وهذا من مظاهر حلم النبي ﷺ، فقد أخذ بالظاهر ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولاسيما من صلَّى (١).
المثال الثالث: مع الطفيل بن عمرو ﵁: من مواقف الحلم ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي - ﵁ -، فقد أسلم الطفيل - ﵁ - قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه وعشيرته إلى الله - ﷿ - فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت.
_________________
(١) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري ٨/ ٦٩.
[ ١٤٧ ]
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم، اللهم اهد دوسًا وائت بهم» (١).
وهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأَ نِّيه في الدعوة إلى الله - ﷿ -؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأنِّي وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ٦/ ١٠٧، برقم ٢٩٣٧، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي ٨/ ١٠١، برقم ٤٣٩٢، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين ١١/ ١٩٦، برقم ٦٣٩٧، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطي ٤/ ١٩٥٧، برقم ٢٥٢٤، وأخرجه أحمد واللفظ له ٢/ ٢٤٣، ٤٤٨، وانظر: البداية والنهاية ٦/ ٣٣٧، ٣/ ٩٩، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٠٧.
[ ١٤٨ ]