِد ما عنده، ثم قال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعففْ يعِفُّهُ الله، ومن يستغن يغنِه الله، ومن يتصبر يصبرْه الله، وما أعطي أحد عطاء هو خيرٌ وأوسعُ من الصبر». (١)
وجاءته امرأة ببردة فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكَها، فأخذها رسول الله - ﷺ - محتاجًا إليها، فخرج إلينا، وإنها لإزاره، فجسَّها رجل من القوم فقال: يا رسول الله اُكسُنيها. قال: «نعم».
فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتَها إياه، وقد عَرفْتَ أنه لا يرد سائلًا! فقال الرجل: والله ما سألتُها إلا لتكون كفني يوم أموت. (٢)
نعم، إنه - ﷺ - لا يرد سائلًا، ويجود حتى بما هو أحوج الناس إليه.
هو البحر من أيِ النواحي أتيتَه فلُجتُه المعروف والبحرُ ساحله
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غيرُ روحه لجاد بها فليتق الله سائلُه
ولفرط كرمه - ﷺ -، يقول جابر: (ما سئل النبي - ﷺ - عن شيء قط؟ فقال: لا). (٣)
في يوم حنين جاءه رجلٌ فسأله غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أيْ قومِ أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر!
فقال أنس: إن كان الرجل ليُسلِم، ما يريدُ إلا الدنيا، فما يسلمْ حتى يكونَ الإسلام أحبَ إليه من الدنيا وما عليها. (٤)
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ ح (١٨٨٠).
(٢) رواه البخاري ح (٥٨١٠).
(٣) رواه البخاري ح (٦٠٣٤)، ومسلم ح (٢٣١١).
(٤) رواه مسلم ح (٢٣١٢).
[ ١٣٠ ]
ويذكر ابن عساكر أن صفوان بن أمية سار يوم حنين بين الغنائم، فجعل ينظر إلى شِعبٍ مُلأ نعمًا وشاء ورعاء، فأدام النظر إليه، ورسول الله - ﷺ - يرمُقه فقال النبي: «أبا وهب، يعجبُك هذا الشِعب؟» قال: نعم. فقال - ﷺ -: «هو لك وما فيه».
فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفسُ نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أسلم صفوان سيد قريش وأحد عقلائها لما رآه من جود النبي - ﷺ -، فرأى في كرم كفه وفيضِ عطائه وطيبةِ نفسه بهذا العطاء؛ ما يدل على نبوته ورسالته - ﷺ -.
وعطاؤه - ﷺ - ليس مرتبطًا بمصلحة شخصية، ولا يطرد بزيادة العلاقة مع المُعطى أو نقصاِنها، يقول ﵊: «إني لأعطي الرجل، وغيرُه أحبُ إليّ منه، خشيةَ أن يكبه الله في النار». (١)
ومن صور كرمه - ﷺ - ما رواه جابر بن عبد الله، قال: كنت مع النبي - ﷺ - في غزوة فقال لي: «أتبيع ناضِحك [أي جملك] هذا بدينار، واللهُ يغفرُ لك؟».
قلت: يا رسول الله هو ناضِحكم إذا أتيتُ المدينة [أي أنه يعطيه للرسول - ﷺ - بلا مقابل إذا وصلوا المدينة].
فقال - ﷺ -: «فتبيعه بدينارين، واللهُ يغفر لك؟» قال: فما زال يزيدني دينارًا دينارًا، ويقول مكان كل دينار: «والله يغفر لك» حتى بلغ عشرين دينارًا.
فلما أتيت المدينة أخذتُ برأس الناضح، فأتيت به النبي - ﷺ -، فقال: «يا بلال، أعطه من الغنيمة عشرين دينارًا» وقال: «انطلق بناضحك، فاذهب به إلى أهلك». (٢)
وفي رواية في مسند أحمد قال جابر: (فمررت برجل من اليهود، فأخبرته: قال: فجعل يعجب، ويقول: اشترى منك البعير، ودفع إليك الثمن، ووهبه لك؟ فقلت: نعم).
وحُق له أن يعجب، رجل يشتري جملًا من آخر، ويزيده في السعر، ثُم يعطيه ثمن البعير والبعير، فما هذا بمعهود بين الناس لا مألوف، إنه جود نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه.
_________________
(١) رواه البخاري ح (٢٧)، ومسلم ح (١٥٠).
(٢) رواه ابن ماجه ح (٢٢٠٥)، وأحمد ح (١٣٨٣٩).
[ ١٣١ ]