نشأته ﷺ
نشأ النبي ﷺ يتيمًا فآواه الله تعالى، وعائلًا فأغناه الله، فقد تُوفِّي والده عبد الله وهو ﷺ حملٌ في بطن أمه، وأرضعته ثُويْبَةُ أيَّامًا (١) وهي مولاة لأبي لهبٍ، ثم أرضعته حليمة السعدية في البريَّة، وأقام عندها في بني سعدٍ نحوًا من أربع سنين، وَشُقَّ عن فُؤاده هناك وهو يلعب مع الغلمان، فعن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ (٢) من ذهب بماء زمزم ثم لامَهُ (٣) ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون
_________________
(١) البخاري مع الفتح، ٩/ ١٢٤.
(٢) طستٍ: إناء كبير مستدير [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٤٦٠].
(٣) لامه: جمعه وضم بعضه على بعضٍ [شرح النووي على صحيح مسلم].
[ ١٩ ]
إلى أمه (يعني ظئره) (١) فقالوا: إن محمدًا قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو مُنتقع اللَّون (٢) قال أنسٌ: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره» (٣) وعند هذه الحادثة العظيمة خافت عليه حليمة السعدية ﵂، فردَّته إلى أمه آمنة بنت وهب، فخرجت به أمه إلى المدينة، تزور أخواله، ثم رجعت متجهة إلى مكة فماتت في الطريق بالأبواء، بين مكة والمدينة، وعمره ﷺ ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام (٤)
ولما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب، فلما بلغ ثماني سنين توفي جده وأوصى به إلى عمه أبي طالب؛ لأنه كان شقيق عبد الله بن عبد المطلب
_________________
(١) ظِئره: هي المرضعة، ويقال أيضا لزوج المرضعة [شرح النووي].
(٢) منتقع اللون: أي متغير اللون [شرح النووي على صحيح مسلم].
(٣) مسلم، برقم ٢٦١ - (١٦٢) وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ٣/ ٤١٣.
(٤) البداية والنهاية، ٤/ ٤٢٣، والفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، لابن كثير، ص٩٢ وقد ماتت أمه وأبوه انظر: صحيح مسلم، برقم ٢٠٣ (على دين الجاهلية ولا حول ولا قوة إلا بالله) ..
[ ٢٠ ]
فكفله، وأحاطه أتمَّ حياطة، ونصره حين بعثه الله، أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمرًا على شركه إلى أن مات، فخفَّفَ الله بذلك من عذابه بشفاعة النبي ﷺ، قال ﷺ: «هو في ضحْضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار». وفي لفظٍ: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامةِ فيُجعلُ في ضحْضاحٍ من النارِ يبلغ كعبَيه، يغلي منه دِمَاغُه» (١).