فأسلم على يديه خلقٌ كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١).
الله أكبر! ما أعظمها من حكمةٍ أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة.
وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله - ﷿ - العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم بمعرفة هدي النبي ﷺ في دعوته.
المثال الرابع: مع من أراد قتله ﷺ: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قِبَلَ نجدٍ (٢) فأدركنا رسول الله ﷺ في وادٍ كثير العضاه، فنزل
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٤٦، وزاد المعاد ٣/ ٦٢٦، والإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢٢٥.
(٢) وقع في رواية البخاري التصريح باسمها "ذات الرقاع"، انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٦، برقم ٤١٣٦.
[ ١٤٩ ]
رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ، فَعلَّق سيفه بغصنٍ من أغصانها، قال: وتفرَّق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ: "إن رجلًا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا (١) في يده، فقال لي، من يمنعنك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، قال: فشام (٢) السيف، فهاهو ذا جالس"، ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ» (٣).
الله أكبر! ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس!
_________________
(١) والسيف صلتًا: أي مسلولًا. انظر: شرح النووي ١٥/ ٤٥.
(٢) شام السيف: أي رده في غمده. انظر: المرجع السابق ١٥/ ٤٥.
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة ٦/ ٩٦، ٩٧، برقم ٢٩١٠، وكتاب المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع ٧/ ٤٢٦، برقم ٤١٣٥، ومسلم، واللفظ له، كتاب الفضائل، باب: توكله على الله - تعالى -، وعصمة الله - تعالى - له من الناس ٤/ ١٧٨٦، ١/ ٥٧٦، برقم ٨٤٣، وأحمد ٣/ ٣١١، ٣٦٤. وانظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني فقد ذكر رواية مطولة عزاها لأبي بكر الإسماعيلي في صحيحه ٢/ ٣٣٥.
[ ١٥٠ ]