رفقه ولينه ﷺ
أولًا: ترغيبه ﷺ في الرفق: عن عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).
فقط عظَّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبيَّن ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمَّتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ -؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذا الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي ستأتي تُبيِّن فضل الرفق، والحث على التخلق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٩، وإسناده صحيح؛ انظر الأحاديث الصحيحة للألباني برقم ٥١٩.
[ ١٧٦ ]
فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (١).
وقد حذر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ، فعن عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٢) وكان ﷺ إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير، فعن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال:
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٤٥، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠/ ٤٤٩، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي ٦/ ١٥٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم ٣/ ١٤٥٨، برقم ١٨٢٨.
[ ١٧٧ ]
«بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا» (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله -﷿- بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٢).
وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ - ﵄ - حينما بعثهما إلى اليمن: «يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا» (٣).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا» (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٨، برقم ١٧٣٢.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٧١، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث صحيح من رواية عائشة ﵂ ٣/ ٢١٩ برقم ١٢١٩.
(٣) البخاري مع الفتح في كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٨/ ٦٢، برقم ٤٣٤٤، و٢٣٤٥، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٩، واللفظ له، برقم ١٧٣٣.
(٤) البخاري مع الفتح في كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ١/ ١٦٣، برقم ٦٩، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٩، برقم ١٧٣٢.
[ ١٧٨ ]
في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويُبشِّرُ في وقت ويُنفِّرُ في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسَّر مرة أو مرات، وعسَّر في معظم الحالات، فإذا قال ولا تُعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسِّرا ولا تُعسرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قَرُبَ إسلامه وتَرْكُ التَّشديد عليه، وكذلك من قَارَبَ البلوغ من
[ ١٧٩ ]
الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطَّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التَّكليف على التَّدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المُريد للدخول فيها سَهُلَتْ عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها (١). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتخوَّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢).
فصلوات الله وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (٣).
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٤١، وفتح الباري ١/ ١٦٣.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ١٦٢، ١٦٣.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٢١٣.
[ ١٨٠ ]