لا يُحصَى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم ﵊ سواء كان ذلك الخلق الحسن من: جوده أو كرمه، أو عفوه أو صفحه، أو حلمه أو أناته، أو رفقه أو صبره، أو تواضعه أو عدله، أو رحمته أو منِّه، أو شجاعته وقوته. .
وقد رغَّب النبي ﷺ في حسن الخلق في مجالات عديدة منها ما يأتي:
١ - الخلق الحسن في حياة المسلم عامة، وفي حياة الدعاة إلى الله تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته، لقوله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (١).
٢ - الخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات،
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٣/ ٤٣٧ برقم ١١٦٢، وأبو داود ٤/ ٢٢٠ برقم ٤٦٨٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ٣٤٠.
[ ١٠٣ ]
وهو من أعظم المهمات التي تتعين على جميع الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن من تخلَّق به كان من أحب الناس إلى النبي ﷺ وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة، قال ﷺ: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (١).
٣ - الخلق الحسن يجعل المسلم من أحسن الناس، ومن خيارهم مطلقًا، ولا يكون كذلك إلا بالتخلق بهذا الخلق العظيم، قال ﷺ: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (٢).
وقد أحسن الشاعر إذ يقول:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
٤ - الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلِّ العطايا والهبات، والداعية إلى الله تعالى هو من أحق الناس بهذا الخير العظيم؛ ليطبقه على نفسه، ويدعو الناس إليه؛
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٤/ ٣٧٠ برقم ٢٠١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٩٦.
(٢) البخاري مع الفتح ١٠/ ٤٥٢، برقم ٦٠٢٩، ومسلم ٤/ ١٨١٠ برقم ٢٣٢١.
[ ١٠٤ ]
ليحصل على الثواب الجزيل، ولهذا قال ﷺ: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» (١) وقال ﷺ: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (٢) وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو: «أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (٣) وبهذا يحصل المسلم على جوامع الخيرات والبركات، قال ﷺ: «البر حسن الخلق» (٤).
٥ - الخلق الحسن هو وصية رسول الله ﷺ إلى جميع المسلمين، وخاصة الدعاة، فقد أوصى به ﷺ معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن واليًا، وقاضيًا، وداعيًا إلى الله
_________________
(١) أبو داود ٤/ ٢٥٣ برقم ٤٧٩٩، والترمذي ٤/ ٣٦٢، برقم ٢٠٠٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ٩١١.
(٢) أبو داود ٤/ ٢٥٢ برقم ٤٧٩٨ وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ٩١١.
(٣) أحمد في المسند بإسناد جيد ٢/ ١٧٧، وانظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ١/ ٣٠١ برقم ٨٨٦.
(٤) مسلم ٤/ ١٩٨٠ برقم ٢٥٥٣.
[ ١٠٥ ]
فقال له: «. . . وخالق الناس بخلق حسن» (١).
٦ - الخلق الحسن ذو أهمية بالغة؛ لأن الله ﷿ أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظم شأنه الرسول الأمين ﷺ. قال ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال ﷾: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال ﵊: «إنما بعثتُ لِأُتمِّمَ مكارم الأخلاق» (٢) وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: «. . . فإن خلق نبيكم ﷺ كان القرآن» (٣).
٧ - الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب
_________________
(١) الترمذي ٤/ ٣٥٥، برقم ٢٣٨٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٩١.
(٢) البيهقي في السنن الكبرى بلفظه ١٠/ ١٩٢، وأحمد ٢/ ٣٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٦١٣، وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني ١/ ٧٥ برقم ٤٥.
(٣) مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض ١/ ٥١٣، برقم ٧٤٦.
[ ١٠٦ ]
الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبع سيرة المصطفى ﵊ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﷺ، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم، فهذا يسلم ويقول: «والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ» (١) وذاك يقول: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» (٢) تأثر بعفو النبي ﷺ ولم يتركه على تحجيره رحمة الله التي وسعت كل شيء، بل قال له: «لقد تحجرت واسعًا»، والآخر يقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه» (٣) والرابع يقول: «يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي
_________________
(١) البخاري مع الفتح ٨/ ٨٧، برقم ٤٣٧٢، ومسلم ٣/ ١٣٨٦، برقم ١٧٦٤.
(٢) البخاري مع الفتح ١٠/ ٤٣٨، برقم ٦٠١٠.
(٣) مسلم ١/ ٣٨١، برقم ٥٣٧.
[ ١٠٧ ]
عطاءً لا يخشى الفاقة» (١) والخامس يقول: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ» (٢»، والسادس يقول: بعد عفو النبي ﷺ عنه (٣) «جئتكم من عند خير الناس»، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٤). وهناك أمثلة كثيرة جدًا.
٨ - الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان ﷺ يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان ﷺ يقول في استفتاحه لصلاة الليل: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. . .» (٥) وكان يقول: «اللهم كما أحسنت
_________________
(١) مسلم ٤/ ١٨٠٦، برقم ٢٣١٢.
(٢) مسلم ٤/ ١٨٠٦، برقم ٢٣١٣.
(٣) البخاري، برقم ٢٩١٠، ومسلم، برقم ٨٤٣.
(٤) انظر: فتح الباري ٧/ ٤٢٨.
(٥) مسلم ١/ ٥٣٤، برقم ٧٧٠.
[ ١٠٨ ]
خَلْقي فحسِّن خُلُقي» (١).
٩ - الخلق الحسن يُحبب صاحبه إلى الناس جميعًا حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الدعاة إلى الله ﷿ لا يسعون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق.
١٠ - إن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقًا.
قال ﷿ للنبي الكريم ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
_________________
(١) البيهقي وأحمد ٦/ ٦٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ١١٣ برقم ٧٤.
[ ١٠٩ ]
مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال ﷿: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وقال ﷿ مُمْتَنًّا على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
[ ١١٠ ]
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا - وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]، ولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه ﵊ قدوة وإمامًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
١١ - إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليمًا نقيًا إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام الدعاة إلى الله تعالى بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
[ ١١١ ]
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]؛ ولهذا أمر الله بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] الآية، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] فقدم العمل قبل الدعوة إلى الحق.
١٢ - الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب، ويفتح مداركه، فيتبصر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص ﴿يَاأَيُّهَا
[ ١١٢ ]
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] الآية.
١٣ - الخلق الحسن في الدعوة من أعظم الأسباب التي تنجي من النار وتورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى الله ﷿، ولهذا عندما سأل ﷺ رجلًا فقال له: «ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهَّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار. أما والله! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال ﷺ "حولها نُدَنْدِنُ» (١) وهذا يدل أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى الله ﷿.
وقد تكفل ﷺ ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن
_________________
(١) أبو داود، برقم ٧٩٢، وأحمد ٣/ ٤٧٤، وابن ماجه، برقم ٣٨٤٧، وانظر: صحيح ابن ماجه ٢/ ٣٢٨.
[ ١١٣ ]
كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه» (١).
١٤ - الخلق الحسن من أكثر الأعمال التي يدخل بها المسلم الجنة، «فقد سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق» (٢) ويبين ﷺ: أن النار تحرم على كل قريب هَيِّنٍ سهل. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أُخبركم بمن يحرم على النار - أو بمن تَحرُمُ عليه النار -؟! على كُلِّ قريبٍ هيِّنٍ لَيِّنٍ» (٣).
_________________
(١) أبو داود، برقم٤٨٠٠، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ٩١١، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٧٣.
(٢) الترمذي ٤/ ٣٦٣ برقم ٢٠٠٥، وانظر: جامع الأصول ١١/ ٦٩٤ وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٢/ ١٩٤.
(٣) الترمذي ٤/ ٦٥٤ برقم ٢٤٨٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٦١٠. وانظر: جامع الأصول ١١/ ٦٩٨.
[ ١١٤ ]