كان ﷺ «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل» (١).
المثال الثالث: ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة: من كرمه وأخلاقه العظيمة في ذلك ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، «فإنه ﷺ بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه "اجمعوا لها"، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: "اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك (٢) من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا».
وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: «لقيت أسحر
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم ٦/ ٢٤٩، برقم ٣١٤٣ - ٣٣٤٩.
(٢) أي: لم ننقص من مائك شيئًا. انظر: فتح الباري ١/ ٤٥٣.
[ ١٢٢ ]
الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (١) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا» (٢).
وفي رواية: «فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام» (٣).
وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران:
الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي ﷺ وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من
_________________
(١) الصرم: أبيات مجتمعة من الناس. انظر: فتح الباري ١/ ٤٥٣.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨٠، برقم ٣٥٧١، وأطرافه في البخاري: برقم ٣٤٤، ورقم ٣٤٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ١/ ٤٧٦، برقم ٦٨٢.
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بكفيه من الماء ١/ ٤٤٨، برقم ٣٤٤.
[ ١٢٣ ]
معجزات النبي ﷺ التي تدل على صدق رسالته.
الأمر الثاني: كرم النبي ﷺ حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا.
أما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي ﷺ على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم (١).
وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي ﷺ، فما أحوجنا إلى الاقتداء بالنبي ﷺ والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، والله المستعان.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٤٥٣.
[ ١٢٤ ]